محنة حقوق الإنسان في سورية ومشتقاتها!

اليأس سيخدم المستبدّين والمجرمين الذين سيجدون راحتهم عندما لا يلاحقهم أحد على جرائمهم بحق الإنسان والإنسانية.

الاثنين، 18-05-2015 الساعة 13:02


على مدار أربعة أيام في إسطنبول، أشرفت على دورة تكوينية وتدريبية تحت عنوان بارز ومهم وهو "الناشط في حقوق الإنسان"، والتي أقامتها منظمة هيومن ريستارت الدولية. وقد حضر الدورة متكوّنون من سورية والعراق والسعودية والأحواز والجزائر وتونس وليبيا وفلسطين وغيرهم.

المتدرّبون شدّوا رحالهم وقدموا إلى تركيا من بعيد، تحمّلوا عناء السفر من أجل الحصول على شهادة دولية تمكّنهم من النشاط في مجال حقوق الإنسان، كما أن المنظمة المعنية بدورها قدّمت الكثير من الإمكانيات المادية والبشرية لإنجاح دورة كانت بمعايير دولية من حيث التكوين والإشراف والشهادات.

بصفتي من أشرفت على الدورة وقدّمت المحاضرات ودرّبت الحاضرين في ورشات عمل حول القوانين الدولية، سجّلت الكثير من الملاحظات التي وجب أن نتحدث عنها في هذا المقام، والتي تعتبر مؤشرات دقيقة تكشف حقيقة الوضع الحقوقي في العالم، خاصة ونحن نعيش ظرفاً استثنائيا لم يسبق له مثيل بكل المقاييس:

1 - أغلب المتدرّبين هم من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان سواء على المستوى الشخصي أو على مستويات أخرى، وقد حفّزتهم معاناتهم على التحمّس من أجل تحصيل مكانة حقوقية على المستوى الدولي، وهذا من أجل الدفاع عن المضطهدين والمظلومين وحمايتهم من بطش المستبدّين والأنظمة الفاسدة.

هذا بلا شك عامل محفّز ومهم للغاية سيزيد في عزيمة الناشط الحقوقي من أجل تحقيق نجاحات وتقدم في مجال الدفاع عن الحقوق والحريات وترقيتها.

كما أن ذلك يزرع التفاؤل أنه كلما تزايدت الانتهاكات كلما صنعت قوة لدى الضحايا في استرجاع حقوقهم ومعاقبة الجناة، والعمل أيضاً على حماية الآخرين والدفاع عنهم.

2 - أكبر ما يعانيه العالم موجود في مجال حقوق الإنسان، وهذا واضح للعيان حيث ما نقله المتدرّبون والناشطون يؤكد على المدى الخطير الذي بلغته مآسي حقوق الإنسان، خاصة في سورية والعراق والأحواز واليمن.

ويكشف هذا الأمر عن مدى حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المهتمّين بحقوق الإنسان، وأيضاً يضع القوى الكبرى والمجتمع الدولي والأمم المتحدة في دائرة ضيقة للغاية؛ لأنها لم تؤدِ دورها المأمول منذ تأسيسها كي تحافظ على الإنسان وحقوقه وحريته.

3 - ما لاحظته وتردّد على ألسنة المتدرّبين هو اليأس من القانون الدولي الذي لم يحقّق أدنى حماية للشعوب خاصة في سورية والعراق.

لقد وجدت صعوبة لحدّ ما في إقناع المتدرّبين أن الصعوبات مهما كان حجمها يجب أن تكون المحفز الأساسي لكل من يرغب أن يصبح ناشطاً في مجال حقوق الإنسان، وإن كنت أفلحت لدرجة معينة في إقناع هؤلاء أن دورهم يجب أن يكون أشد قوة وفعالية في مواجهة التحديات الحقوقية، إلا أن هذا اليأس لا يزال يخيّم على عقول الكثيرين ممن صاروا يؤمنون حدّ اليقين أن شعارات حقوق الإنسان لا تقدم ولا تؤخر شيئاً.

طبعاً هذا اليأس سيخدم المستبدّين والمجرمين الذين سيجدون راحتهم عندما لا يلاحقهم أحد على جرائمهم بحق الإنسان والإنسانية، كما أن الناشط الحقوقي يعمل على حماية حقوق الإنسان وترقيتها، ولا يجب أن يتوقف عن العمل من أجل بلوغ غايته مهما كان حجم التحديات والصعوبات والعراقيل التي تواجهه.

4 - سبق أن استضافتني وسائل إعلام غربية ومنها الأمريكية وتحدّثت حينها، أنه لو طبق المجتمع الدولي المواثيق التي تتعلق بالحيوانات على ما يجري في سورية، لنجح في حماية السوريين من بطش النظام الإيراني في دمشق.

ولقد فاجأني متدرّبون بهذا لما أعادوا على مسمعي ما تحدثت به أو بغيره عبر مختلف وسائل الإعلام الدولية، ويكاد يكون الإجماع بين السوريين خاصة أن حقوق الإنسان لم تعد تنفع ما دامت قوى كبرى صارت متورطة في مستنقع سورية الذي أدى إلى مقتل وتشريد وجرح واختفاء وتهجير ونفي ولجوء أكثر من 10 ملايين من المدنيين.

5 - لمست أثناء الدورة التي شارك فيها محامون وحقوقيون وناشطون من مختلف المجالات، أنه توجد أزمة توثيق الجرائم في مناطق النزاع خاصة سورية والعراق.

هذا يعود إلى عدة عوامل منها خطورة العمل تحت حرب إبادة شاملة مثل القصف بالبراميل المتفجرة التي يستهدف بها نظام الأسد المدنيين، وأيضاً نقص الخبرة لدى الناشطين في مجال حقوق الإنسان، كما أن حجم الانتهاكات كثيرة جداً، وتحتاج إلى أن يتحوّل نصف ما تبقى من الشعب السوري داخل سوريا إلى حقوقيين، ولا أعتقد أن ذلك سيكفي لرصد وتوثيق ما يحدث.

وبحكم متابعتي للشأن السوري أجزم أنه لا يوجد متر مربع من التراب السوري لم يشهد جريمة ضد الإنسانية تورّط فيها نظام بشار الأسد، تحت حماية روسية ودعم إيراني معلن، وعلى كل المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية.

6 - على مدار أربعة أيام من التكوين والتدريب والمرافعات لصالح حقوق البشر، أجمع المشاركون على أن ظاهرة الإفلات من العقاب صارت مقنّنة لدى هيئات دولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، حيث أنه رغم الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي تجري في سوريا ويقترفها نظام الأسد، إلا أن هذا المجرم يتلقى الدعم من قبل روسيا والصين عبر مجلس الأمن والأمم المتحدة، من خلال حق النقض (الفيتو) الذي صار يستعمل ضد القانون، وهذا ما يحفّز على ضرورة مراجعة ميثاق هذه الهيئة الأممية، وإلغاء تمييز بعض الدول الكبرى بحق النقض، حتى يتساوى الجميع ويكون القرار بالأغلبية لا يحق لأي كان نقضه أو تجاوزه.

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل وصل الحد إلى المساواة بين الضحية المتمثل في الشعب السوري والجلاد المتمثل في حلف إيران.

الغرب يجرّم مجرد الإشادة اللفظية بالنازية وزعيمها أدولف هتلر، ولا أحد يمكنه أن يتجرأ على ذكره بأدنى خير، ولو يفعلها فسيجد نفسه أمام المحاكم بتهمة معاداة السامية، لكنه في المقابل يستضيف بشار الأسد في وسائل إعلامه كي يروّج لجرائمه ويستخف بالقانون الدولي، وأكثر نرى وفوداً من البرلمانيين يزورونه في دمشق، وهذا دعم مفضوح لظاهرة الإفلات من العقاب التي بلغت قمّتها، رغم أن الأسد قتل أكثر من نصف مليون مواطن سوري، وشرّد وجرح وعذّب وهجّر ونفى ما لا يقل عن 10 ملايين سوري، وتسبّب في حرب قذرة في المنطقة صارت تهدد السلم العالمي الذي من المفروض تحميه الأمم المتحدة ولو باستعمال القوة العسكرية، حسب الفصل السابع من ميثاقها.

7 - مشكلة أخرى صارت واضحة للعيان، وهي الكيل بمكيالين في مجال حقوق الإنسان، حيث أن المجتمع الدولي على سبيل المثال، يدافع عن الأقليات في بعض الدول ويتغاضى عنها في أماكن أخرى؛ فهو كثيراً ما يتحدّث –مثلاً- عن الأقليات في العراق وسورية ولكنه يتجاهلها تماماً في إيران وبورما.

من جهة أخرى، رغم أن القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وكل المواثيق الأخرى فيها حظر واضح وصريح للتمييز بين الضحايا لعرقهم أو دينهم أو لونهم أو جنسيتهم، إلا أن هذا يمارس في العالم، حيث أن الضحايا حينما يكونون من المسلمين فلا بواكي لهم، ولكن عندما يكونون من ديانات أخرى فالعالم يهتز لأجلهم، بل وصل الحال أنه في أحداث يسجل سقوط ضحايا من مختلف الديانات فيجري التركيز على غير المسلمين، ولكن المسلمين لا يتحدث عنهم أحد، رغم أن الكل سقطوا في جريمة غير إنسانية واحدة، كما جرى مع حادثة "شارلي إيبدو" في باريس مطلع العام الحالي.

8 - لقد سجّلت أثناء الدورة غياب التمييز بين المناضل السياسي والمناضل الحقوقي، حيث أن الكثيرين يحاولون الجمع بين المهمّتين في آنٍ واحد، رغم أنني لست ضد النضال المتعدد، ولكن لا يمكن الجمع بين السياسة وحقوق الإنسان في مهمة تتعلق بحقوق الإنسان، ولكن العكس يمكن أن يحدث.

9 - إن المشكلة الأساسية تكمن في وجود فرق شاسع بين الواقع والنظري في مجال حقوق الإنسان، حيث أنه لما نطالع القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، نجدها مثالية في حماية البشر إلى حد بعيد، ولكن الممارسة تختلف تماماً، وهذا من بين أكبر المعضلات التي يعاني منها الحقوقيون، ودفعت بالكثيرين إلى اعتزال العمل الحقوقي لما وجد النفاق الدولي بلغ درجة يجرمها القانون الدولي أصلاً.

10 - ما يجري في سورية والعراق واليمن وإيران والأحواز ولبنان وفلسطين وبورما وغيرها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، جعلت الناشطين كلّهم رغم همّتهم العالية في استعادة زمام المبادرة من حيث حماية حقوق الإنسان وترقيتها، يجمعون على أن العالم الحقوقي تشوّه إلى حد بعيد، ولم يعد ذلك العالم النظيف والإنساني ولكنه طالته الوحشية من قبل قوى كبرى بنت قوتها وحضارتها على شعارات الحقوق والحريات، لكنها في الممارسة خارج حدودها تفعل العكس تماماً؛ بسبب المصالح التي صارت تهيمن على كل شيء، ولم يسلم منها حتى القانون الدولي.

لقد كانت تجربة إسطنبول مع حقوقيين وناشطين من مختلف الدول العربية مهمة للغاية، وفي الوقت نفسه محزنة ومؤسفة أنستني هول ما وقفت عليه بنفسي ضمن بعثة مراقبي الجامعة العربية في سورية خلال الفترة الممتدة من 2011/12/25 إلى غاية 2012/01/10، حيث أن الكل أكّد وبصم بأن حقوق الإنسان تعاني من محنة كبرى خصوصاً في سورية والعراق واليمن، وبما لم يسبق له مثيل في أصعب المراحل التي مرّ بها العالم عبر التاريخ.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة