مصطفى الشيخ مرتدٌّ أم عميل

مهما كانت التسمية القبيحة التي يوصف أو سيوصف بها مصطفى الشيخ، فلن تكون أشد وطئاً من هذا الإجماع الثوري الأصيل تجاه ما فعل.

الأربعاء، 18-01-2017 الساعة 09:51


مصطفى الشيخ يخرج على العلن في موسكو، يُزيِّن جرائم بوتين في سوريا، ويعلن أن هذه الجرائم إجراءات علاجية لا بد منها، واللافت أنه قد تكلم بثقة وجرأة، وقال: "لم يبقَ هناك ثورة بمعناها الحقيقي، إنه صراع دامٍ بدون أي مبرر".

وعن الغاية من عقده للمؤتمر الصحفي ومشاركته في أستانة، قال: "هذا المؤتمر الصحفي كله من أجل حشد الداخل السوري من شأن الضغط على الفصائل والمعارضة لوقف نزيف الدم"، والتفسير الوحيد لعبارة الضغط لوقف نزيف الدم هو الضغط للقبول ببقاء بشار الأسد، وهو المحور الهام الوحيد لمفاوضات أستانة.

ويقول الشيخ إنه يعلم أنه سيُتهم بالخيانة ولا يهمه ذلك؛ لأنه حريص على الدور الروسي المنقذ الضامن، وحريص على قطع غيار سد الفرات.

الرّدّة بمعناها الثوري والوطني بلا ريب متحققة في مصطفى الشيخ، الذي خرج على العلن يعلن ردّته في مأوى المرتدّين السوريين (موسكو)، ولم يستطع أحد أن يخفف من فعلة مصطفى الشيخ إلى أقل من الرّدّة إلا واحداً، قال هو من صنفي في سلاح الكيمياء في الجيش، وأظنه ضلّ ولم يرتدّ، وبعيداً عن هذه وتلك يبقى السؤال الأخطر؛ هل كان الشيخ مرتداً ضالاً أم عميلاً؟

يقول المساعد أول عبد الخالق عبدو، الذي كان يعمل في فرع أمن الدولة - فرع 327/شعبة المعلومات في دير الزور، التابع لإدارة المخابرات العامة، الذي انشق عن النظام بتاريخ 2012/3/5، خرجت من سوريا إلى تركيا، ودخلت مخيم الضباط كسائر المنشقين، وكنت قد سحبت معي من سجلات ووثائق الفرع الذي كنت فيه معلومات فيها أسماء مطلوبين للنظام، وفيها اسم واحد لعميل "عوايني"، هو العميد مصطفى الشيخ، ورد اسمه في مذكرة موجهة إلى إدارة المخابرات العامة في دمشق، ويتبع في مهمته إلى الأمن العسكري، ومهمته اختراق الصفوف الأولى للجيش الحر.

ويضيف عبد الخالق عبدو: "المعلومات موثقة ضمن مراسلات وكتب رسمية مختومة وبدرجة سري للغاية، وقد خزنتها على فلاشة كمبيوتر، وحاولت عرضها على العقيد رياض الأسعد، ولكنه لم يفرغ من أجل ذلك وقتها، ولما علم بالمعلومة التي نشرتها في محيطي في مخيم الضباط طلب مني أن أطلعه فرفضت؛ لانزعاجي من موقفه الأول".

وقد واجهت مصطفى الشيخ في المخيم بالأمر، وقلت له لدي وثيقة تثبت أنك عميل للنظام، فأجاب بافتعال شديد لعدم الاكتراث مع ابتسامة صفراء فاقعة: "كلام جرايد"، هذا ما قاله عبد الخالق عبدو في تسجيل خاص بصوته، والتسجيل متاح ولم يعد حكراً عند صاحبه.

مصطفى الشيخ كان ضابط أمن مركز البحوث العلمية بحلب، وهذا المركز يعد من أهم المراكز العسكرية في سوريا، وتبعيته تكون للقائد العام مباشرة، وكل العاملين فيه لهم حصانة وامتيازات، وعملهم محاط بالسرية والكتمان الشديدين.

كيف وثق النظام بضابط من السنة ليكون ضابط أمن في هذا المركز الحيوي الهام؟ علماً أن معظم ضباط الأمن -حتى في أصغر الوحدات- هم من العلويين، فكيف ولماذا يكون مصطفى الشيخ ضابط أمن البحوث العلمية؟ الذي يتمتع بما لا يتمتع به عناصر القصر الجمهوري أنفسهم، ولا حتى عناصر الفروع الأمنية.

أكمل الشيخ سنواته الأربع برتبة عقيد ركن في البحوث العلمية، وحينما حان موعد ترقيته لرتبة عميد تم نقله إلى قيادة المنطقة الشمالية، وسمِّي أيضاً ضابط أمن المنطقة الشمالية. ومارس عمله بهذه الصفة إلى أن أعلن انشقاقه.

وبعد تتبع لمجريات انشقاق مصطفى الشيخ وردت التفاصيل على النحو الآتي: استدعي مصطفى الشيخ إلى الإدارة العامة للمخابرات في دمشق، وبقي في دمشق مدة تقارب الـ 45 يوماً تحت غطاء العلاج في أحد المستشفيات العسكرية هناك، وبعد عودته من دمشق طلب إجازة عادية لمدة ستة أيام من قيادة المنطقة الشمالية، ليخرج إلى تركيا في سرية بالغة، كما قال فيما بعد.

ولكن قائد المنطقة الشمالية، اللواء محمود الغبن، أمر بتسجيل العميد مصطفى الشيخ فاراً بعد ساعتين من انتهاء إجازته، دون إجراء أي إجراءات استفسارية، أو اتصالات ضمن السياقات المعمول بها في مثل هذه الأمور، وبدا جلياً أن قائد المنطقة يعلم بأن مصطفى الشيخ مأمور من الجهات العليا بتنفيذ أمر لصالحها، وكل ذلك تم قبل أن يعلن الشيخ انشقاقه، وقبل أن يرشح من أخباره شيء.

مرتد أم عميل؟.. يجيب العقيد رياض الأسعد عن هذا السؤال بوضوح شديد ويقول: "هو عميل متواطئ مجند من قبل الأمن العسكري لتمزيق الجيش الحر وتفتيته، وقد كانت هناك مجموعة من الضباط يروِّجون في مخيم الضباط له علناً، ويتحدثون عن انشقاقه قبل أسابيع من الانشقاق، وللنظام عيون، ومع ذلك لم يعتقله النظام، ولم يفعل ضده شيئاً.

ومصطفى الشيخ نجح في تفتيت قيادة الجيش الحر، وجعل الناس أمام جهتين قياديتين عندما أعلن عن القيادة العليا للمجالس العسكرية، وكان له الدور الأبرز في عدم توحيد القيادة مرة أخرى، وقام بزرع الفتن، وكرر مصطفى الشيخ أمامي مراراً أن هدفه ليس بشار الأسد، إنما الإخوان المسلمون والإسلاميون، وآخر نشاطاته في عام 2016 كانت تشكيل تكتل عسكري وسياسي بتنسيق كامل مع ريبال الأسد"، هذا الكلام كله للعقيد رياض الأسعد.

وبقي السؤال الكبير على كل لسان لرياض الأسعد؛ لماذا لم تعلنوا هذه التهمة عن مصطفى الشيخ التي تقولون إنكم جزمتم بها منذ البداية؟

أجاب الأسعد: "كنا ضمن الدوائر الضيقة نقول ذلك أو نشير إليه، ولكن الشيخ عدنان العرعور كان يدعم مصطفى الشيخ إلى حد عجيب، وكان باستمرار يُلمِّعه بدعاية ضخمة، وصلت إلى حد أن يكرر الشيخ العرعور صائحاً في برامجه: (يا مصطفى لقد اصطفاك الله لهذه الثورة)، من كان سيصدقنا أمام هذه الدعاية؟ خاصة أن الجميع يعلم أنني خصمه اللدود، ويظنون أن الخصومة إنما هي اقتتال على الزعامة".

ولما سألنا العقيد رياض الأسعد عن أقوال ووثيقة المساعد أول عبد الخالق عبدو، أكدها كما وردت بالتفصيل.

وذكر العقيد تفاصيل أخرى تخص صفقات مالية ضخمة تورّط فيها الشيخ، ووجه رياض الأسعد أصبع الاتهام إلى مصطفى الشيخ ومن معه بخصوص عدة محاولات جرت لاغتياله داخل مخيم الضباط.

ومهما كانت الظروف والموانع التي ذكرها رياض الأسعد في عدم فضح مصطفى الشيخ إلى الحد المطلوب وقتها والسعي لمحاسبته، فلا أظن أن ثورياً سورياً واحداً سيرضى عن تبريره، ولن يخفف رياض الأسعد عن نفسه التبعة إلا أن يبادر كمؤسس للجيش الحر بتشكيل محكمة عسكرية، يطالب فيها الادعاءُ العام، نيابة عن الشعب السوري المنتفض العظيم، بإدانة المدعو مصطفى الشيخ بتهمة الخيانة العظمى.

الثوار السوريون أطلقوا على مصطفى الشيخ بعد إطلالته في موسكو ألقاباً دالَّة شتى؛ فمنهم من قال إنه حفتر سوريا القادم، ومنهم من قال هو المكلف بمحاولة إصدار صك الغفران لروسيا عن جرائمها في سوريا، ومنهم من لم يعجبه أي لقب، وأوصى بوضع صور المذكور على أبواب الحمامات في المخيمات، وأوصى ألا يُكتب اسمه على الصور؛ فلا يليق ذلك باسم المصطفى.

ومهما كانت التسمية القبيحة التي يوصف أو سيوصف بها مصطفى الشيخ، فلن تكون أشد وطئاً من هذا الإجماع الثوري الأصيل تجاه ما فعل، وفي هذا الإجماع دلالة مُبشِّرة على ثبات الكتلة الثورية الصلبة التي تتنقى وتلفظ خبثها وتسد ثغراتها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

أمريكا | السيناتور ديك ديربن: يجب طرد السفير السعودي حتى اكتمال تحقيق تجريه جهة ثالثة