مصر بالمال وليبيا بالسلاح والمال

الوضع الليبي مثير للحزن، وما يجري له أبعاده الداخلية المتعلق بالقبلية وعجز النخب السياسية عن التفاهم على حل ينقذ البلاد.

الأربعاء، 27-08-2014 الساعة 09:27


الذين أرسلوا خليفة حفتر كي يشرع في معركته ضد من يسميهم الإرهابيين، كانوا يدركون أنه لن يحسم معركته سريعا، بل ربما لن يحسمها أصلا، ولكنهم أرادوا أن يلقنوا الشعوب العربية درسا كي لا تفكر في الثورة أو تطالب بالإصلاح، ولسان حالهم، بل مقالهم عبر حشد لا يُحصى من الأبواق، يقول للناس في دولهم والدول الأخرى: «هل تريدون أن يحدث لكم ما حدث في سوريا وليبيا؟». ولعل ذلك؛ والكلام يجرُّ بعضه بعضا كما يقول المثل، هو ما دفعنا مرارا إلى القول إنهم، وإن ظهر بعضهم بمظهر من يساعد الثورة السورية، فإنهم لم يريدوا لها انتصارا، بل انسجموا أيا تكن النوايا مع نتنياهو الذي أرادها حربا طويلة ومدمرة، مع أن ذلك ليس ذنب الشعب الذي ثار بكل تأكيد، بل ذنب الطاغية الذي رد عليه بالحديد والنار، وها هو يستجدي الغرب من أجل أن يقبله شريكا في حرب الإرهاب.

ولأن النجاح يغري بالنجاح، فقد وجد من أسندوا الثورة المضادة في مصر ونجحوا في الانقلاب على ثورة يناير بسطوة المال، أن لديهم فرصة لتكرار ذلك في ليبيا أيضا، وقد فعلوا ذلك في اليمن من قبل، وحاولوا في تونس، ولا يزالون يحاولون في سياق من إبعاد حركة النهضة عن أي شراكة في الحكم.

ما تم كشفه أمس وأمس الأول حول مشاركة الطيران الإماراتي في قصف مواقع من يسمونهم «الإرهابيين» في ليبيا بمساعدة مصرية، يؤكد أن القوم قد قرروا الذهاب بعيدا في مطاردة الثورة، وهذه المرة أضافوا إلى خطابهم لونا ديمقراطيا بالحديث عن المجلس الوطني المنتخب، هم الذين طاردوا المجلس السابق بكل ما أوتوا من قوة لأن نفوذ الإسلاميين فيه كان جيدا. ولأن الانتخابات هذه المرة قد جاءت كما يحبون، فقد أظهروا انحيازا لها، فيما يتذكر الجميع أن الإسلاميين المصريين قد ربحوا خمس جولات انتخابية لم تكن كافية لوقف المؤامرة على الثورة، وهم أصلا لا يريدون سيرة الديمقراطية، وكل حربهم إنما هي من أجل مطاردتها بصرف النظر عن أيديولوجيا الفائزين إذا كانوا منحازين لها بالفعل (أعني للديمقراطية)، ولو صدف أن من يتصدرون الثورات من غير الإسلاميين لما كان موقف أولئك منهم مختلفا بأي حال.

جميل أن نسمع للمرة الأولى عن جهد عسكري للإمارات، هي الدولة التي تعدُّ من أكبر مستوردي السلاح في العالم، من دون أن تستخدمه ولو لمرة واحدة، لكنها اليوم تستخدمه في سياق من نصرة الثورة المضادة في ليبيا، وقد كان مثيرا للسخرية أن يتحمل حفتر مسؤولية الهجمات الجوية من أجل التستر على ما فعله داعموه.

في أي حال، فإن الوضع الليبي مثير للحزن، وما يجري له أبعاده الداخلية المتعلق بالقبلية وعجز النخب السياسية عن التفاهم على حل ينقذ البلاد، لكن البعد الأكبر فيما يجري هو الخارجي، ومن يديرون المعركة هم من أشرنا إليهم، والمفارقة أن الإسلاميين لم ينقلبوا على الوضع بسبب الانتخابات، بل رضوا بنتيجتها، ولم يعترضوا إلا على مخالفة الإعلان الدستوري بعقد الجلسة الأولى للبرلمان في مدينة طبرق.

صحيح أن هناك جماعة إسلامية ترفض الاحتكام للصناديق ممثلة في «أنصار الشريعة»، لكن واقع الحال هو أن المعركة لم تكن معها، إذ إن معظم الإسلاميين يرفضون نهجها، لكن لقاءهم معها إنما كان بسبب شعورهم بأن ما يجري هو ثورة مضادة، وأن هناك نوايا استئصال لهم بالجملة، وحين يتحدث حفتر عن «الإخوان المسلمين» بذات النبرة التي يتحدث فيها عن أنصار الشريعة، فذلك يشير إلى طبيعة المعركة، لاسيَّما أن الجميع يدركون أن داعميه في الإمارات ومصر إنما يركزون على الإخوان والقريبين منهم أكثر من أي أحد آخر. ومع ذلك فحتى أنصار الشريعة يمكن التفاهم معها، وهي يمكن أن تراجع أفكارها كما راجع آخرون قبلها.

إنها ثورة مضادة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وحديثها عن الديمقراطية هو محض هراء وبضاعة فاسدة لا يشتريها أي أحد، والكل يدرك أنهم ضد الثورات برمتها.

إن الفشل الذي مني به أولئك القوم في ليبيا إنما يتأتى بسبب معادلة السلاح غير الموجودة في مصر، فيما يدرك الجميع أن وضع مصر يختلف ولا أفق فيها لسلاح ولا عنف، بخاصة أن الجيش متماسك والأجهزة الأمنية كذلك، إلى جانب الدعم الخارجي الهائل، وقبله الانقسام في المجتمع.

إنها مرحلة في منتهى البؤس، إذ لم يحدث في تاريخ الأمة أن استخدم بعض أبنائها فائض المال لديهم في محاربة أشواقها في الحرية والتحرر كما يحدث منذ ثلاث سنوات، لكن ذلك لن يكون نهاية المطاف، وستنتصر الأمة في هذه المعركة مهما خسرت من جولات، ومهما طال الصراع وكثرت التضحيات.

(العرب القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة