مصر وإيطاليا.. النفط مقابل "محسوب"

باعت السياسة المبادئ من أجل برميل بترول وتسليم الطليان محمد محسوب إلى النظام المصري رغم تهديد ذلك لحياته.

الرابط المختصرhttp://cli.re/gv4RvD
الخميس، 02-08-2018 الساعة 12:37

في عام 1996 في أثناء الحصار الدولي على العراق، بدأ برنامج النفط مقابل الغذاء، وهو المشروع الذي ابتدعته الإمبريالية العالمية المستغلة؛ لتستنزف بترول العراق بالإضافة إلى دمه، بعد تجويع شعبه وإذلاله بعد عزة، ولم يكن المشروع من الإنسانية بمكان بقدر ما كان يهدف إلى شفط نفط العراق، الذي كان واقفاً على قدميه يحميه جيش ما زال متماسكاً.

هذا هو دأب الغرب رغم تجميل صورته بشعارات براقة تحمل معاني فلسفية مثل الحق والخير والجمال، وما يندرج تحتها من حقوق وحريات، لكن الحقيقة المصلحية المادية للإنسان الأبيض، الذي يرى في نفسه جنساً أرقى من أي جنس، لا يتوانى عن بيع أي شيء حتى تلك المبادئ مقابل المادة التي يحيا في الحقيقة من أجلها، ضارباً بكل القيم الإنسانية والأخلاقية وحتى الدينية عرض الحائط من أجل هذه المادة وخدمة للجسد دون الروح.

في الأول من أغسطس تواترت الأنباء عن اعتقال السلطات الإيطالية وزير الشؤون القانونية في حكومة الثورة المصرية، أستاذ القانون وعميد كلية الحقوق في جامعة المنوفية ونائب رئيس حزب الوسط المصري، الدكتور محمد محسوب. الخبر يدفع الذاكرة إلى مشروع النفط مقابل الغذاء، الخبر يدفع الذاكرة إلى حقيقة الغرب الكاذب المدَّعي الدفاع عن الحقوق والحريات، إيطاليا استوقفت محمد محسوب تمهيداً لتسليمه للنظام المصري، الذي لفق للرجل اتهامات، لتزج باسمه في عدد من القضايا الكيدية التي يفوح من أوراقها وقرارات الإحالة فيها رائحة السياسة، فضلاً عن الكيدية الجلية التي تبدو على أوراق تلك القضايا من أول وهلة.

 

 

محسوب الأكاديمي الهادئ المسالم متهم من قِبل النظام المصري بالتحريض على ارتكاب أعمال عنف وقتل وتخريب في قضية حملت رقم 28 لسنة 2013. وصودرت أمواله على أثر هذه القضية، ليُحكَم عليه مجدداً في 30 ديسمبر من العام الماضي، غيابياً، بالحبس 3 سنوات، في قضية أخرى ملفقة اتهم فيها بإهانة القضاء، وهو الحكم الذي أصدره القضاء المسيس من أجل أن يعطي النظام الورقة التي ستُستخدم للضغط على محسوب، الناشط لإعادة الحرية لبلاده من خلال الطرق السلمية.

الطريقة التي تم بها القبض على محسوب توحي بأن الأمور تخرج من إطار تنفيذ أحكام، وهو ما لا توجد به اتفاقية بين إيطاليا ومصر؛ إذ إن اتفاقية تنفيذ الأحكام بين مصر وإيطاليا، الموقعة عام 1978، اقتصرت على الأحكام المدنية والتجارية والأحوال الشخصية دون غيرها، فطريقة اقتياد الشرطة الإيطالية محسوب من الفندق كانت أشبه بالاختطاف أكثر من كونها إنفاذاً للقانون، وهو ما يؤكد أن العملية جاءت خلال صفقة بين النظام المصري وإيطاليا يستفيد منها الطرفان.

فإن كان مفهوماً مصلحة النظام المصري في إسكات الأحرار وتصفيتهم لتصفية القضية المصرية (إعادة الوطن المسلوب بانقلاب عسكري)، فماذا كسبت إيطاليا من هذه الصفقة؟

إيطاليا، التي تعقدت علاقاتها بالنظام المصري بعد مقتل الصحفي والباحث الإيطالي جوليو ريجيني على يد قوات الأمن المصرية، وهو ما أثار الرأي العام الإيطالي، لا سيما بعد الحراك الحقوقي الذي قادته والدة المغدور، بدأ يتلاشى شيئاً فشيئاً بعد أن قدَّم النظام في مصر ما يمكن أن يسكت به ضمائر سياسيي إيطاليا ويقتل حق المواطن كما قتل ريجيني من قبل، عقد تنقيب عن البترول في مصر، مع امتيازات جبارة تكاد تصل إلى بيع المستخرج بغير ثمن، كان دية كافية للسياسيين الإيطاليين لقتل القضية.

ولما ذاق الإيطاليون طعم النفط المصري وأمواله، ولما عرف النظام المصري الثمن المقبول لتنفيذ طلباته، كان العَقد الأخير بين النظام وشركة إيني الإيطالية في الـ 9 من الشهر الماضي، والذي مكن الشركة الإيطالية من نهب منطقة جديدة في غربي مصر، منطقة  مليحة التي تبعد 130 كم من واحة سيوة، والذي من المتوقع أن تجني الشركة الإيطالية من ورائه أرباحاً بالمليارات.

باعت السياسة المبادئ من أجل برميل بترول، وسلّم الطليان محمد محسوب إلى النظام المصري رغم تهديد ذلك لحياته، ضاربة بالمواثيق الدولية عرض الحائط، ولا عزاء للقيم في ظل عالم يحكمه النفعيون من تجار الدماء.. أنقِذوا الدكتور محمد محسوب.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة