مشاهدون مغيّبـون

إذا واصل الجمهور غيابه عن معادلة البيئة الإعلامية العربية؛ فإن كثيراً من الاحتياجات الملحة في الفضاء السمعي البصري، لن تُطِل عبر الشاشات إلا بقرارات فوقية تهبط بإرادة الجالسين في مكاتبهم العليا.

الأربعاء، 17-09-2014 الساعة 08:07


مئات القنوات الفضائيّة الناطقة بالعربيّة تتزاحم على الشاشات، تتقاسم حصص المشاهَدة لدى جماهير الناطقين بالضّاد في وطنهم الكبير وعلى امتداد انتشارهم العالمي. إنه المشهد الراهن للبيئة الإعلاميّة العربيّة، التي خرجت من قمقمها مارداً ضخماً يُطِلّ صباح مساء على مشاهديه، ويفرض أنماطاً جديدة للحياة اليوميّة، دون نقاش.

حتى بداية التسعينيّات من القرن العشرين؛ حافظ المشهد الإعلاميّ العربيّ على نمطٍ اعتياديّ: فلكلّ دولة قناةٌ أو قناتان للتلفزة، وإذاعات تبثّ البرامج المسموعة، ومطبوعات متفاوتة الأشكال والأحجام ومواعيد الصدور؛ لكنها متساوقة في غالبها مع النظم العامّة السائدة: سياسةً وثقافةً واجتماعاً.

ثم طرأت الانعطافة الكبرى بمفعول "ثورة الاتصال والإعلام"، فالعلم اخترع، والتقنية طبّقت، والمشاهدون أُخضعوا للتدفّقات أو السيول القادمة عبر فضاءات التلفزة، دون أن يُستأذنوا في الوجبات اليومية المقرّرة بمعزل عنهم.

يُقال أحياناً؛ إنّ تنوّع القنوات وتعدّد المضامين، يمكِّن الجماهير من حقّ الاختيار أو يتيح لهم الإقبال على المشاهَدَة أو الإعراض عنها. لكنّها حجج وذرائع لا تطمس الأسئلة الجوهريّة: فما هي حقيقة "التنوّع" و"التعدّد" بالنظر إلى تنفّذ مجموعات اقتصاديّة كبرى في البيئة الإعلاميّة العربيّة، وهي مجموعات لا تفتقر إلى ما تحتاجه من نفوذ سلطويّ وسياسيّ؟ وهل في حالة التركيز الإعلامي، المتمثلة بتبعية حِزَم كبرى من القنوات الفضائية الأبرز لمجموعات معدودة؛ ما يمثل تعبيراً عن مشهد متنوِّع حقّاً؟

ثمّ ما هي السُّبُل المتاحة للمشاهدين الذين يستهدفهم التدفّق الإعلاميّ الغزير، في النقد والاعتراض على ما يُجهَّز لهم من برامج وقوالب ومضامين؟ وهل تفي بعض البرامج المخصّصة لاتصالات المشاهدين، على هذه القناة أو تلك، بالحاجة لسماع "رأي الجمهور"؟ وهل يمكن الزعم بأنّ استطلاعات الرأي ومسوح السوق تفي بغرض استصحاب مصالح المشاهدين، ومراعاة اهتماماتهم وتفضيلاتهم؟

واضحٌ أنّ روح المشاركة ما زالت غائبة عن المشهد الإعلاميّ العربيّ. فرغم الانتقال بالفضاء التلفزيّ العربيّ من أحادية الاحتكار إلى وفرة الأقنية؛ لم يتعافَ الواقع من نزعة التمركُز حول مصادر البثّ التي تُغفِل حقوق الشراكة التي يُفترَض أن يحوزها المشاهدون.

يُراد للمشاهدين أن يظلّوا قابعين في خانة الفُرجة والتصفيق؛ لكنهم من يمنحون الشرعيّة للبرامج والمضامين، وهم يقفون في مركز العمليّة التواصليّة؛ لا في هامشها أو على أطرافها، وحريٌّ بهم تفعيل خياراتهم والتوجّه إلى فرض إرادتهم، ولن يُعدَموا الوسائل والفرص التي تسعفهم في ذلك.

إذا واصل الجمهور غيابه عن معادلة البيئة الإعلاميّة العربيّة؛ فإنّ كثيراً من الاحتياجات الملحّة في الفضاء السمعيّ البصريّ، لن تُطِلَّ عبر الشاشات إلاّ بقرارات فوقيّة تهبط بإرادة الجالسين في مكاتبهم العليا.

ينزوي المشاهدون العرب في ركن الخضوع غير الواعي للمؤثِّرات الواردة مع التدفّقات الكثيفة؛ دون إدراك قدراتهم في النقد والاعتراض. فهل سيواصل المشاهدون المغيّبون انكفاءهم في خانة التلقي، بلا مشاركة في صياغة واقعهم الإعلاميّ الذي يغمر أسماعهم وأبصارهم؟

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة