مجتمعات التوتّر

طبول التناحر تدقّ في اتجاهات شتى وبعناوين متفرقة الأهواء، ومعها مشاعر تتأجج في مجتمعات التوتّر.

الأربعاء، 18-03-2015 الساعة 12:52


من المجازفة أن لا تحظى المجتمعات بقدرة كافية على احتمال متاعبها وحلّ مشكلاتها. فما من مجتمع إلاّ ويختزن معضلاته ويستبطن تناقضاته، وهي إن زادت أو نقصت تبقى محكومة بمعادلات؛ منها مدى القدرة على التعامل معها أو احتوائها، إن لم يكن حلّها أو تلافيها.

أمّا في مجتمعات التوتّر فيتحوّل التنوّع الداخلي ضمن النسيج الاجتماعي إلى مدعاة للتمزّق وانفصام العرى، فتندفع الأطراف بمقتضاه إلى شفير المواجهة وتستسلم لغواية الاحتراب، ويُفضي اختلاف المشارب والاتجاهات إلى حال من الانقسام والتفكّك بدل إرساء قواعد للتعددية والتفاهم.

هذا ما يجري تقريباً في الأرجاء، ضمن تفاعلات مخاض تاريخي شاقّ، تنهار خلاله بنى مُصطنعة، لتستشرف المجتمعات مخاطر التشظي والاحتراب الداخلي على جبهات متعددة. ويمكن الجزم فوق ذلك بأنّ الشعوب مكشوفة لتلاعبات شتى تباشرها أطراف دولية وإقليمية. أما النخب المنصرفة عن مسؤولياتها فينشغل بعضها بلعبة التأجيج المتبادل، أو ينهمك بعضها الآخر في تخمين شكل الخرائط الجديدة التي ستهبط على المنطقة أسوة بما حدث قبل قرن من الزمان.

من القسط الاعتراف بأنّ نموذج الدولة العربية الحديثة ساهم في مصادرة أدوار المجتمع، فقلّصت أنظمة الحكم قدرات الشعوب الذاتية على التعامل مع الواقع بموجب العلاقة الاعتمادية المفروضة، فالحاكم يفكِّر عن الشعب ونظامه يحتكر الأداء. ولمّا تضعضت كيانات الدول وانحسر سلطانها عن الضبط والتحكم؛ أسفر الانكشاف عن مجتمعات غير مؤهلة لركوب الأمواج المتلاطمة.

لقد تضعضع الاجتماع العربي الراهن فأضعف حصانة الشعوب، بما ترك المجتمعات مكشوفة على تهديدات وخيمة العاقبة مع ضمور دول الفتات التي كانت مسيّجة بإحكام.

يحفل الواقع الراهن بالتوتّرات التي تعني غلبة الاستقطابات، أي التمحور حول الأطراف والانتماءات الفرعية ومفارقة الخيمة الجامعة. لا يحظى خطاب الوفاق بالرواج في هذه المرحلة، فالمجتمعات تحتشد وجهاً لوجه كالجماهير المصطفة في الملاعب، ولا ضمانات بعدم انفلات المشهد من جولة الهتافات المتأججة إلى صولة المواجهات المباشرة، خاصة مع الانتهاكات المتزايدة لقواعد اللعب، وغياب فريق التحكيم عن ضبط المشهد.

تتصاعد دواعي التوتر في الأرجاء، وهو ما يفرض مراجعة للأدوار القادرة على معالجة الموقف، ولا يكون ذلك بمعزل عن تجديد الثقة بالشعوب والمجتمعات، وتمكينها من المشاركة في إدارة الموقف الذي ستدفع ضريبته من لحمها الحيّ إن انزلقت الأوضاع إلى الهاوية.

ليس من الجائز أن تعمى البصائر عن إدراك المخاطر المحدقة مهما علت الأبراج الشاهقة وتلوّنت الفضاءات بالبهجة المصطنعة. إنه ليس تشويقاً سينمائياً مثيراً للهلع، فقد جرّب العرب في موسمهم الراهن تجريف الدول في أيّام، وسقوط العواصم في سويعات، وما لم ترتكز أعلام الدول إلى شعوب ترفعها؛ فما سيبقى لها بعد لحظة الحقيقة من باقية.

عندما تبدو المراهنة على نزع فتيل التوترات حالمة؛ فلا أقل من التحذير من الانزلاق إلى إغراءات التقويض الذاتي في لحظات التأجّج. قد ينفرط العقد مع واقعة كان يمكن تجاهلها، أو خطاب يتدحرج نحو مواجهة منفلتة من التعقل، أو إجراءات طائشة يباشرها من تسوِّل له حاشيته خوض المغامرات.

تعلو في الأمة لافتات تدعو إلى التواصل بين الحضارات والحوار بين الأديان في الفضاء الخارجي، بينما يبلغ الشقاق الداخلي مداه مع اتساع الفجوات وتحوّل خرائط التنوّع الثقافي والطائفي إلى خطوط تماس لمواجهات وشيكة يمكن رسم مآلاتها البائسة.

طبول التناحر تدقّ في اتجاهات شتى، وبعناوين متفرقة الأهواء، ومعها مشاعر تتأجج في مجتمعات التوتّر. وفي ما يجري مدعاة للمراجعة الجادّة، إن بقيت لها فرصة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة