مسخرة الحرب على الإرهاب: العبث بدماء المسلمين!

لا توجد مسخرة في العالم مثل ما تسمّى "الحرب على الإرهاب" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

الأحد، 26-10-2014 الساعة 10:45


لا توجد مسخرة في العالم مثل ما تسمّى "الحرب على الإرهاب" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى نفسها القوة العظمى وراعية السلام والأمن وحقوق الإنسان على وجه الأرض، فهي منذ حادثة 11 سبتمبر/أيلول 2001 المشبوهة وغاراتها على العالم الإسلامي لم تتوقّف وما تصنع إلا الإرهاب المضاد ولا تزيد إلا في عدد المتطرّفين حتى جعلت الشعوب العربية تقفز من مستنقع إلى آخر أكثر وحشية.

لم نحكم عليها من فراغ ولا بسبب خلفية ايديولوجية أو سياسية أو وطنية ولا نحن من المهوسين بعقدة المؤامرة كما قد يظن البعض، بل ذلك ينبع من خلال معطيات وصلت إليها هذه الحرب التي زعمت أمريكا أنها تقوم بها من أجل أمنها وأمن العالم برمّته، لكن الحقيقة غير ذلك تماماً سواء على مستوى الخسائر أو النتائج التي تحقّقت منذ قسّم الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن دول العالم إلى محورين لا ثالث لهما، إما مع الإرهاب ضد أمريكا أو مع أمريكا ضد الإرهاب.

احصائيات وتقارير كثيرة تحدّثت عن حصيلة حروب أمريكا وحلفائها على ما تسمّيه بـ "الإرهاب"، وعلى سبيل المثال عرضت إحدى القنوات العربية مؤخراً تقريراً قالت فيه أن حرب أفغانستان أدّت إلى مقتل حوالي 100 ألف وشرّدت الآلاف من الأفغان، وفي المقابل خسرت أمريكا ما يقارب 1057 جندي منهم ما لا يقل عن 841 وفاة بسبب القتال و216 في أحداث غير قتالية مثل الانتحار. أما حصيلتها في العراق هو مقتل أكثر من مليون عراقي وتشريد 4.5 مليون آخرين وخلّفت حوالي 2 مليون أرملة و5 مليون يتيم، وخسرت أمريكا ما بين 4 آلاف و5 آلاف جندي.

والسؤال الذي يطرح نفسه:

هل هذه الخسائر البشرية الهائلة التي ذكرنا بعضها والمادية المقدرة بمليارات الدولارات قضت على ما تسمّيه أمريكا بالإرهاب؟

بلا شك أن المؤشرات المتوفّرة تؤكد أن كل ما جرى قد ساعد في تغذية الإرهاب وصناعته فبعدما كانت له بؤرة واحدة في أفغانستان صارت له بؤر تتنوّع وتتوزع بين عدة دول، حيث نجدها في سوريا والعراق واليمن وليبيا وأفغانستان والصومال وباكستان ودول شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء ونيجيريا والهند وغيرهم.

لقد شنّ جورج بوش الابن حملة عسكرية على أفغانستان للقضاء على تنظيم القاعدة وحركة طالبان، غير أنه بعد سنوات من الحرب رضخت أمريكا لمفاوضات مع حركة الملا عمر، وهذا الأخير هو من صار يتردّد في محاورتهم ويفرض شروطه التي يريد. أما القاعدة فقد تفرّعت إلى عدة فروع، حيث صارت لها قاعدة في جزيرة العرب وأخرى في المغرب العربي وقاعدة في بلاد الرافدين، ومؤخرا الظواهري أعلن عن تنظيم القاعدة في شبة الجزيرة الهندية.

أمريكا تدرك تماماً أن الحروب غير العادلة ما تزيد خصومها إلا انتشارا، وهو ما أكدته مخابرها الاستراتيجية، ورغم ذلك تواصل إدخال العالم الإسلامي في دوامة حروب متوالية، فبعد أفغانستان فتح بوش جبهة في العراق الذي تحوّل إلى مستنقع لم يستفد من ديمقراطيته المزعومة غير أولئك الذين تصنّفهم أمريكا في قوائم الإرهاب الدولي، التي صارت تتعزّز من فترة إلى أخرى بتنظيمات متشدّدة وأشخاص جدد.

اندلعت الثورة السورية عبر مظاهرات سلمية تطالب بإصلاحات سياسية مشروعة للغاية، غير أن نظام الأسد قابل هذه المطالب بقبضة أمنية وصلت حدّ المجازر وقصف المدنيين بالطيران وصواريخ سكود وأسلحة دمار شامل، ولم يردعه لا القانون الدولي ولا التحذيرات الشفهية من بعض الدول والمنظمات وراح يولغ في دماء السوريين إلى منتهى الوحشية، وكانت هذه فرصة أدّت لظهور قاعدة أخرى، وبعدها تطوّر الأمر إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي خرج من رحم "القاعدة"، وصارت له دولة تعادل بريطانيا مثلما صرّح ماتيو أولسين مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب في خطاب ألقاه بمعهد بروكينغس قبل أيام قليلة من الذكرى 13 لأحداث 11 سبتمبر/أيلول.

وهكذا نرى أنه في 2001 كانت القاعدة التي تمثّل الإرهاب الدولي من منظور أمريكي وغربي وعربي مجرّد جماعة تأويها حركة طالبان وفي 2014 تحوّل هذا الإرهاب ممثلا في تنظيم "داعش" إلى دولة حدودها واسعة ولها أسلحة عادية وغير عادية وطائرات وصواريخ وجيش يعدّ أكبر من جيوش بعض الدول.

أين يا ترى مشروع أمريكا في الحرب على الإرهاب والقضاء عليه في عقر داره؟

أين انتصارات أمريكا المزعومة التي ردّدها الرئيس السابق بوش واللاحق أوباما على الإرهاب إن كانوا فعلا يريدون القضاء عليه وليس صناعته؟

أمريكا تعرّف الإرهاب بأنه "أيّ عملية تشكّل خطراً على حياة الإنسان والتي تنافي القوانين الجنائية للولايات المتحدة أو أية ولاية من الولايات الأمريكية وحدثت إما داخل حدود الولايات المتحدة أو خارجها مستهدفة لمصالح أمريكية وغرض العملية ترعيب المدنيين والتأثير على الحكومة لتغيير سياستها".

فهذا التعريف الأمريكي للإرهاب يدينها هي بحدّ ذاتها، وبذلك فهي تصنع الإرهاب ولا تكافحه، فقد ربطته بمصالحها، وهذا يعني أن حروبها ليست من أجل الانسان بل من أجل مصالح ذاتية فقط ولو كانت ظالمة وعلى حساب حقوق الآخرين وهذا يتنافى مع القوانين الدولية وهو بحدّ ذاته إرهاب دولة يشجّع على إرهاب أفراد وتنظيمات وحركات.

لا عجب في ذلك أبداً، لقد نشأت أمريكا على حساب إبادة أكثر من 27 مليون شخص من الهنود الحمر، ومن أجل أن تبني كيانها تمّ جلب أكثر من 14 مليون أفريقي الذين استعبدوا ومات منهم أكثر من 2 مليون في عمق البحر بعد نقلهم بطريقة مهينة للإنسان والإنسانية. ولم يتوقّف الأمر على نشأتها أو بنائها بل أنها من أجل أن تتوسّع حدودها وتتمدّد جغرافيتها قتلت أمريكا أكثر من مليون ونصف مليون مكسيكي واحتلّت أرضهم ودمّرت مدنهم، ولكي تحمي نفسها أثناء الحرب العالمية أبادت أمريكا أكثر من 6 ملايين إنسان بينهم حوالي 300 ألف في هيروشيما وناجازاكي في اليابان. أما في الفيتنام فقد قتلت أكثر من 2 مليون فيتنامي، كما قتلت أكثر من 200 ألف في نيكارغوا وكوبا وغيرهما. ومن أجل أن تؤمّن مصادرها النفطية التي أصبحت مدمنة عليها كما وصفها ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي الأسبق، قتلت ما يقارب 2 مليون عراقي.

وهذا يعني أن أمريكا منذ نشأتها إلى يومنا هذا قتلت في حروب إبادة جماعية ما لا يقل عن 40 مليون إنسان لأجل مصالحها فقط، وبالتأكيد أن هذا الرقم قليل مع الجرائم الكثيرة والسرّية التي اقترفتها أمريكا، فضلا عن الحروب التي خاضتها بالوكالة، مما قد يجعل عدد ضحايا الأمريكان ربما يقارب 100 مليون إنسان على وجه الأرض.

ترى هل هذا إرهاب أم ليس كذلك؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة