مسائل في "عولمة الإسلام"

مصطلح مجازي لا يخلو من تحفظات عليه، والمقصد منه هو ما تحقق لملامح الانتماء الإسلامي من الحضور غير المسبوق في الفضاء العالمي.

الثلاثاء، 25-08-2015 الساعة 21:44


ليس الإسلام ديناً عربياً، ولا هو ظاهرة "شرق أوسطية"، فهو رسالة رحمة للعالمين لا تختص برقعة بعينها، أو بقومٍ مخصوصين. تتجلى هذه السمة في عالمية القيم والمبادئ التي ينادي بها الإسلام، حتى إنّ كثيراً منها قائم بدرجة ما في دنيا الناس، وإنما جاء الإسلام ليتممه ويوطده ويبني عليه، كما تتجسد هذه السمة في التطبيق الديني مثل الملمح الأممي في موسم الحج.

ثم تفاعلت العولمة فأتاحت فرصة الحديث عن "عولمة الإسلام"، وهي مصطلح مجازي لا يخلو من تحفظات عليه، والمقصد منه هو ما تحقق لملامح الانتماء الإسلامي من الحضور غير المسبوق في الفضاء العالمي، كما يتجلى في المظاهر والملابس والكتابات والتعبيرات والمصطلحات، حتى أصبحت المواسم الإسلامية كرمضان والحج والأعياد ذات حضور عابر للجغرافيا والثقافات، وتحظى بمواكبة إعلامية متنامية. انتعشت الظاهرة مع البث التلفزي والثورة الاتصالية والتشبيك الإلكتروني، وازدهرت مع السياحة والسفر وتداخل المكونات الإثنية بفعل الانتقال البشري والهجرة.

يلفت الانتباه أنّ بعض المصطلحات والمفاهيم "الإسلامية" صعدت في الفضاء العالمي عبر تطبيقات مدرّة للأموال والمنافع المحسوسة، مثل "الاقتصاد الإسلامي"، و"التمويل الإسلامي"، و"المنتجات الحلال"، لكنّ المصطلحات "الإسلامية" غابت عن حقول أخرى أقلّ مادية، بل تعثرت تجارب ومحاولات في الفضاء الإنساني منها ما سعى إلى "أسلمة المعرفة" أو تقديم مقاربات اجتماعية وفلسفية مثلاً.

تستشرف مسألة "عولمة الإسلام" آفاقاً جديدة، تستحضر تحدي الإشعاع القيمي والحضاري المتعدية للرموز وللمظاهر، أو قابلية التأثير الإسلامي الرشيد لأن يتمدد إلى حلبة الفكر وتشكيل القناعات والمفاهيم، حتى وإن لم ينعكس ذلك بصفة واضحة على مظاهر الالتزام السلوكي بمقتضى التعاليم الإسلامية.

لا ينبغي لذلك أن يُسقط النقاش في فخ تجريد الدين من حيِّز الفعل والتصرف فيغدو مسألة قيم غير مُلزمة، وأخلاقيات مجرّدة عن التطبيق العملي، خاصة أنّ الإسلام ذاته يستجمع المبدأ مع التطبيق أو الإيمان مع العمل الصالح.

يستدعي التحدي صياغات فكرية وتقديم خطاب إسلامي عالمي مشعّ ومؤهّل لكسب العقول والقلوب عبر المجتمعات الإنسانية كافة، على تعدد مشاربها. وفي المسألة ما يتطلب مقاربات شتى على سبيل الإجمال الكلي للفكرة، وعلى تعدد مسارب التناول بما يغطي الاهتمامات والشواغل المتعددة في الواقع البشري الراهن والمستقبلي، في العقائد والفلسفات، والاجتماع والإنسانيات، والعلوم والفنون، والقضايا والملفات المتشعبة في عالم متغيِّر ويشوبه القلق أيضاً.

ثمة استدراكات لا بدّ منها؛ من ذلك أنّ الإحجام عن بذل جهود منهجية في هذا الشأن ينطوي في الواقع على سلوك تنازلي لصالح مؤثرات عقائدية وفلسفية وثقافية مزاحمة في عالم الأفكار، وفق قاعدة الفراغ والإحلال، ومنها مساع منهجية للتأثير حتى على صياغات الأفكار والخطابات ذات الصفة الإسلامية. وهل يُعقل إخلاء ساحة الخطاب الإسلامي لمحاولات يتنازعها تحريف الغالين وانتحال المُبطلين؟

على أنّ الواقع يكشف ما تعرضه ساحات المسلمين للعالم من خطابات شتى، تقتطع لذاتها مساحات متزايدة من المتابعة والمواكبة، وتبزغ منها خطابات التطرف السلوكي أو التشدد الميداني التي تبعث إلى المجتمعات الإنسانية برسائل التوحش مغلفة بشعارات وتبريرات تزعم نسبتها إلى الإسلام.

لن نعجز في المقابل عن اكتشاف العلل التي تكتنف ضروباً من الخطاب "المستنير" ذاته، إذ تنطوي أحياناً على مقاربات لا يخلو بعضها من تشنّج في النقد الذاتي، حتى يجلد بعضهم ظهر أمّته بدعوى إصلاحها، أو يشهر سيف التقويض في وجهها فيمضي في تحطيم تاريخها والنيل من مرجعياتها الثقافية، في حين يُضفي هالات التعظيم ومسوح القداسة على الأفكار والفلسفات والقامات والهامات ذات النسبة الغربية، ثم لا يفوته لتبرير هذا المسلك أن يتذرّع بطلب الحكمة أياً كان منشؤها.

في فضاءات المسلمين نمط يغالي في "المراجعات" التي تنزع إلى التقويض دون البناء، مع التمسح المألوف بشعارات فضفاضة وغير محددة الدلالة تحتكم إلى "العقل" مثلاً. وما سنكتشفه قد لا يكون هو العقل عينه وإنما هو منطق ذاتي في التفكير يتبناه أحدهم وإن انبرى مستعملاً قطعية الأحكام وصرامة الاستنتاجات، مع إسباغ الظنية والنسبية على النصّ، أو السعي للتحكم فيه أو الهيمنة عليه أو تعطيل مفعوله.

وقد مضى بعضهم ابتداء في محاولات شتى لعقد تسوية بين الإسلام و"روح العصر"، فظهرت مدارس منها "الإعجاز العلمي في القرآن والسنة"، التي أوحى نفر من المنخرطين فيها أحياناً بأنهم يسعون لإقامة الحجة على عصر العلم، أو كسب التقدير الإنساني للدين عبر مقاربة المكتشفات العلمية- على الرغم من نسبية بعضها- مع تأويلات مخصوصة واستنباطات ذاتية في النص.

حري بالقول أنّ التحرّر من عُقد العصر وسطوته على الأذهان، هو لازمة لصياغة خطاب إسلامي إصلاحي يتصف بالرشد والاستدامة، والتحرر من وطأة اللحظة التاريخية الراهنة. لا يعني هذا نقض العلم، أو مصادمة العقل، أو تجاهل أسئلة المرحلة، أو التصادم مع نفسيات الأمم في هذه الحقبة؛ بل ينبغي استعمال الحسّ النقدي وروح التمحيص والمراجعة حتى مع ما يتشح بالعلم أو يتدثر بالعقل أو يتفشى بين الجماهير كشعارات وحتميات تبلغ ببعضهم حد التقديس.

تصعد المصطلحات في سوق الخطاب، ومنها "الوسطية"، التي جاءت في ظلالها مقاربات تعددت وتنوّعت، وكان منها ما اتخذ نمطاً توفيقياً متكلفاً يتوارى عن المبادرة والمزاحمة في عالم الأفكار؛ لصالح كسب التقدير والاعتراف بخصلة "الاعتدال" في زمن الذعر الأممي من "التطرّف".

لقد مضى بعضهم في تقديم مفاهيم انسحابية للوسطية، تتمركز حول الفرد الذي يحمل قيماً حميدة لكنها ليست تغييرية غالباً. ففي هذا الضرب من الخطاب "الوسطي" يجري تأكيد قيم نبيلة من قبيل الرحمة والتفاني والتسامح والودّ والانضباط والتعايش مع الآخر، مع تحاشي الإشارة إلى قيم وسطية أيضاً، مثل العدالة والحرية والحقوق والإصلاح وتحقيق المساواة ورفع الظلم ونبذ القهر ودفع الصائل. ألا تعني "الوسطية" المساهمة في صياغة الفكر وتطوير المناهج والتطبيقات الإنسانية، والنهوض بمسؤوليات المناقشة والمساءلة واستعمال النقد والتمحيص بحق المذاهب والتجارب القائمة في فضاءات الاجتماع الإنساني؟!

لكن، حتى لو صِيغ الخطاب الإسلامي بحصافة، فسيبقى واقع المجتمعات المسلمة ذاتها تعبيراً مباشراً عن أزمة جوهرية في هذا المقام. لم تنشأ هذه الأزمة مما يتلبّس الأمّة من حال التخلف الحضاري الماثل للعيان وحسب؛ وإنما أيضاً من حال القصور عن المخاطبة المتوازنة في الفضاء العالمي، المتحررة من التموضع الجغرافي وعقدة "العالم الثالث"، وتضخّم "الغرب" في الوعي الجمعي على حساب إدراك الأمم والثقافات والسعي للتواصل المنفتح في عالم متنوع. فهل يستقيم المسعى عندما يذهب بعضهم إلى "مخاطبة العالم" دون أن يكترث بذلك "العالم" الذي يعايشه ويتواصل معه بأثر التداخل السكاني والعمالة الوافدة والسياحة والسفر والأعمال والبث والتشبيك القائم ابتداء؟

يتفاقم التحدي في هذا الجانب من خلال السعي المكثف لعزل المسلمين عن المجتمعات الإنسانية، وتصويرهم وفق مذهب العنصرية الانتقائية على أنهم استثناء عن البشر، مع النظر إلى دينهم بصفة مستقلة عن الأديان، وربما على أنه "أيديولوجيا متشددة". يفرض هذا التحدي مقاربات متعددة في التعامل معه، منها تحقيق المعايشة بين المسلمين وغيرهم، والحذر من اتجاهات الإقصاء والتهميش بحق الأقليات المسلمة، أو منحى الحمى الطائفية، أو نزعة "التطهير العرقي" التي تستهدف التنوّع الديني في بعض بلاد المسلمين المأزومة.

في قضية "عولمة الإسلام" مسائل متعددة، منها ما يتعلق بالخطاب، ومنها ما يتصل بخيارات التعبير عنه، وكذلك بوسائط التفاعل الإنساني والاحتكاك الثقافي وأدوات المخاطبة. ولا شكّ أنّ فرص المعايشة بين البشر، مسلمين وغير مسلمين، تتقدم وسائط التفاعل جميعاً، وهذا ما يؤكد مخاطر إعاقتها أو التضييق عليها، أو تشييد الجدر بين المكونات الإنسانية وإشاعة ثقافة الخصام وخطاب الكراهية.

لا تخفى تلك الجهود والاستثمارات المسلمة التي اتجهت إلى تطوير أدوات التواصل والارتقاء بوسائطه ثقافياً وإعلامياً وفنياً، لكنّ ذلك لا يغني عن صياغة الفكر والخطاب ابتداء، بما يعني أنّ مسعى التوسع في الضخ، والعناية بالبث، لن يحقق فارقاً جوهرياً في نهاية المطاف ضمن تفاعلات العولمة. لا يعني ذلك التهوين من طرائق التعبير عن الخطاب ووسائطه؛ لكنها وحدها لا تستجيب لتحديات "عولمة الإسلام".

يبقى الإسلام عالمياً، وهو يتجسد اليوم ظاهرة "معولمة" في معظم الرقاع، لكنّ الواقع الراهن لا يرقى إلى قدرات الإسلام في الإشعاع وقابلياته في المخاطبة، ومخزوناته في تقديم الأفكار ومساهماته في صياغة الحلول، وهذا في فضاء إنساني لم يبلغ به التاريخ نهايته.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة