مفارقات من الراهن الإسلامي

مشكلات فكرية كثيرة يعاني منها المسلمون أدت إلى ما نحن عليه من غلو في التكفير وتطرف مضاد في الانحلال الفكري.

الأحد، 19-04-2015 الساعة 18:41


كانت لنا حلقة سابقة على "الخليج أونلاين" عنوانها "تأملات عابرة في واقع الإسلام والمسلمين"، وكنا سنكمل حديثنا عن أمور أخرى في هذا الإطار، غير أن التطورات التي عرفتها المنطقة العربية من خلال مفاجأة "عاصفة الحزم" التي تشنها قوات التحالف العربية بقيادة المملكة العربية السعودية على مليشيات الحوثيين الإرهابية في اليمن، دفعتنا إلى تأجيل ذلك، وقد آن أوان تكملة بعض المقاربات في راهننا الإسلامي الصعب.

المحمود في علمانية الغرب

لو فرضنا جدلاً أن الغرب بلغ هذه الحضارة المادية الهائلة تحت قيادة الكنيسة ورجال دينها، فإن هذا يؤكد على أن الكنيسة تصنع الحياة ورهبانها يطورون البشر، وسيكون ذلك محفّزاً على دين النصارى في كل أرجاء العالم.

لكن كان الأمر عكس ذلك تماماً، فقد غرق الغرب في التخلّف بسبب سيطرة الكنيسة ورهبانها على كل مناحي الحياة، ولما تمكّن الغرب من التحرّر من هذه الهيمنة، وصل إلى ما نراه الآن من القوة والتقدم العلمي والمادي والتكنولوجي.

على عكس ما يجري بين المسلمين، حيث أنهم لما كانوا يعيشون بإسلامهم المحمدي وللمسجد دوره الحضاري التنويري في صناعة المستقبل وتسيير شؤون المسلمين، بلغوا قمة الحضارة والمجد، وفتحوا العالم وصنعوا إمبراطورية – إن صحّت التسمية - لم تصل لقوتها وعدالتها ونفوذها إمبرطوريات الغرب بمختلف دياناته وأعراقه.

غير أنه لما ابتعد المسلمون عن الإسلام وأدخلوا عليه الفكر الغربي الوافد من خلال المستشرقين، وصار العرب والمسلمون يريدون إسلاماً على مقاسهم أو على مقاس الغرب المتغلّب، وليسوا هم على مقاس دين الله سبحانه وتعالى، تخلفوا ووصل بهم الحال إلى ما نراه اليوم، حيث تحولوا إلى مجرد قبائل وأقطار ضعيفة، هشّة، متخلفة، متناحرة، لا يمكن أن تنشّ الذباب عن حدودها الوهمية والفعلية.

بعدما كان المستشرقون هم من ينشطون في إطار الغزو الفكري لبلاد الإسلام ويعملون على تهديم قيمه المثلى في عقول المسلمين وقلوبهم، صرنا نعيش مع مستغربين من المسلمين أنفسهم يقومون بأكثر مما قام به المستشرقون في السنين التي خلت، بل هم أشدّ شراسة وحقداً وكراهية لدين الله عز وجل.

إن الإسلام لا يمكن أن يكون على مقاس أحد من البشر مهما كان شأنه، ولكن البشر هم الذين يجب أن يكونوا على مقاس الإسلام، وهذا طبعاً لا ينفي ضرورة مواكبة العصر في الكثير من الفروع، أو من خلال الجانب الحياتي الذي يقبل المرونة ويتجدد حسب احتياجات العصر، ولكن ليس بتحليل الحرام وتحريم الحلال، تكون المعاصرة والتجديد الفكري والعقلي لنصوص الإسلام، كما يعمل عليه الكثير من المستغربين العرب.

مشكلات فكرية كثيرة يعاني منها المسلمون أدت إلى ما نحن عليه من غلو في التكفير وتطرف مضاد في الانحلال الفكري والأخلاقي.

وهذا كله يؤكد أن المشكلة ليست في ضرورة جعل الإسلام على مقاس أهواء الناس، بل في عدم التمييز بين الكليات الكبرى لدين الله؛ فيما يخص العقيدة التي لا تقبل التجديد ولا التغيير ولا الاختزال، ولا بالنسبة لأحكام الشريعة التي هي ثابتة لا تتغير، ولكن المشكلة الأساسية في الممارسات البشرية؛ من خلال التماهي مع تطورات العصر الذي تفرض الكثير من الموازنات بين المصالح والمفاسد، وفق منظور إسلامي لا يتناقض مع الكليات الكبرى لدين الله.

فالأصل في العبادات المنع إلا لنص، والأصل في العادات الإباحة إلا لنص، كما هو ثابت في القاعدة الأصولية المعروفة التي تثبت بوضوح مدى صلاحية الإسلام لكل العصور والأزمنة بما لا يتناقض أبداً مع التطور الإنساني.

مصائب على الطريق

الكثير من المسلمين حوّلوا أنفسهم إلى قضاة يحاكمون نوايا الناس ويقرّرون مصيرهم حتى في الآخرة، ويتألهون على ربهم سبحانه.

آخرون أيضاً تحوّلوا إلى بغاة يريدون تنفيذ الأحكام على البشر من دون شرعية ولا شريعة، وبينهم من تحوّلوا إلى منحرفين يريدون تبرير انحرافاتهم وإلحاقها بالإسلام، وهو منها براء.

الإسلام لا جنسية قطرية أو مذهبية أو يقبل التجزئة؛ فهو دين كامل ومتكامل أرسله الله عز وجل على مقاس البشرية عبر كل العصور، حيث يسمو بها إلى أعلى الدرجات الإنسانية التي يريدها الخالق لمخلوقاته الذي هو أعلم بها من الكل.

لكن لا يجب على البشر أن يعملوا على إنزال الإسلام إلى مستوى الأهواء والغرائز، ولا أن يحوّلوه إلى مجرد تراث عابر يبرّرون به سلوكاتهم المعادية أصلاً للدين وعقيدته وشريعته.

البعض يرى أن تربية الناس على العقيدة هي الدين، ومبرّره أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء للبشرية قام بتربية المسلمين لسنوات على العقيدة فقط، وبلا شك أن الله تعالى بادئ الأمر أنزل عليه العقيدة التي كان يدعو لها في مجتمعات تعبد الحجر، ولو أرسل له شيئاً آخر لبلّغه للناس من دون أدنى تأخير، ولذلك لا يمكن أن ننكر دور هؤلاء في تصحيح عقائد الناس وتطهيرها من الشركيات والخرافات والبدع، ولكنهم ليسوا هم كل الإسلام الذي صار بين أيدينا كاملاً ومتكاملاً.

آخرون يشتغلون بالسياسة يرون أن أعمالهم هي الإسلام بعينه، وهذا غير صحيح، فكما أننا نحتاج لمن يصحّح عقائد الناس ويربطها بخالقها، وفق عقيدة صافية من شوائب الشرك والضلال، فنحن في حاجة أيضاً لمن ينشط في المجال السياسي، ليعطي صورة إسلامية تتماشى مع احتياجات العصر، وأنه ليس مجرد كهنوت لا يتجاوز المحاريب كما يريده العلمانيون والليبراليون.

لم يقتصر الأمر على ذلك؛ فنجد من حكام المسلمين من يطبّقون الإسلام في دولتهم وبايعتهم شعوبهم بيعة شرعية، ويحرّم الخروج عليهم لأنهم ولاة الأمر حسب النصوص الشرعية الثابتة، وللأسف تجد بعضهم يريدون أن يعمّموا ذلك على أقطار عربية وإسلامية أخرى يحكمها طغاة ومستبدّون لا يذكرون الإسلام إلا في صلاة العيدين أحياناً في إطار البروتوكولات الرسمية فقط.

في المقابل نجد من ثار ضد حاكمه الطاغية الذي يهلك الحرث والنسل، يريد كل الشعوب الأخرى أن تقتفي أثره وتثور على حكامها ولو كانوا يطبقون الإسلام وبلادهم تعيش في أمن واستقرار.

كما أن الذي يجاهد لتحرير بلاده من الغزاة والمحتلين، يرى من لا يجاهدون مثله في ضلال مبين، ففي نظره أن الإسلام هو الجهاد والجهاد هو القتل والسيف والمعارك والأسلحة فقط، رغم أنه يوجد جهاد النفس وجهاد العلم وجهاد التربية وجهاد خدمة الوطن... إلخ، وكل من يخدم أمته في المكان الذي هو فيه ينطبق عليه لفظ الجهاد، والأمة في أمس الحاجة إلى الجميع بلا أدنى استثناء.

الإسلام أكمله الله تعالى ففيه العقيدة والعبادة والشريعة والسياسة وكل ما يتعلق بحياة البشر، وكل حركة أو تيار أو تنظيم يختزل الإسلام في توجهاته فقط فهو يريد دين الله على مقاسه، وللأسف أن المسلمين في كثير من العصور يصنعون وسائل لتحقيق غاية مقدسة تتمثّل في تحكيم شرع الله تعالى، وبعد فترة تجدهم يقدّسون الوسيلة أكثر من الغاية، فتنتشر بينهم الفتن وتمزّق شملهم إلى شيع وأحزاب متناحرة لا تخدم إلا خصومهم، وتزيد في ابتعادهم عن غايتهم ملايين الأميال.

من يربّي أطفاله على قيم الإسلام فهو يخدمه، ومن يناضل سياسياً وحقوقياً من أجل الدفاع عن المسلمين وحتى غير المسلمين فهو في خدمة دين الله تعالى، ومن يجاهد في ساحات الوغى فهو يدافع عن حمى الإسلام، ومن يعلم الناس في المساجد وينشر العقيدة الصحيحة ويكافح البدع والخرافات فهو يخدم دعوة المصطفى عليه الصلاة والسلام، والجميع غايتهم واحدة هي تحقيق العبودية لله تعالى، ولا يوجد طرف يمكن أن نختزل الإسلام فيه؛ لأنه مهما بلغت درجة البشر فلا يمكن أن يكونوا هم الإسلام بحدّ ذاته، باستثناء الرسول عليه الصلاة والسلام.

أؤكد على أن حرية التفكير الإنساني تؤدي دائماً إلى الإسلام، لذلك اتركوا الناس يفكّرون بصوت عالٍ أو منخفضٍ أو بصمت كما يناسبهم، ففي النهاية ستجدونهم يصلون للحق، أما إن استمروا في الباطل فإن عقولهم لم تتحرّر بعد أو أنهم منعوا من ممارسة حقهم في التفكير.

كما أن الإسلام يسمو بالبشرية إلى أعلى الدرجات، وهو عبارة عن حضارة روحية تصنع أخرى مادية، لو أن المسلمين أدركوا عوامل القوة الإنسانية التي خصّهم بها الله تعالى، لبلغوا أعلى المراتب التي يمكن أن يصل إليها البشر في التطور والحضارة.

لكنهم للأسف غرقوا في التفاصيل الهامشية، وراحوا بدل أن يرتقوا إلى تلك الدرجة الربانية التي أكرمهم ربّهم بها، يعملون على أن ينزل الإسلام إلى حيث يغرقون في التخلف والتبعية، ويبرّرون ذلك بكثير من الأوهام التي لا مكان لها في الدين ولا الدنيا... وللحديث بقية.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة