مشكلة أوباما مع "الواقعية"

إن إيران ليست دولة مساومة، فهي تأخذ ولا تعطي، وإذا أعطت لا تدفع منها وإنما من حساب الآخرين.

الثلاثاء، 10-02-2015 الساعة 08:53

يحب أوباما على ما يبدو أن يوصف بأنّه من أتباع المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، ويصنّف الكثير من مساعديه ضمن الدائرة الحديدية الضيقّة من المستشارين في الأمن القومي والسياسة الخارجية أنفسهم على أنّهم من أتباع هذه المدرسة أيضاً. ولطالما اختبأ الرئيس أوباما ومساعدوه خلف لافتة الواقعية في كل محطّة من المحطّات المفصلية عندما يتعلق الأمر باتخاذه قرارات خاطئة، أو ربما اكتفاؤه في الغالب بموقف المتفرّج في مواضيع تتعلق بروسيا أو الصين أو سوريا أو إيران أو غيرها من الملفات، متذرّعين بأنّ الواقعية تفترض ذلك.

لقد نظّر عدد كبير من أنصار المدرسة الواقعية من مفكرين وباحثين لأوباما وسياساته، ومنهم ستيفن والت الذي يعتبر مع كل من جون ميرشامير وكينيث والتز وصموئيل هاننغتون وروبرت بابي وباري بوزن من روّاد هذه المدرسة. لكنّ جوزيف جوف كتب مقالة مؤخراً يقول فيها إن "سياسة أوباما الواقعيّة" غير واقعية، وهو أمر يكاد يكون إلى حد بعيد صحيحاً.

منطق أوباما في الشرق الأوسط وأصحاب المدرسة الواقعية هو كالآتي: "إيران هي القوة الأولى على الأرض في المنطقة، ونحن بحاجة إليها ضد تنظيم الدولة والمجموعات الإرهابية السنيّة، وهذا من شأنه أن يخلّصنا من تدخل عسكري كبير عدا عن نتائجه غير المحسوبة. أضف إلى ذلك أننا لا نستطيع تجريد إيران من برنامجها النووي ولكن يمكننا فقط أن نبطئ من مسيرتها باتجاه القنبلة النووية ونتحسّب لسرعة امتلاكها للسلاح النووي، وبما أنها قوة صاعدة، فإنه يجب التعامل مع القوى الصاعدة بواقعية واستيعابها لما فيه مصلحة التعاون والسلام".

لقد كتب روبرت كابلان وهو من أنصار المدرسة الواقعية وواحد من أهم الكتاب في المجال الجيوبوليتيكي مقالاً في الأتلانتك نهاية عام 2014، يتضمن نفس الرؤية تقريباً، مشدداً على أن أمريكا بحاجة إلى إيران لمحاربة التنظيمات الإرهابية السنيّة. لكن مثل هذا الطرح يعكس سطحية وجهلاً بمعطيات المنطقة الاجتماعية والطائفية والسياسية.

ومنطق أوباما وهؤلاء المذكور أعلاه فيه الكثير من التلاعب المقصود ليظهر بمظهر الواقعية. فوصول إيران إلى هذه المرحلة من القوة تم بمساعدة أوباما نفسه. فإذا كان بوش الابن قد فعل ذلك من قبل فقد تم بطريقة غير مقصودة (على الأقل كما يقولون)، أما في عهد أوباما فهو يجري وفق سياسة محدّدة ومبادرات واضحة باتجاه إيران على حساب المنطقة. أضف إلى ذلك أنّ تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية المذكورة هي في جزء كبير منها نتاج سياسيات إيران وحلفائها (الأسد والمالكي) والاستعانة بمشعل الحرائق لإطفاء النيران لا يبدو منطقياً، خاصة إذا كان تدخله سيزيد من الحريق الطائفي، فمحاربة تنظيمات محسوبة على السنة عبر قوى شيعية هو وصفة ممتازة لتقويتها.

أما بالنسبة إلى السلاح النووي، فليس هناك ما يضمن الافتراض المذكور، وجميع المؤشرات تقول إن سياسة أوباما سرّعت من توجه إيران نحو القنبلة النووية، ولم يعد بالإمكان عكس ذلك. وحتى لو افترضنا أن الطرفين توصلا إلى اتفاق تحتفظ إيران بموجبه بقدرتها على الوصول إلى القنبلة النووية خلال أشهر فقط حال قررت التنكّر له، فماذا سيفعل العالم إذا ما قررت إيران أنه لم يعد لديها مصلحة في التعاون مع واشنطن، أو أن الشراكة بينهما انتهت، وامتلكت القنبلة النووية خلال أشهر؟! ببساطة، لا شيء لأنها ستكون قد تحوّلت إلى دولة نووية.

بالإضافة إلى ما ذكرناه، فإن إيران ليست دولة مساومة، فهي تأخذ ولا تعطي، وإذا أعطت لا تدفع منها وإنما من حساب الآخرين، فكيف يمكن لذلك أن يصب في صالح التعاون والسلام؟! إيران لا تمتلك سلوك الدول العقلانية بقدر ما تمتلك سلوك العصابات، وهذا يصعب التعامل معه بمنطق المدرسة الواقعية القائمة على الحسابات لأنّك ستكون عرضة للتلاعب، وهذا ما يجري بالتحديد على افتراض أن حساباتك صحيحة في المقام الأول.

 

(العرب القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة