مسخرة الحرب على الإرهاب: "داعش" في المزاد الأمريكي!

لو كان العالم ينشد العدالة الدولية لجسد الديمقراطية حتى في مجلس الأمن.

الخميس، 06-11-2014 الساعة 11:55


لو خضنا في كثير من جوانب الإرهاب والحرب عليه، لوجدنا أن الذين يدّعون محاربته هم الذين يمارسونه بطرق رسمية ومعلنة في أغلب الأحيان، ولذلك حروبهم لم تصنع غير الإرهاب العابر للقارات. فقد احتلت أمريكا العراق وسلّمته على طبق من ذهب لدولة إيران المعادية للعالم العربي برمته والتي خاضت حرباً لعدة سنوات مع بغداد، ثم شجعت الظلم الطائفي على مجموعة هائلة من السكان وهم من أهل السنّة، ولذلك ازدادت الكراهية تجاه من مارسوا إرهاب العراقيين أو دعموهم بالتواطؤ والصمت الرهيب.

كما سكت المجتمع الدولي على نظام بشار الأسد الذي مارس بدوره إرهاب الدولة وصل حدّ إبادة السوريين بأسلحة كيمياوية أثبتتها تقارير أممية وإعلامية وحقوقية، ولما بلغت وحشيته قمّتها جاءت وحشية أخرى كرد فعل، وطبعاً لا نقول ذلك تبريراً لجريمة أي طرف، بل هذا منطق لا يمكن تجاوزه. للأسف هرع المجتمع الدولي لمكافحة الوحشية المضادة متجاهلاً الوحشية الأصلية المتواصلة، وصار يشبههم مثل الذين يطاردون مستهلك المخدرات ولا يتحرّكون تجاه حقول شاسعة تزرعه وتوزعه وتتفنن في صناعة أنواعه المختلفة. وهذا دليل قاطع أن حروب العالم على الإرهاب مزعومة وشكلية وليست حقيقية ولا هي جادة، ولو كان يكافح الإرهاب حقيقة لأوقف بشار الأسد عند حدّه وفقاً للقوانين والمعاهدات الدولية خلال الأشهر الأولى من الثورة ولا يسمحون لمن يدافع عنه، بل يجب تجريد روسيا والصين من حق النقض "الفيتو" على الأقل إن لم يستغنى عنه نهائياً، لأنه صار وسيلة قذرة تستعمل للدفاع عن مجرمي الحروب وأعداء الإنسانية لأجل المصالح الخاصة على حساب القانون الدولي.

فلو كان العالم ينشد العدالة الدولية، لجسد الديمقراطية حتى في مجلس الأمن حيث يقرّر ما تنشده أغلبية الدول وليست عصابة "الفيتو"، التي صارت تعبث بحقوق الإنسان وتشعل الحروب وتبيد البشر وتساعد الطغاة على جرائم ضد الإنسانية من دون حسيب ولا رقيب.

لقد كان متوقّعاً أن الإرهاب الذي مارسه الأسد في سوريا واقترفته إيران عبر المالكي ومشتقاته في العراق، ستنتج لنا فصلاً جديداً وقذراً من الإرهاب، حيث إن الوحشية التي مورست ستصنع وحشية مضادة حتماً، فالمليشيات الشيعية في العراق و"الشبّيحة" وعصابات إيران في سوريا يمارسون بحق المواطنين ما يندى له الجبين، حيث يقتلون على الهوية ويعتدون على الأعراض والمقدّسات، وبصور في غاية التقزّز لا يمكن وصفها في هذا المقام. فلما ظهر تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" الذي يسمّى اختصاراً "داعش" وتغوّل وفق تسهيلات استخباراتية في غاية الخطورة من أجل ضرب ثورة الشعب السوري ونظيره العراقي، تحرّك المجتمع الدولي مرة أخرى للحرب على ما يسمى بالإرهاب بدل أن يتحرّك من قبل ضمن ميثاق الأمم المتحدة الذي يفرض حماية السلم العالمي المهدّد من قبل نظام الأسد بدعمٍ من الدب الروسي وغيره.

ترى هل إن التحالف الدولي جاد في القضاء على "داعش" أم أنها مجرد حرب تضاف لسجل الفشل الدولي الذي لا يصنع إلا إرهاباً يضرّ بالمنطقة لا أكثر ولا أقل؟

المجتمع الدولي لو كان صادقاً لتحرّك ضد الأسباب الفعلية التي تصنع الإرهاب، حيث إنه توجد أنظمة عربية مستبدّة تمارس أبشع أنواع الإرهاب بحق الشعوب وتتلقى الدعم من دول غربية وعلى رأسها أمريكا التي لا تهمّها سوى مصالحها. وأيضا إيران هي منبع هذا الإرهاب، فلولا جرائم الأسد ضد الإنسانية ما وصل حال سوريا إلى ما نراه، ولولا جرائم المالكي ومليشياته الطائفية ما وصل حال العراق إلى ما هو عليه حالياً، ولولا إرهاب الجنرال خالد نزار ما سقط ربع مليون جزائري في حرب أهلية قذرة، ولولا إرهاب القذافي ما انحدر حال ليبيا إلى ما نحن نشاهده للأسف الشديد. لذلك إن تنظيم "داعش" ومشتقاته هو نتيجة حتمية لإرهاب ممارس من قبل من ذكرنا، هذا إن غضضنا الطرف عن دور إيران فيما وصل إليه أمر تنظيم "داعش" الذي تحوّل في ظروف غامضة ومشبوهة من جماعة لا حول لها ولا قوة في العراق إلى دولة مساحتها تعادل ثلاثة أضعاف مساحة لبنان وقوتها العسكرية تتفوّق على عدة دول عربية. كما أن طهران تأوي عناصر خطيرة من "القاعدة" وسمحت لهم بالنشاط السرّي على أراضيها وفق مقاربة تهدد الدول العربية وعلى رأسها السعودية.

أمر آخر؛ إن متابعتنا للحرب المعلنة على تنظيم "الدولة" خصوصاً في سوريا نجدها لم تؤثر عليه، فقد تمكّن تقريباً من السيطرة على عين العرب (كوباني) تحت قصف الطيران لقوات التحالف، ولا يزال التنظيم يتمدّد إلى حدّ كتابة هذه السطور، وهذا يعود إلى الاحتمالات التالية:

1- إن الهجوم الجوي فاشل لأنه لم ترافقه قوات برية للسيطرة على مواقع "داعش" التي تمّ تحريرها، فالتنظيم يتمركز في مناطق مدنية ويحصّن مواقعه تحت الأرض ويستعمل حتى المدنيين كدروع بشرية حسب بعض المصادر، والقصف الجوي يضعف القدرات ويحدّ من التحرّك ولكن لا يقضي عليه أبداً، وفي المقابل يؤدي إلى سقوط ضحايا أبرياء وهو ما حدث فعلاً في حرب التحالف على تنظيم "الدولة".

نذكر في هذا السياق أن الخبير الاستراتيجي أنثوني كوردسمان في دراسة أصدرها مؤخراً "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" الأمريكي، كتب قائلاً: "الأهداف المعلنة للرئيس باراك أوباما القاضي بتقويض وتدمير داعش بأنها تقارب السخرية، لا سيما وأن عدد من القادة العسكريين الأمريكيين دحضوا الأسس التي تستند إليها، والذين حذروا من حرب تمتد طويلاً لسنوات وربما لعقد ونيف لمجرد إنجاز متواضع بتقويض الجسم العسكري لداعش، فيما قالت مصادر أخرى أن عودة الجنرال آلن إلى المنطقة مرتبط بخلافات بين السياسيين والعسكريين الأمريكيين على هذه الاستراتيجية التي تقود المنطقة إلى مصير مجهول".

2- إنه لا توجد أدنى جدّية في هذه الحرب الشكلية التي يراد منها تجاوز انتقادات موجهة لإدارة باراك أوباما التي تهدد حظوظ الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية القادمة كما حدثت في التجديد النصفي للكونغرس التي سيطر عليها الجمهوريون، أو أن المقصود منها إطالة عمر مأساة القرن في سوريا فقط وتدمير ما لم يتم تدميره منها وبذلك يجري تحقيق أهداف أخرى غير معلنة اتفقت عليها الدول المشاركة في الحرب، أو أن ذلك تمّ التخطيط له في سراديب القوى العظمى منذ سنوات.

3- إن "داعش" بلغت خطورتها لدرجة كبيرة خصوصاً على مستوى القدرات العسكرية والتسليح، وهذا الذي اعترفت بها عدة جهات استراتيجية متخصصة. كما أن الحرب عليها تحتاج لسنوات طويلة كما قال الرئيس الأمريكي أوباما. وستبدأ بمرحلة قصف جوي لإنهاك قوات التنظيم ثم بعدها حراك برّي عن طريق إقحام تركيا فيها بأيّ وسيلة كانت، وأيضاً بمشاركة المعارضة السورية "المعتدلة" التي يتمّ تدريبها والموالية لدول التحالف. أما في العراق فالأمر يختلف لأنه توجد حكومة موالية لأمريكا ويعترف بها المجتمع الدولي ويدافع عنها أيضاً رغم أنها امتداد لحكومة طائفية سابقة سجلها حافل بالجرائم ضد الإنسانية.

4- إن المشكلة الأساسية في الحرب على تنظيم "داعش" تتعلّق بمصير نظام الأسد وغياب بدائل مقنعة للولايات المتحدة من جهة، ومن جهة أخرى نجد روسيا التي لا تريد التضحية بمصالحها في سوريا، وللأسف كل ذلك على حساب الإنسان السوري الذي تعرّض لأبشع ما يمكن تسجيله في هذا القرن.

في كل الحالات التي ذكرنا، فإن هذا يؤكد أن الحرب على "داعش" ستكون مكلفة للغاية سواء على مستوى الواقع الجغرافي للمنطقة ومن حيث عدد الضحايا المدنيين أو الخسائر المادية التي تعد بمليارات الدولارات. وستضاف هذه الحرب حتماً إلى ما سبقها من حروب خاضتها أمريكا في كل من أفغانستان والعراق من أجل القضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه، لكنها لم تقض عليه بل دعّمته ورفعت من قدراته، ولا يمكن أن نعتبر ذلك بسبب تقديرات خاطئة من واشنطن التي لديها مصالحها الكبرى في المنطقة، بل إن الأمر يعود لحسابات جديدة تتعلق بمشروع تقسيم العالم العربي وفق مقاربات للمحافظين الجدد.

أخيراً وليس آخراً نؤكد على:

أولاً: لن يزول الإرهاب أبداً ما دامت إيران تتمدّد بمليشياتها الإرهابية والمتطرفة والتكفيرية في العالم العربي والإسلامي، بل كردّ فعل ستزداد التنظيمات السنية تشدّداً وتعدّداً بما سيرهق كاهل العالم الإسلامي.

ثانياً: إن أهل السنّة في العراق وسوريا وإيران يتعرّضون لظلم حقيقي والمجتمع الدولي ينتصر للظالمين على حساب المظلومين، وما دام هذا هو الحال ستبقى المنطقة تنتج جماعات وتنظيمات مسلّحة يدفعها للتشدّد ذلك القهر المسلّط على الأغلبية الساحقة في العالم الإسلامي ولصالح أقليات شيعية دفعتها إيران بصفويتها إلى الحروب النجسة من أجل خدمة مشروع فارسي قومي.

ثالثاً: عندما توجه دول العالم سلاحها السياسي والاقتصادي والعسكري نحو إيران، حينها سأجزم أن المجتمع الدولي قرر فعلاً مكافحة الإرهاب ودون ذلك فستجري صناعته، وسنلتقي في كل مرة ونحن على موعد حرب جديدة مع تنظيمات ومتشدّدين جددٍ، وسنظل دائماً نطرح الأسئلة نفسها على أنقاض خراب جديد في العالم العربي والإسلامي.

ومن دون ما ذكرنا ستبقى "الحرب على الإرهاب" التي تشنّها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها مجرد مسخرة مدمرة للمنطقة حتى إشعار آخر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة