مشهد الانقلاب والحركة الأردوغانية

أردوغان يعمل بموازنات.. ومع ذلك لا ينتظر الإذن ولا الرضا من الغرب.

السبت، 23-07-2016 الساعة 16:31


في يوم الجمعة الموافق للخامس عشر من شهر تموز شهدت الساحة التركية انقلاباً عسكرياً، قيل إنه قد ساهمت دول كبرى في التخطيط والإعداد له، إلا أن الله شاء أن يسقط هذا الانقلاب بانقلاب أردوغاني - إن صح التعبير -، فقد استطاع أردوغان بحكمة وحنكة سياسية أن يقلب الموجة ويواجه تيار الانقلابيين بتيار الجماهير، وأن يحشد الأنصار والمعارضين له في صف واحد؛ وهو مواجهة الانقلابيين بصدور عارية وعزيمة راشدة وصلابة ويقين صادق وهتاف واحد، وحشدهم في ساحة لطالما شهدت مظاهرات منددة بأردوغان وسياساته "ساحة تقسيم"، وأريد أن أشير إلى مسألتين:

المسألة الأولى: حنكة أردوغان من خلال تحليل لتحركه ليلة الانقلاب وظهوره الإعلامي الذي غير المعادلة مئة وثمانين درجة، في نقاط سريعة:

1- التصوير الذي ظهر فيه أردوغان في الإعلام كان تسجيلاً وليس نقلاً مباشراً .. وهذا يعني أنه كان محتاطاً ومحاطاً بسرية تامة في تحركه، حتى أن خبر نزوله للمطار استغرق وقتاً ثم بعد ذلك ظهر التسجيل، وهذا يعني أنه وقت إذاعة التسجيل يكون قد غادر المطار ولا يشترط بالطائرة، هذا فضلاً عن قضية نزول الطائرة لا يشترط أن يكون حقيقياً، فمن الممكن أن يكون أردوغان في إسطنبول ودخل إلى المطار من طريق مجهول وسري .. وخرج بنفس الطريقة، والمتابع للإعلام ولقاء أردوغان على قناة الجزيرة وغيرها لم يتطرق في حديثه عن الانقلاب وذكره لبعض التفاصيل وقضية قدومه إلى إسطنبول بقصة المطار لا من قريب ولا من بعيد..

2- وهذا يدل على أن أردوغان لم يكن في المطار .. لا يوجد دليل حقيقي أن أردوغان كان في المطار، فالتصوير بين الجماهير كان عبارة عن مقطع قصير جداً ولا تظهر فيه منطقة المطار، بل أنه لم ينشر أي تصوير آخر، مع العلم كان هناك بعض من يصور بهاتفه.. وكذلك التصوير داخل المكان الذي قيل عنه أنه المطار.. وكل الاحتمالات في تحرك أردوغان واردة وممكنة.. وإذا صح هذا التحليل فهذا يعني أن أردوغان تحرك بحكمة بالغة وخطة ذكية وحسم منقطع النظير .. وقد فوت الفرصة على الانقلابيين الذين شاغلهم بظهوره الإعلامي وأربكهم بتوجهه إلى المطار.

3- أردوغان كان بين خاصته والدليل على ذلك أن التصوير كان محدوداً جداً.. ولم يظهر سوى مقطع واحد يفترض أن يكون بين الجماهير وهو الذي بثته القنوات الفضائية.. والتصوير كان مركزاً على شخص أردوغان ولم يتناول المحيط وكان قصيراً جداً.. وكان الحضور في الطرف المقابل للتصوير هادئين ولا يهتفون ولا يهمسون إلا حركات ترقب وانتظار إلا القليل منهم.. والظهور الإعلامي هذا خلاف كل ظهور سبقه لأردوغان فبمجرد نظرة سريعة لأرشيف المظاهرات الجماهيرية وكيف يلتف الجمهور الأردوغاني حول أردوغان هاتفين له مسلمين عليه محيينه، والجميع يصور ويحاول أن يأخذ لنفسه نصيباً مع أردوغان، أما هنا فكان المشهد مغايراً بالكلية ومختلفاً، فقد كان الترقب والحذر والاختصار وقلة التصوير، يوحي بأن المكان ليس المطار، وهذا الظهور لأجل الإعلام في خطوة للتحشيد الجماهيري من جهة وإرباك لصف الانقلابيين من العسكر ومؤيديهم من جهة أخرى.

4- لو صح أن أردوغان كان تحركه وفق ما أعلن فإنه كان سيغتال ولو وقف في جنبه الجيش كله، فإنه كان تحركاً مكشوفاً في منطقة قد سيطر عليها الانقلابيون بالكامل، علماً أن العسكر لم ينسحبوا من المطار إلا بعد ظهور أردوغان لا قبله..

5- سلاح الجو كان يسيطر عليه الانقلابيون الليل كله تقريباً، وهذا يعني أن أي حركة طيران لأردوغان ستكون مكشوفة، وستستهدف بشكل واضح ولو أدى إلى ضجة إعلامية ضد العسكر؛ لأن نتائج فشل الانقلاب ستكون وخيمة على الانقلابيين.

6- إذا صحت وجهة نظري هذه فإني أرفع القبعة بإكبار لأردوغان فإن الحرب خدعة والله أعلم.

المسألة الثانية: تناقلت الكثير من وسائل التواصل الاجتماعي قصصاً وحكايات عن الانقلاب وتخطيط العسكر وعلم المخابرات، وأن الرئيس أردوغان كان قد وضع خطة مقابلة، وظهرت قصة جديدة أن الكيان الموازي هو الذي كان وراء حادث إسقاط الطائرة الروسية لتوريط أردوغان بحرب مع روسيا، ولهذا عمل أردوغان بقوة لأجل أن يمسك بخيوط اللعبة وأن يفوت الفرصة على الكيان الموازي، في صورة الرجل الضعيف وهنا كان التصور لدى الكيان الموازي أن أردوغان قد صالح روسيا وإسرائيل من منطلق الضعف، فاستثمروا الضعف ووقع الانقلاب وكان أردوغان يعلم بكل هذا!! وغير ذلك، وهذا قد لا يصح بشيء وللنقاط التالية:

1- إن هذه القصص لا يمكن أن يسلم بها فهي لم تصدر بشكل رسمي من الدولة ولا من مصدر موثوق ومعلوم الهوية.

2- المعلومات الاستخباراتية لا تبذل هكذا .. والجهاز الذي تكون معلوماته منشورة هكذا لا قيمة له.. وسيكون مكشوفاً عند الجميع العدو والصديق على حد سواء.

3- في حالة النصر يتحدث المنتصر عن انتصاره بقصص صحيحة وغير صحيحة للتعبئة الإعلامية للجماهير ورفع للروح المعنوية أكثر.. ولتدارك الخلل الحاصل .. والخلل هنا يكمن في السؤال: ( أين كانت أجهزة المخابرات والاستخبارات والأمن وغيرها من خطة الانقلابيين؟)، والسؤال الآخر( لماذا لم تمنع الدولة حصول الانقلاب قبل حدوثه؟)؛ فتأتي الإجابة بهكذا قصص صحيحة وغير صحيحة لأجل ملء الفراغ، وإشعار الجماهير أن الدولة متيقظة وغير مغيبة عن الأحداث.

4- لو صح ما نقل من علم الدولة بالانقلاب وبمخططات الدولة العميقة ولم تتخذ أي تدابير سوى ما رأينا وشاهدنا.. لكانت شريكة في صناعة الانقلاب ومن المدبرين له، أو بعبارة أخرى كانت مستدرجة لحصوله ووقوعه.. وهذا فيه من الخطورة ما الله به عليم.. ولصحت نظرية أن أردوغان هو من صنع الانقلاب وأفشله حتى يقضي على خصومه.. وهذا يتطلب مجازفة خطيرة جداً.. فهل سيقدم أردوغان عندها على هكذا مجازفة؟ المتابع للأحداث يستبعد ذلك، ودعونا نحلل قصة من تلك القصص:

قصة الطائرة الروسية: فهي قصة أشبه بالأفلام الهندية، فقد ذكر أن الدولة العميقة هي من أسقطت الطائرة الروسية من خلال طيار موال لها!! فاضطرت الدولة بقيادة أردوغان لأن تتبنى مسألة إسقاط الطائرة بالكامل، خشية أن تذهب هيبة الدولة وتظهر الحكومة بالعجز والضعف، ولو صح هذا فهو خطأ كبير، كان ينبغي أن لا تتبنى الدولة ذلك وإنما تستثمر الحدث لفضح الدولة العميقة وتصفية رموزها والقضاء عليها، هذا من جهة وأن لا تقع في الفخ الذي نصب لها في تأزيم العلاقة مع روسيا، وهذا ما حدث بالفعل نتيجة إسقاط الطائرة، فالدولة كانت تعلم ووقعت في الفخ كيف يعقل هذا؟!! ثم أنها تتبنى الموقف وتدافع بقوة فهذا ممّا لا يقبل ولا يصدق، إن الدولة العميقة تدرك إثر هكذا تحرك فهي تفضح نفسها وتضع رجالها في موقف حرج بل تضع منظومتها بالكامل في المرمى والاستهداف.. فهل بعد هذا يصح مثل هذه القصص؟!! هذا ما اترك الإجابة عليه للقارئ اللبيب.

إن أردوغان يعمل بموازنات.. ومع ذلك لا ينتظر الإذن ولا الرضا من الغرب هذا أولاً، ثانياً: سيكون معذوراً حين يعلن أن من أسقط الطائرة الروسية هو من الدولة العميقة، وسيصمت الجميع أمام حركته، بل سيضطر الجميع أن يقف معه كما هو الحاصل الآن بعد الانقلاب الفاشل الذي وقف معه الغرب وخطط له.

ومبررات القضاء على الكيان الموازي ليست بالصعبة ولا المستحيلة إذا كان قد وقع منها هذا، بل لا يستساغ أن تؤجل الدولة القوية ذلك ولا تنتظر الأزمات ولا تصنعها، وإنما تقضي عليها في مهدها وبهدوء.

وكل هذا يبقى في دائرة التحليل والله أعلم بالصواب

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة