مخاطر السياسة الأمريكية المتناقضة في سوريا على العرب والأتراك

يجب أن ينظر إلى تناقضات السياسة الأمريكية في المنطقة الإسلامية على أن أمريكا تقدم مصالحها الأيديولوجية على غيرها.

الخميس، 18-02-2016 الساعة 10:25


لم يتوقف خطر تناقض السياسة الأمريكية في سوريا على الشعب السوري والشعب العربي فقط، فقد امتد لتهديد تركيا أيضاً، فقد بقيت أمريكا تخادع السوريين منذ انطلاق الثورة قبل أربع سنوات وأحد عشر شهراً، وسمحت لبشار الأسد والحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني بقتل أكثر من نصف مليون سوري، وتشريد الملايين إلى الدول المجاورة، وهي- أي أمريكا- تدعي أن بشار الأسد فقد شرعيته، ولا بد أن يرحل، ولكن يبدو أن نصف مليون سوري ليس العدد الكافي في نظر السياسة الأمريكية لإنهاء حكم بشار الأسد، وإنهاء مأساة الشعب السوري.

ولا شك أن الإدارة السياسية الأمريكية والحكومات الأوروبية والإسرائيلية والروسية تفاجأت بالجرأة الإيرانية الطائفية على ارتكاب مجازر ومذابح وجرائم ترقى لمستوى حروب إبادة بشرية ضد الشعب السوري، فقد فاجأها القدر والحجم والحقد والانتقام، وسر المفاجأة أن المقتول هو شعب سوري وعربي ومسلم، أي يؤمن بنفس الدين والمعتقدات الإسلامية التي تدعي القيادة الإيرانية الإيمان بها، وأن كليهما جزء من أمة واحدة هي الأمة الإسلامية، فكيف تجرأت القيادات الإيرانية، ومليشياتها المسلحة الإيرانية والسورية واللبنانية والعراقية وغيرها من ارتكاب هذه المجازر بحق إخوة لهم بالدين، وأخوة لهم في الانتماء إلى الأمة الإسلامية؟ هذه المفاجأة الإيرانية كانت فاجعة للأمة الإسلامية كلها، احتارت الدول العربية والإسلامية كيف تواجهها دون أن تزيد من مأساتها وفاجعتها، فالتدخل العسكري المباشر في سوريا لمنع العدوان الإيراني كان يمكن أن يزيد عمليات القتل، وبالتأكيد يدخل الأمة الإسلامية في حروب دولية بعضها ضد بعض، فحاولت تركيا في مستواها الدولي أن تنصح القيادة الإيرانية الطائفية بتغيير سياستها الطائفية في العراق وفي سوريا، ولكن القيادة الإيرانية الطائفية لم ترتدع عن غيها، لأنها ظنت أن سياسة القتل والإرهاب سوف تنقذ حليفها بشار الأسد من السقوط، وسوف يثبت حلفاءها في العراق واليمن ولبنان إلى الأبد.

أما الإدارة الأمريكية السياسية والعسكرية فقد وجدت نفسها أمام مشهد لا ينبغي أن توقفه سريعاً، لأن ما يحققه من أهداف للاستراتيجية الأمريكية والصهيونية والغربية أكبر بكثير مما يمكن أن تفعله الجيوش الأمريكية في البلاد العربية والإسلامية، من تدمير وقتل ومجازر ومذابح، ربما فاقت في نظر الغربيين مذابح الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش ضد المسلمين، فأن تأتي عمليات القتل الهمجي على أيدي المسلمين الإيرانيين والطائفيين الذين يركز الإعلام الغربي على وصفهم بالشيعة، خير لهم من أن يأتي على أيدي الجيوش الأمريكية أو الغربية؛ لأنها في نظرهم حرب طائفية شيعية ضد السنة، أي حرب بين المسلمين لا دخل فيها للأيدي الغربية والأجنبية، وكأن الدور الأمريكي يتفضل في حل الخلافات الإسلامية بين الشيعة والسنة، وعلى هذا الأساس ارتأت الإدارة الأمريكية السياسية والعسكرية أن تدعم الطائفة الشيعية بوصفها أقلية أولاً، وبوصفها تملك جرأة القتل للمسلمين بهذه الهمجية والعدوانية التي لا تتوفر عند المسلمين الآخرين، فأمريكا على علاقات حسنة وتحالفية مع المسلمين السنة، ولكنها لم تستطع إقناعهم ولا دفعهم لقتل الشيعة على أساس طائفي إطلاقاً طوال القرن العشرين الماضي.

هذا الاكتشاف الأمريكي جعلها تعمل على مواصلة الصراع الطائفي الذي بدأته إيران في العراق، في سوريا، ومهدت له أمريكا في إيران بمطالبة الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح أن يمكن الحوثيين من السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء، وتهديد دول الخليج والسعودية من الجنوب، كما يفعل الحرس الثوري الإيراني من شرق الجزيرة العربية وشمالها في سوريا والعراق، بل عملت أمريكا مع القيادة الإيرانية، وبالتعاون مع بشار الأسد ونوري المالكي، على إبراز تنظيم سني مسلح يرتكب المجازر والمذابح التي رفضت الدول العربية والإسلامية السنية الرسمية القيام بها ضد الشيعة، على الرغم من العدوان الإيراني الطائفي منذ عام 2003 وحتى عام 2014، فكانت صناعة تنظيم الدولة "داعش" وتمكينها عسكرياً بترك أسلحة أربع فرق عسكرية لها في الموصل، وإطلاق السجناء الجهاديين من السجون العراقية والسورية، لتبرير مواصلة القتل الإيراني الطائفي للشعب العراقي والسوري واليمني وغيرها أولاً، ولتبرير عجز أمريكا عن إيجاد حل عسكري أو سياسي للأزمة العراقية والأزمة السورية ثانياً، بحجة أن الحرب أهلية وطائفية بين طرفين إسلاميين، أي إن أمريكا، وعن طريق وزير خارجيتها جون كيري، كان لها دور رسول الحرب بين المسلمين، ولم تسمح لأحد أن يوقف طريق الحروب الطائفية بين المسلمين، بل كانت أمريكا تقدم أسباب مواصلتها وتعمل على استدامتها إلى أمد بعيد.

على هذا الأساس يجب أن يُنظر إلى تناقضات السياسة الأمريكية في المنطقة الإسلامية على أن أمريكا تقدم مصالحها الأيديولوجية على غيرها، وهي التي يؤمن بها جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي، وجون كيري وزير خارجتها، وملخصها "أن الإسلام هو مصدر الشر في العالم"، هذه الأيديولوجية يعمل لإثباتها عدد من مراكز الأبحاث والسياسيين الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين والروس، ولذلك فإنهم يشجعون الصراع الطائفي بين المسلمين، ويعملون لتوريط أكبر عدد من الدول الإسلامية في هذه الحروب الأهلية، ولذلك يعملون لتوريط الدول التي تكتوي من نار الطائفية الإيرانية للمشاركة في الحرب.

هذا ما تحاوله الإدارة الأمريكية مع تركيا منذ سنوات، فهي تحرض تركيا على المشاركة في الحرب الطائفية ولا تكل من ذلك، لأنها أصبحت هدفاً استراتيجياً لأمريكا، بدأته أمريكا بتحريض تركيا على التورط في الصراع الطائفي في العراق عام 2006، عندما كان القتل الطائفي الشيعي للمسلمين العراقيين على الهوية الشخصية، وجاء الملف السوري ليثير الحمية التركية على إخوانهم السوريين السنة ومن كل المذاهب الإسلامية والأديان والقوميات، الذين يتعرضون لكل هذا الظلم لمجرد أن بشار الأسد لا يريد مغادرة الكرسي، ولكن تركيا لم تورط نفسها في الحرب الطائفية في سوريا، والتي أرادتها المخططات الأمريكية أن تقع بين تركيا وإيران، لأن الحكومة التركية رفضت التورط فيها، وفضلت أن تقدم دعمها للشعب السوري داخل تركيا وداخل سوريا وفي كل مكان في العالم، فأغاظ ذلك أمريكا أكثر وأكثر، ولكن أمريكا لم تمل التخطيط لتوريط تركيا أكثر في سوريا، فكان اختلاق مشكلة "داعش"، واتهام تركيا بدعمها لإحراج تركيا، وتوريطها في حروب لا تريدها، وبالفعل فإن تركيا لم تدخل حرب التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة "داعش" لأكثر من سنة، ولكن التنظيم "داعش" تحرش بتركيا وقام بأعمال إرهابية ضدها، مما أثار الشكوك أكثر حول هذا التنظيم والأيدي التي تحركه، والذي يهدف إلى زيادة الاحتراب بين المسلمين، وقد كانت الحكومة التركية حكيمة بحيث كانت ردود أفعالها محدودة بالقدر الذي يدفع العدوان عن شعبها، ودون التورط في حروب لا مصلحة لتركيا بها، وبالأخص إذا كانت مدفوعة بعوامل طائفية بغيضة، ولذلك يمكن القول إن أمريكا أخفقت في جعل داعش سبباً في توريط تركيا في حروب طائفية ضد المسلمين.

وأخيراً، وحيث إن المخططات الأمريكية لا تمل من التفكير بتوريط تركيا بهذه الحروب الطائفية، فقد سعت أمريكا إلى توريط الأحزاب الكردية التركية والسورية للقيام بأعمال إرهابية ضد تركيا، وأطمعت أمريكا الأحزاب الكردية بالكنتونات الكردية أو الحكم الذاتي في تركيا وفي سوريا، كما فعلت في العراق بعد احتلال العراق عام 2003، وأخذت أمريكا تمد حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات حماية الشعب الكردية في سوريا بالأسلحة، بحجة محاربتها لداعش، بينما لو أرادت أمريكا أن تحارب داعش بجدية لقضت عليها خلال أسابيع، كما فعلت مع الجيش العراقي السابق، فقد كان من أكبر جيوش المنطقة العربية والإقليمية، ولكن أمريكا دمرته لأنها كانت جادة بتدميره، وأمريكا اليوم غير جادة بمحاربة تنظيم داعش، وتستغله ورقة لزيادة الحروب الأهلية بين المسلمين، تحت عناوين عديدة، منها الحاجة إلى قوات برية محلية لمحاربة داعش، أو الحاجة إلى جيش سني لأن الجيوش الطائفية الشيعية لم تستطع القضاء على تنظيم داعش في العراق وسوريا منذ أكثر من سنة، ومع ذلك لا تزال تركيا ترفض وستبقى ترفض الدخول في حروب بين المسلمين مهما كانت الأسباب، إلا في حالة الدفاع عن النفس، والدفاع عن حدودها وأمنها القومي، وهذا ما ينبغي أن يفهمه الإيرانيون ويفهمه الأحزاب الكردية التي تتلقى أوامرها من جبال قنديل، وتجد التأييد لها بمهاجمة تركيا بالدعم السياسي والعسكري الأمريكي أو الروسي أو من بشار الأسد.

إن تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمواقف تركيا باستمرار هو تأكيد أن تركيا لن تتراجع عن مواقفها ومبادئها فيما يخص القضية السورية، وأنها ستبقى داعمة للديمقراطية والدبلوماسية في سوريا، ومهما كانت التهديدات الطائفية أو التهديدات الروسية أو التهديدات من الأحزاب الكردية الإرهابية، فإن تركيا لن تتراجع عن موقفها ومبادئها فيما يخص الدعم التركي للشعب السوري المظلوم، ولن تتوقف الحكومة التركية عن دعم أهداف الشعب السوري في البحث عن دولة ديمقراطية وحرة في سوريا.

وإبداء الرئيس التركي أردوغان استغرابه من الموقف الأمريكي الداعم لحزب الاتحاد الديمقراطي، هو كشف عن المخططات الخبيثة التي تسعى أمريكا من خلالها لتوريط تركيا في حرب فعلية ضد الأحزاب الكردية الإرهابية في سوريا، وهذا ليس في مصلحة الأتراك ولا الأكراد، فهل يدرك الأكراد ذلك؟ فالهدف الأمريكي مكشوف، وحجته بمحاربة داعش أصبحت مفضوحة ومستهلكة كثيراً، فأمريكا تختلق المشاكل للأحزاب الكردية في سوريا ثم تورطهم للقتال فيها، كما فعلت في عين العرب (كوباني) وغيرها، والغريب أن أمريكا تصنف الأحزاب الكردية بأنها أحزاب إرهابية، وتطالبها أن تحارب داعش الإرهابية أيضاً، وهذا يعني أنه لا يهم أمريكا التصنيفات الطائفية إن كانت شيعية أو سنية، أو إن كانت إرهابية أو معتدلة، المهم لدى أمريكا أن يتحارب المسلمون، ويقتل بعضهم بعضاً، فهذا سوف يريح الأمريكان والإسرائيليين من التفكير بحروب مكلفة على الخزينة الأمريكية، كما حصل في حرب 2001 على أفغانستان، وحرب 2003 على العراق!!

لقد أعلن الرئيس التركي الاستراتيجية العسكرية بكل وضوح قائلاً: "لا يمكن لتركيا أن تتخذ دور المتفرج لما يحدث بالقرب من حدودها، وعلى الناس أن يتفهموا حساسية تركيا إزاء هذا الشأن، وكل من لم يتفهم الموقف التركي، سيدفع الثمن باهظاً، الخطوات التي نتخذها تركيا كلها مشروعة، ليست تركيا التي تتراجع وتستسلم أمام التهديد الموجهة إليها"، فهذه الاستراتيجية التركية هي دفاعية أولاً، وغير طائفية ولا قومية ولا أيديولوجية ثانياً، ولا بد أن تكون واضحة للإيرانيين وأتباعهم من الطائفيين الشيعة والقومجيين من الأحزاب الكردية الإرهابية ثالثاً، لأن تركيا مدركة لمخاطر السياسة الأمريكية في المنطقة، بأنها متناقضة ليس بسبب ضعف إدارة أوباما كما يقال، بل لأن إدارة المحامي أوباما تقوم بدور الرئيس السلمي، بينما يتولى غيره من الساسة في الخارجية الأمريكية والبنتاغون التخطيط لتحقيق أهداف مبدأ صراع الحضارات الذي ارتضته السياسة الأمريكية اليمينية لنفسها خطاً استراتيجياً بعد انهيار الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي للهيمنة على العالم.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة