محاولة اغتيال القرني.. والداعية العالمي

لن يصحح مفاهيم العالم عنا إلا نحن عندما نبني دولاً محترمة ترقى لمستوى الحضارة المعاصرة.

الأربعاء، 02-03-2016 الساعة 23:31


صارت العروبة وصمة عار على الجميع بعد تردي وضعنا العربي حكومات وشعوب، لقد تأخرنا كثيراً عن الحضارة وأصبح سهلاً وصم أي عربي بالمتخلف أو الإرهابي أو أي عبارة انتقاص، لا أوافق على هذه الأوصاف ولكنها أضحت متداولة لوصف الجميع من اليمين لليسار للعلمانيين والحداثيين والإسلاميين والقوميين على حد سواء.

لن يصحح مفاهيم العالم عنا إلا نحن عندما نبني دولاً محترمة ترقى لمستوى الحضارة المعاصرة، محققة الشروط العامة لبناء الدولة ، فالدولة التي ستحترم هي التي ستبدأ من الهوية القومية الوطنية للشعب، وتقوم على المؤسسات التي تخدم الشعب وفقا لعقد إجتماعي يتناسب مع احتياجات وثقافة وهوية الشعب وقيمه الروحية والأخلاقية.

أثارني بالأمس تعرض الداعية الشيخ عائض القرني حفظه الله لحادث اعتداء في الفلبين، أياً كان حادث الاعتداء فهو مدان لأنه ضد الإنسانية وضد الحياة، بعيداً عن التفاصيل ما الذي كان يفعله شيخنا الفاضل في الفلبين؟ "يدعو إلى الله" هي أقرب الإجابات، جزاه الله خير الجزاء وجزى من دعمه من مؤسسات وجهات مسؤولة في مثل هذه الرحلة الدعوية، ولكن كم عدد المسلمين في الفلبين الذين يعرفون ويفهمون لغة الشيخ القرني؟ "هناك مترجمين فوريين واللغة لم تعد عائقاً" هذه أقصر الإجابات وأقلها وزناً! ففي الفلبين اثنا عشر لغة ليس من بينها العربية بالطبع، وعدد سكانها ما يقرب من تسعين مليون نسمة، ونسبة المسلمين تصل إلى 15% من إجمالي عدد السكان، ولا توجد إحصائية رسمية أو شبه رسمية تقول إن بينهم ناطقين بالعربية.

الدعوة ليست خطبة عربية ولا موعظة روحية، ليست مجرد حب فقط هي رسالة جماهيرية اتصالية مكتملة الأركان، ولا بد أن تكون واضحة وبلا تشويش ولها رجع صدى وتفاعل فوري بين المرسل والمستقبل كأي اتصال وجاهي.

إذا فقد الداعية صاحب الرسالة الاتصال الفوري ورجع الصدى والتفاعل البيني مع الجماهير، فإن الترجمة لن تقوم بهذه المهمة، فقط ستكون تكاليف الدعوة أكبر من مردودها، والتشويش موجود في الترجمة وفي شخصية العربي لابس الثوب القصير ذو اللحية الكثة والذي يملك بئر بترول ومتزوج من أربع نساء ولديه خمس خادمات من "الفلبين" ويأمر فيطاع، لا بد أن هذه الدعوة ستكون "هاي كلاس" فصورة العربي قد رسمها الإعلام بطريقته وسنحتاج إلى إقناع العالم بأنها صورة مغلوطة عندما نحقق الشروط العامة أعلاه.

أحب أن استمع لمحاضرات شيخنا القرني وأحب لغته وأسلوبه وفصاحته وشعره وأحب حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعجب بحضوره الذهني ونقاء كلماته النابع من نقاء قلبه فما يقوله نابع من القلب ويصل إلى القلب، لكن الوسائل اختلفت والعالم تطور والإسلام اتسعت رقعته، وهناك دعاة مسلمين في شرق آسيا وجنوب شرق آسيا، والهند أقدر على إيصال نفس الرسالة وبنفس لغة القوم وبتشويش معدوم، إذ إن جنسية المتحدث ليست متهمة ولم يتم التحريض الإعلامي ضدها.

إيران تستغل كل وسائلها ووسائل غيرها لتضلل العالم وتزرع الكراهية ضد العرب، وتعيد تضخيم صورة العربي المرسومة في الإعلام الأمريكي والغربي بأبشع منها، وهي مستنفرة في هذه الفترة لنشر حقدها وتشيعها المجافي للأمة ولروح الإسلام، وإيقافها لا يكون إلا باستنهاض الأمم والشعوب المسلمة وتكوين مجلس دعاة عالمي، ترعاه هيئات العلماء في كل البلدان لقول كلمة الحق بكل لسان وبكل لغات الشعوب المسلمة، فالإسلام ليس العرب وليس لغة العرب بل هو رحمة للعالمين وهذه الصورة يجب أن تصل للعالم أجمع.

إيران التي ترسل للعالم دعاتها سراً لتدريب وتأهيل من يتبعون مذهبها السياسي المغطى بالتشيع وآل البيت زوراً وبهتاناً، لكنها لا ترسل خطباء ولا وعاظ وتعتمد أسلوب القرامطة والحشاشين والعلويين في الدعوة السرية وتوفر لهم إمكانات وأموال الخمس ودخلت معظم بلدان العالم الإسلامي، وأثرت في المجتمعات وتأثيرها ظهر في بعض الدول وسيظهر في دول أخرى، ومع أنها تقف لوحدها إلا أنها تعلم ما تريد تبحث عن دور في كل دولة وتسعى لزيادة أعداد المؤمنين بمشروعها بينما غيرها لم يسخر 1% من إمكانياته بطريقة صحيحة، ويرسل الضجيج قبل العمل، والضجيج لا يصنع تغييراً محليا فكيف سيصنع تأثيراً على مستوى عالمي.

اذا أردنا إيصال رسالة الإسلام نقية بلا مذاهب وبلا جماعات وبلا دعوات حزبية وبلا شوائب وبلا صورة نمطية، لديها أعداء مزروعين في كل دولة وبين أفراد كل شعب فلا مناص من تفعيل كل الهيئات والمنظمات الدعوية لتقاسم هم الدعوة وتحويلها من أعمال فردية إلى أعمال مؤسسات عالمية موجودة في كل دولة بصفة رسمية، وما المانع من إنشاء أكاديمية عالمية للدعوة بإشراف منظمة المؤتمر الإسلامي مقرها في مكة المكرمة لتأهيل الدعاة من كل جنسية، وبكل لغة ليعودوا بالدعوة التي تناسب عالمية هذا الدين وسماحته وتفاعله مع هموم الشعوب والمجتمعات المحلية في أصقاع المعمورة.

الدكتور زاكر نايك الداعية الهندي مقنع في خطابة للعالم أكثر من كل دعاة العرب لما حباه الله من إقناع وفهم واعتدال وتسامح وقوة خطاب، لماذا لا يوجه لدعوة ما يحيط بالهند من بلدان لماذا لا يدعم لماذا لا يتحول جهده إلى مؤسسة تخرج الدعاة العالميين، فمخزون الهند من التسامح واحترام الأديان، أكثر من مخزوننا كعرب لأننا نرفض وجود ديانات أخرى في جزيرتنا ونعتبرهم شيطان (لقد يئس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب) ليكن هذا عندنا، ولكن عند العالم هذا غير مقبول وعند الدعاة العالميين غير هذا المنطق الذي يلغي وجود الآخر وحريته في الاعتقاد.

يقول مولانا جلال الدين الرومي: "أنا مثل الفرجار بينما أقف برجل ثابتاً على الشريعة، أدور برجلي اﻷخرى على اثنتين وسبعين ملة".

كان يدعو العالم ويحترم مللهم وحقهم في الاعتقاد، وهذا ما فشلنا به كعرب على كافة المستويات، حتى من ابتعدوا عن الدعوة والتدين تراهم يدعون لأيديولوجياتهم ويرون فيها الخلاص الأوحد والحق المحض، وهم لا يختلفون كثيراً عن رافعي شعار الإسلام هو الحل.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة