معضلة الشخصنة في المؤسسات العربية

تتعاظم الظاهرة لتبلغ حدّ شخصنة الدول واختزالها بالواقف على قمة هرمها.

الجمعة، 23-01-2015 الساعة 08:21


لا يكفي اسم المؤسسة أو شعارها للتعريف بها، بل ينبغي أيضاً نسبتها إلى من يقف على رأسها، أو من يمسك بخيوطها؛ كل الخيوط تقريباً. إنها معضلة الشخصنة التي تنسج شباكها الواسعة في أرجاء البيئة المؤسسية العربية.

تتعاظم الظاهرة لتبلغ حدّ شخصنة الدول واختزالها بالواقف على قمة هرمها، فأي إنجاز ليس من شأنه أن يتم إلاّ "حسب توجيهاته"، أو هكذا يقولون في نشرات الأخبار.

ومع اختزال المؤسسات في أشخاص، لا يعود الأمر متعلقاً بمسؤول المؤسسة؛ بل بمؤسسة المسؤول. هو تقليد يتواصل على الرغم من وفرة الحديث عن تحديث المؤسسات، وتطوير الوزارات، وتقدّم الدول، والعبور إلى المستقبل. أمّا وسائل الإعلام "الوطنية" فلا تكف عن وظيفة الدعاية الرتيبة التي تمجد الأشخاص وتقدمهم في هيئات صنمية تستحق التمجيد، ومن الإنصاف القول إنّ العقيد القذافي لم يكن وحده من اختزل بلاده الكبرى في شخصه ونسبها إليه.

تترسّخ ثقافة الشخصنة؛ فيصعب على الوعي الجمعي افتراض وجود دول أو حكومات أو هيئات أو جمعيات؛ تجسِّد "روح الفريق"، أو تعبِّر بحقّ عن حالة من التوحّد والتجمّع. ومع هذه النزعة تتجلّى في الواقع المؤسسي طقوس الولاء الشخصي، التي تتفاقم أحياناً مع ترميز المسؤول وتضخيمه. إنها عملية إعادة إنتاج لثقافة التمركُز حول "كبير القوم"، أو تقليد التحلّق من حول زعيم القبيلة، أو مسلك الطاعة العمياء لشيخ الطريقة، ومَن اعترض فقد انطرَد.

لا ريب أنّ مبعث الشخصنة ليس الشخص المحوري وحده؛ بل من يقفون في هامشه أيضاً، إذ تغمرهم ثقافة سائدة تتسع لهذه المفارقات وتفرزها بأشكال متجدِّدة. تعبِّر الجمهرة عن هذا المفهوم الغائر في الوعي، فيسأل أحدهم: مؤسسة مَن هذه؟ فتأتي الإجابة بأنها "مؤسسة فلان". ويمتد المنطق السابغ إلى المجتمع بأسره، حتى يُنسَب المسجد إلى الخطيب أحياناً، فيُقال: إنه "مسجد فلان".

وكثيراً ما عبّرت الشخصنة عن ذاتها بشكل سافر، حتى في الحقل العلمي والأكاديمي الذي ينصرف بطبيعته إلى تشكيل المستقبل، فاختزل بعضهم جامعات ومعاهد وهيئات أكاديمية في أشخاص مؤسسيها، أو أسماء مديريها، فنُسبت إليهم بلا وعي، كأن يُقال: جامعة زيد، أو أكاديمية عمرو، خلافاً لأسمائها الرسميّة.

ولا يسلم العمل الأهلي والمجتمع المدني من نزعة الشخصنة التي تنخر المنظمات غير الحكومية والجمعيات، مع أنّ بعضها منشغل بشعارات الديمقراطية والحوار وحقوق البشر.

ويبقى أنّ العمر الافتراضي لكثير من الأحزاب السياسية متعلق بأجل القائد الفذّ، دام ظلّه، الذي ما وُجد الحزب إلا به، وما عُرِف إلا معه، وسيُهال التراب على التجربة برمّتها مع القدر المحتوم، ما لم يظهر زعيم منافس يزيح "القيادة التاريخية" ويذيع البلاغ رقم واحد.

مع غياب التوازن بين اللافتة المؤسسية ومضمونها، لا يُعبِّر العنوان الكبير في محصلته إلا عن تمركز حول فرد، أو التحاق بزعيم ملهم. وإن كان أحدهم على رأس الدولة بحق، فستُذاع كلماته على أنها من قطوف الحكمة التي ندر مثيلها عبر التاريخ.

لا تبتعد صناعة الإعلام ومواد العلاقات العامة عن تكريس الظاهرة، فهي ضالعة في تسليط الأضواء على الزعيم وإعتامها عن الشعب، أو أنها تتولّى إبراز المسؤول وتهميش المجموع الذي يأتي في ظلاله. إنهم يستلهمون أسلوب الجمهرة التي تهتف للقائد، أو تقليد التلاميذ النجيبين الذين ينصتون بأدب جمّ لمن يتصدّر حلقتهم، ثم يقومون له ليوفوه التبجيل، ألم يقل بعضهم إنّ الزعيم كاد أن يكون رسولاً؟!

هذا وأكثر منه، هو ما تراه العين الفاحصة فيما يسمونها مؤسسات، أو ما يرفعون فوقها أعلام السيادة ويمدون فيها البساط الأحمر.

من القسط القول إنّ شخصنة المؤسسات لم تنهض من فراغ، فهي نتاج بيئات وخلفيات وتشوّهات الماضي والحاضر. وعلى منوالها وقعت شخصنة دول بأسرها، وحكومات ووزارات، وهيئات ومؤسسات، وقضايا مصيرية. إنها الشخصنة التي داست في طريقها فرصاً وافرة من المشاركة والتفاعل، وعطّلت التجديد والتطوير، وقطعت الطريق على استيعاب الخبرات وتشجيع الأجيال، وأنشأت فجوة متعاظمة مع واقع العصر، فأبقت شعوباً وقبائل عالقة في قرون خلت.

إنها ثقافة لا تحتمل النقاش، ولا تتسع للنقد، فضلاً عن أن تتسامح مع المعارضة، حتى بات الشكّ يساور بعضهم في صلاحية مصطلح "المسؤول"، ما دام أنه لا يُسأل -غالباً- في واقع البيئة المؤسسية العربية؟

وجب القول إنّ المطلب لا يكون بتذويب المسؤول في المؤسسة وطمس أثره، أو تجريده من صلاحياته؛ وإنما الوعي بفداحة المنطق الذي يختزل الأطر المؤسسية بأفراد يتقدّمون المشهد ويتوقعون الانصياع التام لكل ما يأتي منهم. فمع الرضوخ لهذه النزعة تتفاقم تواطؤات الصمت الجمعي عن مسالك خاطئة، وتتعاظم الشقوق مؤذنة بتداعي الجدر وتضعضع البناء، إن لم تجد المجتمعات من يسدّ الثغرات ويصلح الخلل قبل فوات الأوان.

تواصل النزعة الاختزالية للدول والهيئات والمؤسسات والجمعيات والقضايا فعلها، غير آبهة بالتحديات المتزايدة والمتغيِّرات المتسارعة الذي يجرف الواقع العربي من أعماقه. وما لم يقع الاعتراف بالمعضلة، وسبر أغوارها؛ فسيخسر العرب مزيداً من الزمن الثمين في تفاعلات الحضارة، وستتهاوى مؤسساتهم في مؤشرات الإنجاز والمنافسة.

ومع إخلاء السبل أمام نزعة الشخصنة؛ ستواصل هذه الآفة طريقها في البيئة المؤسسية العربية، وستتفاقم معضلة البلدان والمجتمعات مع المستقبل القريب، وستسقط الأجيال الجديدة في قبضتها أيضاً لأنها ترسم لها خريطة الطريق، لينشأ ناشئ الفتيان على ما كان عوّده أبوه. فنهج التمجيد والاتباع الأعمى يصرف الأنظار صوب القائد الملهم حتى لو ظهر من خلال الجبال.

ثمّ يسألونك: كيف تهيّأ لأحدهم أن يأخذ بألباب قطاعات من الشبّان، لمجرد أنه صعد المنبر، وأعلن نفسه خليفة للمسلمين؟

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة