مغامرات المرحلة بين إيران والخليج

تتحدّث ضفاف الخليج، شمالاً وجنوباً، عن بعضها كما لو كانت في قارّات متباعدة.

الجمعة، 10-04-2015 الساعة 08:11


تتحدّث ضفاف الخليج، شمالاً وجنوباً، عن بعضها كما لو كانت في قارّات متباعدة. تتعالى الحواجز وتتضخّم الخلافات ويتفاقم الاحتقان. لم يأتِ ذلك من فراغ، فهو حصيلة أزمات تلاحقت عقوداً من الزمن، وَلَغت أيضاً في مواجهات عسكرية غير مباشرة بين جولة وأخرى.

استنتج بعضهم في الخليج أنّ إيران راهنت على تطويق الإقليم بأذرعها، وربما البحث عن جيوب مرتبطة بها في الداخل الخليجي ذاته، وكانت المراهنة المعهودة على الاحتماء بمظلة الولايات المتحدة. ربما كسبت طهران خلال ذلك نقاطاً وفيرة بمنطق الاستراتيجيات المجرّدة، لكنها أنشأت من حولها بيئة عداء جارفة وحواجز نفسية تتجاوز الجغرافيا وتتعالى على التاريخ. منحت إيران الانطباع بأنها تبحث عن أتباع لا عن حلفاء، ولم يُخفِ بعض مسؤوليها شعورهم بالزهو وهم يرون عواصم عربية تسقط في قبضتهم تباعاً، أو هكذا حسبوا.

ليس جائزاً أن يستسلم بعضهم في إيران لإغراءات عملية التفكيك الجارية في أرجاء العالم العربي، فهي مغامرة بإحراق المنطقة دون ضمان مكاسب فعلية لإيران. ليس مؤكداً أن ينجح أحدهم في ترتيب الأوراق بعد تبعثرها واختلاطها، فمراهنات من هذا النوع كفيلة بأن تستدعي خيارات الفوضى المسلّحة التي تفترش الجغرافيا وتؤكد أنها "باقية وتتمدّد".

أعاد الخليجيون رصّ صفوفهم في زمن قياسي بعد مرحلة التلكّؤ والانتظار، فدشّنوا تحالفات عريضة وخاضوا "عاصفة الحزم"، بما قلّص الفجوة الاستراتيجية المتعاظمة مع إيران التي تواصل مشروعها بلا هوادة عبر جبهات مفتوحة في الهلال الخصيب وجنوب الجزيرة العربية.

جاء ذلك بعد أن أهال الاتفاق الأمريكي - الإيراني التراب على فرضيّات عدّة. فقد حسب بعضهم طويلاً أنّ الاحتماء بمظلة الولايات المتحدة سيمنحهم حماية مؤكدة أو توازناً استراتيجياً مع الضفة الشمالية للخليج المسلّحة حتى أسنانها، لكنّ التساؤلات باتت مُثارة بشأن الوجهة الاستراتيجية التي تختارها واشنطن في المرحلة المقبلة المحفوفة بصمت البيت الأبيض.

تدخل إيران مرحلة جديدة بعد مصافحات مكللة بالابتسامات مع المسؤولين الأمريكيين، لكنها تخوض مواجهات عسكرية غير مباشرة مع جوارها الخليجي والعربي.

الثابت على أيّ حال أنّ بحيرة الخليج لا تتسع لمغامرات حربية جديدة. وإذا وجدت إيران والقوى العظمى سبيلاً للتفاهم والاتفاق المتبادل؛ فهل ستعجز أطراف الخليج شمالاً وجنوباً عن صياغة منطق جديد لإدارة علاقة الجوار التي لا مناص منها؟ وإذا اختار الإعلام الإيراني مهادنة الغرب أخيراً؛ فهل ستصمت فضائيات التأجيج الطائفي التي تجعل دينها نبش القرون الخالية؟

لن تربح طهران على المدى البعيد بمراهنتها على جيوب هنا وهناك، وقد يكتشف الأتباع في لحظة متأخرة أنهم حطب المعارك الإقليمية التي لا تُبقي ولا تذَر. ولن يفيق الخليج ذات صباح وقد أصبحت إيران بعيدة في الجغرافيا، فقد كان الجيران هنا منذ فجر التاريخ وليس من المرجّح افتراقهم مكانياً أو انزياحهم بعيداً.

ليس متأخراً أن يسعى الأطراف في البحث عن صيغة خليجية – إيرانية جديدة لإدارة الجوار الإقليمي، وإطفاء الحرائق التي التهبت بالفعل أو التي بصدد الاشتعال. وفي لحظة تاريخية كهذه؛ يمكن البحث عن مخارج آمنة للجميع، أو الاستسلام لحتمية المسير في نفق ممتدّ بلا بصيص نور.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة