مصر تكشف "الليبرالجيين" العرب!

نظام مرسي ارتكب أخطاء بينها التي اعترف بها وأخرى لم يرها أو تجاهلها أو أنكرها، كما يوجد الكثير أيضاً نسب له من طرف خصومه بلا أدنى بيّنة.

الخميس، 21-08-2014 الساعة 06:57


غزة فضحت "المتصهينين" العرب، وسوريا عرّت "المتصفونين" العرب، وتوجد حالة أخرى يجب أن نقف عندها وهو أحداث الثورة المضادة في مصر التي أسقطت الرئيس المدني محمد مرسي عبر انقلاب عسكري كامل الأركان أدى إلى وصول الجنرال عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم وتحقيق حلمه القديم.

بغض النظر عن الاختلافات والاختلالات القائمة حول أحداث مصر وطبيعة الحكم الذي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وبغض النظر عن الذين اصطفوا مع الانقلاب لأسباب أيديولوجية ومذهبية كالسلفيين أيضاً، إلا أن الذي حدث والدماء التي سالت بطريقة قذرة جداً أكدت أن الشرعية في العالم العربي تأتي على مقاس المؤسسات العسكرية، فتدعمها لما توافق هواها ثم تنهيها في الوقت الذي تريد إن حدثت توجهات تتنافى مع مصالح جنرالات الجيش.

بلا شك أن نظام محمد مرسي ارتكب أخطاء بينها التي اعترف بها وأخرى لم يرها أو تجاهلها أو أنكرها، كما يوجد الكثير أيضاً نسب له من طرف خصومه بلا أدنى بيّنة. ولكن هذه طبيعة الحكم في كل العالم، فلا يوجد رئيس لا يخطئ ولا يوجد نظام حتى في الدول المتطورة لا يرتكب أخطاء في سياسة البلد، بل إن هذه الأخطاء ضرورية تتمنّاها المعارضات وتحلم بها، حتى تستثمرها في المواعيد الانتخابية للفوز بالسلطة. لكن الشيء المختلف أنهم في الغرب لا يفتعلون ويفبركون الأخطاء ولا يعملون ضد النظام بما يهدد مستقبل الأوطان، بل يختلفون لمصلحتها وعلى الغد الأفضل. في حين أن العالم العربي لما تصل جهة ما للسلطة تجد المعارضة خصوصاً المدعومة من المؤسسات العسكرية تعبث حتى بأمن المواطنين ودمائهم، لأجل توريط السلطة الجديدة والتخلص منها، كما حدث في مصر سواء من خلال بعض العمليات الإرهابية الغامضة في سيناء وغيرها، أو المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المفتعلة في أغلبها مثل غلاء الأسعار وأزمات الخبز والغاز وغيرهما، التي كان لها تأثيرها البالغ على نفسية المصريين بفضل الدولة العميقة التي ظهرت أعمق مما تخيّله مرسي وأركان حكمه.

خلال الفترة التي حكم فيها مرسي عبر أول انتخابات ديمقراطية بتاريخ هذه الأرض منذ آلاف السنين، اصطف علمانيون وليبراليون ضده، ولكنهم لم يعملوا بالطريقة التي يتغنّون بها في شعاراتهم من أجل أن يهزم مرسي في انتخابات رئاسية قادمة بطريقة ديمقراطية طالما صدّعوا رؤوس العالم بالحديث عنها ورفعوا شعاراتها بكل محافلهم ومعابدهم، بل لعبوا أدواراً قذرة خصوصاً عبر وسائل إعلام خاصة يملكها رجال أعمال كان لهم نفوذهم اللامحدود في دواليب السلطة إبان حكم حسني مبارك، وبدأ يتهاوى نفوذهم بعد ثورة يناير 2011 مباشرة. ولكن بقي لهم امتداد كبير لم يتعرض لأيّ هزّة في المؤسسة العسكرية من خلال جنرالات تربطهم معهم علاقات مصاهرة أو شراكة غير معلنة في مؤسسات اقتصادية عملاقة، تتحكم في لقمة عيش المصريين ومستقبل بلدهم.

ظل الليبراليون في العالم العربي ينادون بالديمقراطية، ولكنهم انقلبوا على أعقابهم بمجرد أن أفرزت صناديق الاقتراع رئيساً إسلامياً ينتمي لجماعة الإخوان في انتخابات نالت إشادة واسعة في كل أرجاء العالم، وحتى لدى أعرق الديمقراطيات الغربية من حيث نزاهتها والشفافية التي تمتعت بها. وهذا ديدنهم لما تفرز الديمقراطية إسلامياً لا يحمل أيديولجيتهم فإنهم يستبدّون لمنتهى الطغيان بين عشية وضحاها ويعملوا على تحويل صناديق الانتخاب إلى صناديق موت، بل يطعنون حتى في الشعب ويتطاولون على خياراته كما حدث في الجزائر بعد الانتخابات البلدية في يونيو/ حزيران 1990 والبرلمانية في ديسمبر/ كانون الأول 1991 وفاز فيها الإسلاميون، حيث هب ماركسيون وعلمانيون وليبراليون في وصف الشعب الجزائري بالغبي والجاهل وغير المثقف لأنه لم يحسن الاختيار!

أما الحريات العامة التي تتعلق بحق الشعب في تقرير مصيره واختيار حاكمه، فإنه بمجرد أن فاز الإسلامي مرسي تناساها الليبراليون وضربوا بها عرض الحائط، وراحوا يحرّضون على نتائج اختيار الشعب الحر وذلك بالتنسيق مع فلول نظام ديكتاتوري وفاسد كما كان يصفه بعض الليبراليين المصريين. بل وصل الحال بعد عزل مرسي إلى التحريض ضد التظاهر السلمي الذي كانوا يرونه من أبرز الصور التي تتجسّد فيها الديمقراطية والمواطنة.

أما الدولة المدنية التي شغلوا بها الوطن العربي، ويريدونها أن تتحقق وتتمدّد عبر إبعاد العسكر وعودتهم لثكناتهم لأداء واجباتهم في حماية الوطن وحدوده، وإقصاء الدين من الحياة السياسية من خلال علمانية الدولة على الطريقة الغربية. غير أن هذا كله كان مجرد شعارات طنانة ورنانة يستعملها الليبراليون العرب فقط لتحقيق أطماعهم في السلطة والجاه والنفوذ، حيث تحركوا في الشارع وطالبوا المؤسسة العسكرية بالتدخل لعزل الرئيس المنتخب، ورفع الكثيرون منهم شعارات عشق للأحذية العسكرية وبينهم من راح يقبّل "البيادة" -كما يسمونها- وحوّلوها إلى مزهريات للورود في المظاهرات أو شبكات التواصل الاجتماعي. أما الدين الإسلامي فقد جعلوه مجرد بعبع فقط رغم أن مرسي لم يطالب بالدولة الإسلامية في مصر ولا أظهر ما يوحي بذلك، سوى جعل مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع في المادة 2، وعرّف بهذه المبادئ في المادة 219، بل خلال فترة حكمه حاول أن يظهر أكثر انفتاحاً على العلمانية والليبرالية من الليبراليين والعلمانيين أنفسهم ولم يشفع له ذلك أبداً.

بالنسبة لملفات حقوق الإنسان التي ينشط فيها الليبراليون كثيراً، فبدورها كانت ضحيتهم، حيث إنهم دعموا قتل المتظاهرين السلميين، وساندوا وزارة الداخلية في فضّ الاعتصامات بقوة السلاح في رابعة العدوية والنهضة وغيرهما، بل شهدوا الزور عن حرق الجثث وعمليات القنص والقتل التي مارستها قوات الأمن. وسكتت منظماتهم وهيئاتهم عن التصفيات الجسدية والإهانة للكرامة الآدمية والتعذيب الذي يجري ضد أنصار محمد مرسي في أقبية مراكز الشرطة والمخابرات. حتى منظمة كبيرة مثل "هيومن رايتس ووتش" التي كانت قبلة الكثيرين منهم، أصدرت تقريراً ضخماً عن مجزرة رابعة وهو يدين نظام السيسي، في حين قابله الليبراليون العرب باجترار ما يناقض الحقيقة وللأسف على حساب أبرياء، كل القيم الأخلاقية والإنسانية تفرض الدفاع عن حقهم في العدالة بعد مصادرة حقهم في الحياة.

الليبراليون العرب طالما نادوا بأن الحكم يكون للأغلبية، إلا أنهم في مصر اصطفوا مع أقلية من المناهضين لحكم مرسي الذي فاز في الانتخابات بحوالي 52 بالمئة. حتى الذين خرجوا للشارع يتظاهرون ضد نظام الإخوان كانوا مجرد أقلية نفخت في عددهم وسائل إعلام بما يتنافى مع المنطق.

الليبراليون العرب ينادون بدولة القانون ولكنهم في مصر وقفوا ضد القانون وركبوا عليه، حيث أهانوا القضاء المصري وحوّلوه إلى أسوأ قضاء في العالم من خلال تسييسه وانحيازه المفضوح للمؤسسة العسكرية بقيادة عبد الفتاح السيسي على حساب قيم العدل وقوانين الجمهورية والمواثيق الدولية. الجرائم ضد الإنسانية التي حدثت منذ انقلاب 3 يوليو لم تنل حقها أبداً في العدالة، ووصل الأمر إلى التلاعب بالتحقيقات وحرق الجثث في المستشفيات لإخفاء أدلة الجريمة، وصار المجرم ضحية والقتيل قاتلاً بين عشية وضحاها وبدعم من يدّعون أنهم دعاة حقوق الإنسان. بل حالة وحيدة نظر فيها القضاء وتتعلق بحادثة مقتل أكثر من 35 سجيناً من أنصار مرسي عند ترحيلهم إلى سجن "أبو زعبل" ولكن في النهاية كانت الأمور في صالح الجناة الذين أطلق صراحهم.

الليبراليون العرب يركزون كثيراً على المرأة وحقوقها حتى صارت كأنها شغلهم الشاغل، حيث لم تسلم منهم المرأة في كل الدول العربية وعلى رأسها السعودية ودول الخليج، وطالما طالبوا بحق المرأة في العري والخروج والاختلاط وغيره، ووصل الحال ببعضهم إلى الدعوة لحقها في العشيق والعلاقات المحرمة دينياً والمجرّمة في التقاليد العربية، ولكن لما تلتزم المرأة وتلبس الحجاب والنقاب فيهاجمونها ويتهمونها بالتخلف والرجعية، وكأن العري فضيلة والحشمة جريمة. وهذا ما يؤكد أن هؤلاء لا يريدون تشريف المرأة بالحرية كما يزعمون، بل غايتهم هو حرية النيل من شرفها في الساحات العمومية وعلى مرأى ذويها فقط. وتجلّى كثيراً في مصر فقد هاجموا المظاهرات المعارضة التي شاركت فيها النساء بحكم أن ذلك يقلل من رجولة أنصار مرسي، وتطاولوا على النساء اللواتي شاركن مع أزواجهن وآبائهن وإخوانهن في الاعتصامات المناهضة للانقلاب العسكري. بل وصل الحال بهم إلى الطعن في شرفهن واتهام المتظاهرين ضد السيسي بالتحرّش والعلاقات المحرّمة. في حين ممثلات وراقصات خرجن للشوارع وتظاهرن لصالح السيسي وهن في قمة زينتهن وكأنهن في غرف نومهن وليس بميدان التحرير، تفنّنوا في الإشادة بهن كمصريات شريفات لم يتأخرن عن نداء واجب الدفاع عن الدولة المصرية!

طبعا لا يمكن أن ننسى تصفيق الليبراليين العرب لحصار غزة والعدوان الصهيوني عليها، بل وعبر قنوات فضائية كانت منبرهم في التحريض على قتل المصريين، طالب بعضهم بإبادة حماس واحتلال غزة ومحو أهلها من الوجود. كما وصل أمرهم إلى تركيا حيث ظلوا يشجعون العسكر للانقلاب على أردوغان ورفس الديمقراطية تحت أقدام الجيش العلماني الذي يتماشى مع توجهاتهم الأيديولوجية.

بلا شك أن مشكلة الليبراليين العرب هي السلطة وما الشعارات التي يتغنّون بها من ديمقراطية وحريات وقانون ودولة مدنية، هي لمجرد الاستهلاك من أجل تحقيق الغايات فقط. وطبعاً حقهم في السلطة مشروع وهذا يقتضي العمل من أجل الوصول إليه وفق معايير أخلاقية، لكن المشكلة أن هؤلاء الليبراليين تخندقوا مع الفساد والفاسدين والقتلة والمجرمين من العسكر والساسة وأرباب المال والأعمال والبلطجية ولأجل أطماع فاسدة.

تستحق مصر أن تنال التقدير بدورها مثل سوريا وغزة لأنها فضحت هؤلاء الليبراليين العرب الذين لم تتجاوز الليبرالية حدود شهواتهم، ولو تنطق ليبرالية الغرب للعنت أغلب الليبراليين في الشرق العربي عموماً وفي مصر بصفة أخص، وبذلك يستحقّون تسميتهم بـ "الليبرالجيين" لا غير، والحديث في شأنهم يطول.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة