مساءلة النص ... أم مساءلة القارئ؟!

قارئ اليوم بات يتعامل بشكل مباشر مع النص، حيث يقتطعه من سياقه، ويبتره عما قبله وما بعده، جاعلاً منه جزءاً مستقلاً بحد ذاته.

الثلاثاء، 23-12-2014 الساعة 14:42


مع احتدام المعارك على امتداد الأراضي السورية، بين قوى تنظيم "داعش" وقوى قوات المعارضة من جهة، وغارات التحالف الدولي من جهة أخرى تبرز تساؤلات عن معاني استخدام "داعش" المكثف للنصوص القرآنية والنبوية أثناء خطاباتها الدعائية والإعلامية، ويتبادر إلى الذهن أسئلة شتى عن دور النصوص الإسلامية في تأسيس مثل هذه الجماعات الأصولية، ودور النصوص المقدسة بشكل عام في بلورة رؤيتها "الأحادية" وادعائها بـ"أحقية تفسير النص" حسب ما ترى وتفسر وتؤول، وما ولّد هذا التأويل وهذه القراءات من أدوات تخول صاحبها الحق في تملك النص أولاً وفي تملك ما تفرضه رؤيته ثانياً، وفي منع أي تأويل آخر في نهاية المطاف.

ما زالت النصوص نفسها من وقت نزولها من غير تحريف ولا تبديل ولا تحوير، أقرأها النبي صحابته، وتلقفها المجتهدودن وأئمة المذاهب شارحين، ومفسرين، ومؤولين، واختلفوا حولها وعليها، لكن لم ينتج هذا إلا من علم ودراية، ولم يؤد إلا إلى علم ودراية، فالاختلاف لم يفرز أي تطرف إلا ما يصح لنا بتسميته بتطرف علمي نابع عن التمسك بالمذهب وبما قاله مجتهدو المذهب، دون محاولة تكفيرية، أو إلغائية.

لكن هذه النصوص باتت تقرأ اليوم بطريقة مختزلة، مقتطعة، فـأدت إلى خلاف ما ظهر من السلف، وتحولت تلك النصوص في أيديهم إلى سلاح مؤدلج يواجهون به من خالفهم في تأويلهم أو تفسيرهم، وباتت مقولة إن النص حمال أوجه لا تعدو أن تكون مجرد مقولة حاصرتها النظرة المعرفية "الإرهابية" الجديدة دون أن يكون لهذه المقولة المذكورة في مناقشات من سبقهم من "السلف" أي أثر أو حضور معرفي عند من يدعي امتداده "معرفياً" و"مرجعياً" إلى أولئك الأئمة.

هذه النصوص التي جرى ويجري الخلاف حولها وحول تفسيرها وإسقاطاتها اليوم، لم تكن في ماضيها مثيرة سوى لجدل معرفي مستقى من مقولات أصول الفقه أثناء مناقشتها من قبل المجتهدين الذين كانوا يرون في النص مادة خصبة لتطبيق نظرتهم الفقهية وإعمال المقولات التي اجتهدوا في تحريرها لتوافق أصول العربية من جهة ومقاصد الشريعة من جهة أخرى، لكن مثل هذا الخلاف اليوم لا يمكن أن يكون له وجود بحكم أن مؤولها "السلفي" استعمل في تسويق حجاجه الأحادي قوته المادية مما يصعب من مهمة رد رأيه أو استضعافه من جهة العربية أو من جهة المقاصد، واختفت عند أصحاب هذا النظر مقولة " رأي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" مثل غيرها من مقولات الاعتراف بنسبية المعرفة وامتلاكِ الحقيقة وأصبحت حاضرة في الذهن التاريخي فقط، وأُشبع خطابهم المعرفي بمقولات تدعي امتلاكهم المطلق للنص، وتفسيره، وتطبيقه .

عقلية قارئ اليوم تختلف عمن قبله، وسياقات القراءة كذلك قد اختلفت، ففي الماضي كان النص يستحضر مع بقية النصوص الأخرى، مما يخلق صورة متكاملة من المعاني، وكانت الصورة المتشابكة تستند في وجودها إلى أداوت متعددة في الفهم والتفسير، حيث تتداخل علوم الآلة بما فيها من لغة وأصول وحديث، في تحديد المعنى المراد، وكان القارئ يقلب النص على أوجهه باحثاً ومنقباً في نظرائه وسياقات النص وأسباب نزوله، لتكون الصورة النهائية متفقة متناسقة مع بقية النصوص، وتخدم في نفس الوقت مقاصد الشريعة التي وضعت لصلاح أمر الناس ورعاية شؤونهم .

لكن قارئ اليوم بات يتعامل بشكل مباشر مع النص، حيث يقتطعه من سياقه، ويبتره عما قبله وما بعده، جاعلاً منه جزءاً مستقلاً بحد ذاته، مما سبب نشوزاً وتطرفاً في التصور، وغلطاً في النتيجة المتمثلة في أحكام ما عرف لها نظير في أحكام الأئمة والسلف .

وهذا يستغرب في ظل ما نقل من نصوص الأئمة في ضرورة التوخي قبل تبيان فهم القارئ للنص وهي تدل على أن تفسير النص واستنطاقه ليس مجرد نزهة فكرية، بل هي عملية متكاملة وليست متاحة لأحد إلا بعد أن يستجمع في ذاته شروطاً ذاتية وموضعية تؤهله لخوض غمار الاجتهاد حتى يقارب في رأيه مقصود الله... أما حين انتفاء هذه الشروط فإن محاولة استنطاق النص والاجتهاد فيه تعد كذباً على الله وافتراء عليه..

تاريخياً يمكن القول بأن الخوارج الذين ظهروا في عهد علي رضي الله عنه، هم أول من حاول وادعى أحقيته في تفسير النصوص، عبر إلغاء حق الآخر في التفسير، وهم الذين خرجوا لمحاربته تحت شعار التحكيم باطل، وأنه لا يحكم في شرع الله الرجال، لكن غاب عن ذهنهم أنهم مارسوا التحكيم عبر اجتهادهم بتكفير من خرج عن رؤيتهم، ومداولات علي وابن عباس معهم مشهورة، وتدل على أن المشكلة قائمة في رأس من يقرأ النص لا في ذات النص الذي هو ألفاظ تحوي معانٍ كثيرة، وعملية توليد المعاني إلى قواعد معينة حتى يكون للمولود مكان في الوجود التشريعي، أما حين يكون النص أمام القارئ قطعة سلاح فإن العملية ليست عملية توليد معانٍ، وإنما تتحول إلى عملية إبادة معرفية باسم النص.

وعنما يستحصر القارئ النص فإنه يتحول إلى صورة متشابكة من المعاني والمفاهيم، وعملية خلق الصورة تستند في وجودها إلى مدى ترابط هذا النص المراد تفسيره مع النصوص الأخرى والعلوم الأخرى، مما يفسر لنا اختلاف الرؤى والتأويلات عند العلماء، وبقدر اتساع الاطلاع ومعرفة أوجه النصوص ونزولها وسياقاتها، تكون الصورة المتخلقة من قراءة النص قريبة إلى الصواب، والتعامل مع صورة النص في الذهن تكون مناطة بأداوت القارئ، فإن كانت الأدوات لا تتعامل إلا مع ظاهر النص، كان التأويل غريباً، وقد يكون، والنظرة التطرفية التي بلي بها العالم الإسلامي في هذه الأيام تقترب من هذه الفكرة، حيث يعاني منظروها، من عدم تجميع النصوص مع بعضها، وعدم استخدام أدوات الفهم إلا في حيز ظاهرية النص، وفي نفس الوقت يغفلون عن سياقاته، مما يوقعهم في أحكام لم تصدر أبداً عمن سبقهم من القراء والمجتهدين...

عندما يستحضر النص، يستحضره بمفرده، ولا يتولى النص رسم الحكم بعيداً عن النصوص الأخرى، القراءة مشبعة بأدوات مختلفة للفهم، مما يوجب على القارئ تقليب النص حسب أداوته حتى يستقر على رأي مقارب لمقاصد النص ومقايسته على نظرائه لتكون الصورة الكلية من مجموع النصوص متناسقة لا نشاز فيها ولا خروج عن المألوف، وفي نفس الوقت كانت سياقات القراءة متحدة مع أصول الفقه والتفسير وعلوم الحديث، فكان السياق الواحد يتداخل في صنعه علوم شتى لا مجرد النظر الآني الذي يوحي قطعاً بخلاف المراد.

النص الذي يأخذه القارئ أمامه ليشرحه مكون من ألفاظ تكوّن فيما بينها جملاً، وهذه الجمل ترسم في عقل قارئها خريطة معانٍ ومفاهيم، وفي أثناء علمية الرسم والفهم لا بد من استحضار الكل من النصوص كي تكون الصورة المخرجة من الفهم متفقة مع ما قبلها من النصوص وما بعدها من النصوص، إذ إن الكل وحي من الله أو بيان لها من قبل الرسول بأمر الله، والخطأ الذي يقع فيه المؤول يؤدي إلى خلاف المقصود من شرع الله المتمثل في صلاح العباد، ذلك أن الشريعة وضعت لصلاح أمر الخلق، مما يدعوه إلى توخي الحذر قبل بيان المراد من النص.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة