مخاتلة (متعة "داعش" ومتع البشر!)

البشرية تتطلع إلى الحياة، ولا يكون الموت خياراً وربما ضرورة إلا حين يكون تهديداً للوجود عبر الانتقاء القسري.

السبت، 07-02-2015 الساعة 12:46


البشرية تتطلع إلى الحياة، ولا يكون الموت خياراً وربما ضرورة إلا حين يكون تهديداً للوجود عبر الانتقاء القسري وإلغاء وجود الآخر.

فكرة المتعة لا تتصل بالحياة فقط، بل تتولد من الموت حتى أن سطوة «الحشاشين» نبعت من خلق متعة افتراضية ساحرة، لأن الإنسان لا يكون الموت خياره ما لم يفترض نشوة أبعد وأعمق وأسمى من خياراته الحالية. ينجح الفاسدون في تربية الخيانة وإشاعة الرشاوى، لأنهم يمتلكون فرصاً للمتعة تفوق الوضع القائم واحتمالات نموه. المتعة التي تختزل الجهد والعمل وتقدم الحلم والسحر على ما سواه هي - دائماً - مزيفة، لذلك لا تنمو ثقافة تفسير الأحلام في المجتمعات الجادة المراهنة على الإمكانات والقدرات، إنما تتغلغل في البنى الاجتماعية الأولية، لأن معطياتها الوجودية تقوم على الخرافة والوهم والأماني، منكرة المنطق والتحليل، وهو ما أدى إلى تصنيف العلماء المعتبرين في كل ثقافة مغلقة على أنهم زنادقة ومنحرفون، علماً بأن الثقافات لم تنشط وتنتعش إلا حين جعلت العلم ومنطقه أساس فلسفتها وأدائها.

في قرون سابقة لم يكن المجتمع البشري الأولي على تواصل، بل العداء والتصفية هما الأساس من أجل البقاء والاستمرار، خصوصاً أن هذه العمليات الدموية اقتصرت على الجيران الغرباء المنافسين على لقمة العيش والمهددين للوجود والاستمرارية.

منذ بدء تشكل المجتمعات المدنية تراجعت الحروب، وانتشر التعاون، إلى أن بدأت معاني المشاركة في التآكل لمصلحة الفردية الديكتاتورية، إذ رصد التاريخ حروباً لا تختلف عن الأعمال الإرهابية، غايتها نشوة دموية تستمد قوتها من طاعة الجماعة وسلبيتها.

الحضارة البشرية نتاج فترات التعاون والتواصل وتبادل المنافع والمعرفة، لذلك سقطت بغداد لأنها لم تستطع الحديث بلغة التتار القاتلة بحكم تربيتها على العطاء. تنظيم «داعش» وسواه من الجماعات المجرمة يدرك أن لا أمل له في الحياة الدنيا، لذلك يروج لمنافع الحياة الأخرى التي لا يمكن قطف ثمارها ما لم يكن الموت عنيفاً وصاخباً ومتمرداً.

«داعش» وغيره لا يؤمنون أن الغاية من وجود البشر هو إعمار الأرض، فهم مثل مدمني الرهانات واليانصيب الساعين إلى اختزال ثقافة العمل والتواصل أملاً بثروة مفاجئة، إلى درجة أن الغنى والمنافع ذهبت إلى السحرة الذين باعوا الوهم جيلاً بعد آخر، وإن تعددت مظاهر نشاطهم الناعمة من التعويذات والأبراج وقراءة الكف إلى ممارسة مختلفة مدارها: تريد الجنة من دون عمل. اقتل أكبر عدد من البشر تصل إليهم فالجميع كفرة ومرتدون باستثنائك.

حين أُحرق الشهيد معاذ الكساسبة كانت الرسالة أن الحياة الدنيا لا ترخي عنانها سوى لـ«داعش» ومماثليه المشابهين للتتار، فلا توجد لغة سوى درجات الموت وأشكاله المرعبة.

الحضارة البشرية لم تتشكل من طريق الدماء، بل عبر تعلم لغة الآخرين واحترام حرياتهم والاستفادة من تبادل المنافع معهم. كل الرصيد الإنساني الجميل قائم على المتعة المنتجة وأشكالها وطرق التعبير عنها، ولم يسبق إن كان القتل بأشكاله طريقاً لفعل حضاري أو عمارة ونماء واستقرار.

تاريخياً كل الممارسات الدموية لم تبنِ سوى المقابر، ولم تنتعش البشرية إلا وقت إدراكها أن الأيدي الممدودة هي بوابة الحياة لا الموت.

«داعش» وأمثاله مثل الطاعون الأسود والحربين العالميتين، يترك بصمته العفنة، فلا ينقضي إلا حين يسترجع البشر معنى الحياة والعمل والإنتاج والتواصل.

الحياة

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة