محمد حسان.. إذ يؤسس لــ"الإسلام الأمريكاني"

وهل هذا يا شيخ حسان يعطي الدولة الحق في إراقة الدماء وحرق الجثث؟

الجمعة، 19-08-2016 الساعة 11:03


خرج علينا الداعية محمد حسان بمجموعة من التصريحات الصحفية، منتقياً فيها أجمل العبارات وأعزب الكلمات، مبرراً للدولة القمعية المصرية استخدام آلة القمع ضد المعتصمين العزل في ميدان رابعة العدوية، وكان آخر تلك التصريحات، تصريحاته لجريدة "الوطن"، التي انتقد فيها اعتصام رابعة وقال إنه حذر الإخوان من تداعيات الاعتصام وقال للإخوان: "إن من يظن أن جماعة مهما كانت تستطيع أن تهزم دولة فهو أحمق، وإنهم يخالفون سنن الله الكونية".

وهل هذا يا شيخ حسان يعطي الدولة الحق في إراقة الدماء وحرق الجثث؟

البرادعي حين يُكذب حسان

قال الشيخ حسان في حواره "للوطن" إن قيادات الإخوان الذين التقاهم "رفضوا جميع النتائج التي توصل إليها مع عبد الفتاح السيسي الذي كان وزيراً للدفاع حينها، لحقن الدماء بعد أن وعدتهم "كاترين آشتون" بعودة مرسي، وأكد حسان أن الإخوان قالوا له: "لن نتسامح ولن نتصالح".

وقال حسان إنه وجه سؤالاً محورياً للدكتور عبد الرحمن البر: "هل الدماء المتوقعة في النهضة ورابعة، دماء ظنية أم يقينية؟"، فرد البر قائلاً: "متيقنة"، فقال له حسان: "وهل يجوز أن نترك باباً للمصالحة لحقن دماء يقينية؟"، فرفض "البر" الرد.

مجموعة من التبريرات ولن أقول "الأكاذيب" روجها الشيخ حسان في حواره للوطن، وقد رد عليها القيادي الإخواني الدكتور عمرو دراج الذي ذكره حسان في أثناء حواره، حيث أكد دراج أنه لم يقابل حسان في حياته، وأن "آشتون" لم تكن موجودة في مصر في هذا الوقت أصلاً. وأضاف دراج أن "كلام حسان كله تناقض، فكيف يقول إن آشتون قالت لنا إن علينا قبول الواقع، وفي نفس الوقت وعدتنا بعودة د.مرسي؟"، وحمل دراج الشيخ حسان مسؤولية الدماء.

وثمة شهادة للدكتور محمد البرادعي تفند "تبريرات" حسان باستخدام آلة القمع، ويبدو أن حسان تجاهل عمداً شهادة محمد البرادعي، نائب الرئيس المؤقت عدلي منصور للشؤون الخارجية في أول حكومة بعد 30 يونيو، والتي أكد فيها أن قرار الفض كان مسبقاً بدعم خليجي لمنع التوصل إلى أي اتفاق سياسي.

ويوم المجزرة، أعلن البرادعي استقالته، ونشرت له "الشروق"، في عدد السبت 17 أغسطس/آب 2013، تصريحات مثيرة وخطيرة أعلن فيها أنه سجل اعتراضه على قرار الفض في اجتماع مجلس الوزراء، وأن الإخوان وافقوا على إخلاء نصف الميدان والتوقف عن المسيرات، مقابل إطلاق الكتاتني وأبو العلا ماضي، والبدء في مفاوضات سياسية واسعة تفضي إلى حل للأزمة.

وذكرت الشروق، نقلاً عن مصدر مقرب من البرادعي حينئذ، أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وقطر والإمارات رحبت بالاتفاق، غير أن المصدر قال إنه يبدو أن هناك قراراً مسبقاً بفض الاعتصام، مدعوماً من جانب بعض دول الخليج.

- الإسلام الأمريكي

تشعر في حوار الشيخ حسان وكأنه يؤسس لمفهوم "الإسلام الأمريكاني"، يقول حسان: "قلت للإخوان آنذاك وحذرتهم: أحمق من يظن أن جماعة مهما كانت تستطيع أن تهزم دولة، ليس من البطولة أن نُصدّر شبابنا ليحطموا الجدران الصلدة برؤوسهم، لأن رؤوس أولادنا ستتحطم وتبقى الجدران الصلدة كما هي. أنا لست رجل سياسة، ألف باء فهم لسنن الله الكونية تقول لكم تراجعوا حفاظاً على الدعوة وعلى الدماء وعلى البلد، فمن جاء بكم إلى الحكم هو الله سبحانه وتعالى، ثم الدعوة، فاتركوا الحكم لأننا لسنا متعبدين للحكم، وارجعوا إلى الدعوة لأننا متعبدون بدعوة الخلق إلى الحق بحق، ارجعوا خطوة للخلف فوسيلتنا الأولى هي الدعوة".. إذن الشيخ حسان الذي يصف نفسه بأنه ليس رجل سياسة، يأمرنا بترك الحكم والعودة للدعوة والمساجد! وكأنه يقول لنا: "دع الخلق للخالق"! وهذا هو عين الإسلام الأمريكاني الذي أقصده.

وعن هذا "الإسلام الأمريكاني" يقول العالم الراحل الدكتور مصطفى محمود في كتابه الرائع "الإسلام السياسي والمعركة القادمة":

((هدفهم عزل الدين وإخراجه من الساحة، وإبطال دوره، دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، المسجد تصلي فيه وتتعبد وتسجد وتركع كيف شئت، ولكن الشارع لنا، والسياسة لنا، ونظام الحياة من شأننا، ولا شأن لله فيه ولا أمر ولا نهي لله فيه.. نعم للعقيدة ولا للشريعة. والمعركة ما زالت دائرة، ونحن في معمعتها، والراية هذه المرة هي الإسلام السياسي، نكون أو لا نكون، وهم ما زالوا يمكرون بنا، فإن خرج الإسلام من الحياة فسوف يعقبه خروج الإسلام من المسجد، ثم هزيمته الكاملة، فالإسلام منهج حياة ولا يمكن أن يكون له نصف حياة أو أن يسجن في صومعة.

الإسلام السياسي هو إسلام ينازع الآخرين سلطاتهم، وهو بطبيعته يريد أرضاً يقف عليها غيره، وهو لا يريد أن يحكم بل يريد أن يحرر، هو يريد أن يحرر أرضه المغتصبة، ويريد أن يحرر عقولاً قام الآخرون بغسلها وتغريبها، ويريد أن يسترد أسرته وبيته، بالكلمة الطيبة وبالحجة والبينة، بالحوار الحضاري لا بالاشتباكات العسكرية، ولكنهم لن يعطوا الفرصة لهذا الحوار الحضاري وهم ينتظرون سقطة من زعامة متخلفة، ويتعللون بصيحة عنف يصرخ بها منبر ضال، أو عربة ملغومة يفجرها عميل ثم يتطوع عميل آخر ليقول إنها من عمل "الإسلام".. ليثيروا بها ثائرة الأبيض والأحمر والأصفر على الإسلام وأهله.

حينما يصرح الساسة في الغرب بأنهم لا يعادون الإسلام وأنهم ليسوا ضد الإسلام كدين فإنهم يكونون صادقين بوجه من الوجوه، إذ لا مانع عندهم أبداً من أن نصلي ونصوم ونحج، ونقضي ليلنا ونهارنا في التعبد والتسبيح والابتهال والدعاء، ونقضي حياتنا في التوكل، ونعتكف ما نشاء في المساجد- كما يريد الشيخ حسان- ونوحد ربنا ونمجده ونهلل له، فهم لا يعادون الإسلام الطقوسي، إسلام الشعائر والعبادات والزهد، ولا مانع عندهم في أن تكون لنا الآخرة كلها، فهذا أمر لا يهمهم ولا يفكرون فيه، بل ربما شجعوا على التصوف والاعتزال وحالفوا مشايخ الطرق الصوفية ودافعوا عنهم، ولكن خصومتهم وعداءهم هي للإسلام الآخر، الإسلام الذي ينازعهم السلطة في توجيه العالم وبنائه على مثاليات وقيم أخرى، الإسلام الذي ينازعهم الدنيا ويطلب لنفسه موقع قدم في حركة الحياة، الإسلام الذي يريد أن يشق شارعاً ثقافياً آخر ويرسي قيماً أخرى في التعامل ونماذج أخرى من الفن والفكر، الإسلام الذي يريد أن ينهض بالعلم والاختراع والتكنولوجيا ولكن لغايات أخرى غير التسلط والغزو والعدوان والسيطرة.

الإسلام السياسي، الإسلام الذي يتجاوز الإصلاح الفردي إلى الإصلاح الاجتماعي والإصلاح الحضاري والتغيير الكوني، هنا لا مساومة، ولا هامش سماح، وإنما حرب ضروس، هنا سوف يطلق الكل عليك الرصاص، وقد يأتيك الرصاص من قوى سياسية داخل بلدك الإسلامي نفسه ... والصدام هو قَدَر كل من يحاول أن يخرج بالإسلام من دائرة المسجد فقط ويسعى به خارج عالم التكية الصوفية.

وهكذا أصبح الإسلام السياسي يحارب في جبهتين، فهو يحارب من أهله ويحارب من الأجنبي في وقتٍ واحد، الإسلام السياسي دعوة وتوعية هدفها الوصول إلى الرأي العام، ومرادها توصيل المنهج الإسلامي في صفائه وبساطته وشموله إلى عامة المسلمين الذين يظنون أن الإسلام مجرد صلاة وصيام، فنقول لهم بل هو حياة ومعاملة وعلم وعمل، ومكارم أخلاق، ورحمة وعدالة، ورفق بالضعفاء، ومعونة للفقراء، وشورى للحكام، وديمقراطية، ومشاركة شعبية في القرار)). انتهى كلام الدكتور مصطفى محمود.

كلمتي لـ" الدراويش"

أقصد بـ"الدراويش" هنا من لم يفهم العبارة الشهيرة "لحوم العلماء مسمومة" التي ذكرها الحافظ فخر الدين ابن عساكر في كتابه "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري"، والتي يرددها البعض دون فهم، حيث يعتقدون أن العلماء معصومون من الخطأ، لا يُستدرك عليهم، وهذا ما لم يفهمه عاقل يعي أن العلماء بشر كغيرهم، وإن فُضّلوا بحمل ميراث الأنبياء عليهم السلام.

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ((ليس كل عالم يكون ثقة، فالعلماء ثلاثة: علماء ملة، وعلماء دولة، وعلماء أمة. أما علماء الملة -جعلنا الله وإياكم منهم- فهؤلاء يأخذون بملة الإسلام، وبحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يبالون بأحد كائناً من كان. وأما علماء الدولة فينظرون ماذا يريد الحاكم، يصدرون الأحكام على هواه، ويحاولون أن يلووا أعناق النصوص من الكتاب والسنة حتى تتفق مع هوى هذا الحاكم، وهؤلاء علماء دولة خاسرون، وأما علماء الأمة فهم الذين ينظرون إلى اتجاه الناس، هل يتجه الناس إلى تحليل هذا الشيء فيحلوه، أو إلى تحريمه فيحرموه، ويحاولون أيضاً أن يلووا أعناق النصوص إلى ما يوافق هوى الناس)).

وأخيراً أختتم سطوري بهذه الكلمة "التاج" لسيدنا الإمام ابن تيمية: ((إذا رأيتموني في ذلك الجانب-يريد جانب العدوّ أو الباطل- وعلى رأسي مصحف فاقتلوني))، كلمة قالها شيخ الإسلام ابن تيمية، تكتب بماء الذهب، كلمة تؤكد أن الإسلام فوق كل شيء لا مجال فيه للعواطف الفارغة.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة