مجتمعات جديدة غير مرئية في الخليج

كان السؤال عن أقرب مجلس أو ديوانية هو خيار الباحثين عن المجتمع في الخليج.

الجمعة، 06-03-2015 الساعة 12:13


كان السؤال عن أقرب مجلس أو ديوانية هو خيار الباحثين عن المجتمع في الخليج. فهناك يلتقي الأقران ويأتلف الجيران، وقد يجتمع في بعضها زملاء العمل أو الحرفة. وتجد ربات البيوت فسحة للتواصل بالتحلّق حول فناجين القهوة بعد إشراقة الشمس أو بالاجتماع على شاي الضحى.

إنه المشهد الاجتماعي الأفقي الذي كان وسيبقى على الأرجح. لكنّ الخليج شاهد أيضاً على نشوء مجتمعاته الجديدة، التي تتشكل وتتكتل حول اهتمامات مشتركة، مستفيدة من فضاءات التواصل الافتراضي التي تستهلك بعض الأوقات، أو ربما معظمها.

تتجاوز المجتمعات الجديدة حدود الزمان والمكان. ففي تواصلها لا تعترف بطقوس الضحى أو تقاليد المساء، إذ يلتقي جميعهم غير آبهين بعقارب الساعة في دورانها الدؤوب. أما في تجاوزها المكاني فلا تعترف المجتمعات الجديدة بحدود أو أسلاك شائكة أو حتى أعلام وطنية.

بعثرت الشبكات الاجتماعية أوراق التواصل اليومي، وفرضت الأجهزة المحمولة بتطبيقاتها المتلاحقة قواعد جديدة للانتظام الاجتماعي. تنشأ تقاليد جديدة في المجتمع الذي ينغمس في الواقع قبل أن يحصل على إرشادات التعامل معه.

هي مجتمعات جديدة وإن لم تكن مرئية، لكنها لم تعد افتراضية تماماً، إذ يهيمن تواصلها واجتماعها على الحياة اليومية في العالم الواقعي بالنص والصورة والمقطع والتخاطب والترائي المتزامن، فيبدو الحال في بعض المجالس والديوانيات على هيئة أفراد متفرقي الأهواء بين جدران أربعة، يلوذ كل منهم إلى عالمه الخالص مع مجتمعه الموازي.

وتحت سقوف البيوت تنفلت انشغالات أعضاء الأسرة الواحدة من عقالها بعدد الهواتف الذكية المحمولة في أيديهم، أو الأجهزة اللوحية، أو الحواسيب المتناثرة في المنزل. قد يُتاح الاجتماع التقليدي مجدداً لو انقطع البث فجأة، ثم يمضي الجمع في المسالك المبعثرة بعودته.

ليست المجتمعات الجديدة حالة عابرة، بل هي ظاهرة تتكرّس وواقع يتجذّر، ومعها طقوس تتراكم، وتقاليد تسارع إلى بسط سلطانها على الجمهرة.

يأتلف الأفراد في "مجالسهم وديوانياتهم" الجديدة، عبر اهتمامات تجمعهم في مسارب الحياة المتعددة، ترفيهاً ومخالطة، أو حديثاً ومعايشة، وتتعدد الشواغل عبر أطياف الفن والأدب والثقافة والرياضة، أو العلم والوعظ واكتساب المعارف والخبرات، وغير ذلك كثير.

يجري هذا ويتسارع، وتبقى المدرسة في مكانها عالقة، وتظل الجامعة في بطئها المعهود، ويحافظ المجتمع التقليدي على تفاعله المتأخر مع تطورات جارفة لا تعترف بأسوار المدينة أو جدران البيوت.

في ما يجري مكاسب وفرص، ووفرة من التحديات أيضاً. تنحسر الحصانة عن المجتمعات لكنها تنفتح على آفاق أرحب ومخاطر غير متوقعة، وتفتقد مؤسساته مركزية التوجيه الذي عهدته من قبل فيضمحل دورها أو يتضعضع إن لم تتهيأ للتحدي. يخسر المنهاج المدرسي حصرية التكوين إن بقي على حاله، ولا تُطلب الفتوى من علماء البلد وحدهم بل يبحث كل عن مفتيه المرغوب أو فتواه المفضلة، كحال الخطب الجُمَعية والدروس الوعظية التي يواكبها المهتمون حسب تفضيلاتهم دون اعتبار منشئها المكاني. وفي غمرة العولمة الثقافية وسيولها الجارفة التي تصبغ الأجيال بألوانها المتلاحقة، تتهاوى مقولات شاعت في زمن غابر عن تسلل "الغزو الفكري" من الثنايا. يلتحق الناشئة بالظواهر المتحركة سريعاً عبر الدوائر الثقافية في عالم يترابط، وتتنافس الأجيال في البرهنة على الانتماء إلى المجتمعات الجديدة من خلال رموز وإشارات تتفشى سريعاً قبل أن يزاحمها ما يستجد في اليوم التالي.

وفي ما تتسارع التحوّلات في الاتجاهات كافة؛ قد يحسب المجتمع التقليدي أنّه ما زال ممسكاً بالزمام، إلى أن تتكشّف المستجدات المذهلة لبعضهم يوماً ما، فيتجلى للناظرين مجتمع عريض وهو يبيت على مجتمعات شتى تتشكل سريعاً باهتمامات متعددة. تفرض الظواهر حضورها دون أن تضمن للنسق الجامع قدرة على استيعابها أو التكيف معها أو قابلية الاستجابة الرشيدة لتحدياتها.

من يتعامل مع هذا التحوّل التاريخي بمنطق المخاوف والتهديدات يزداد خسرانه، ففي التحدي فرص لا مناص من اغتنامها. لكنّ الموقف يتطلب تجديد الثقة بالأجيال، وتهيئتها للإبحار الرشيد عبر الزمان والمكان والثقافات، بدل تركها لمغامرات التجريب أو خشية البلل عليها وهي مكتوفة.

وفي مآلات الأمور؛ سيبقى المجلس والديوانية حقيقة مرئية، وفي الظلال مجالس وديوانيات وعوالم شتى تتفاعل، وإن لم يعترف الجميع بأدوارها الصاعدة بعد.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة