مفهوم دولة الإسلام في سوريا بين الإسلاميين والعلماء

خطاب يفتقر للواقعية الضرورية لمشروع عملي، ولإمكانية تضمينه للأبعاد السياسية والقانونية والفلسفية المؤسسة للدولة الحديثة.

الجمعة، 27-05-2016 الساعة 12:50


ألقى شيخنا الشيخ أسامة الرفاعي رئيس المجلس الإسلامي السوري محاضرته السابعة عشرة لسلسلة (قضايا معاصرة) في إسطنبول لتوضيح مفهومه للدولة الإسلامية ونظام الحكم في الإسلام في الحادي والعشرين من شهر مايو/أيار ٢٠١٦ في خضم عقد حركة النهضة التونسية لمؤتمرها العاشر في تونس لتوضيح مفهومها للتحول من الدعوي لتصبح حركة إسلامية تتخصص بالجانب السياسي بتأصيل جديد للديمقراطية الإسلامية، فظهر لدينا فارق زمني بين المفهومين يمكن تقديره بتسعين عاماً على أقل تقدير.

في هذا المقال سأستدرك مناقشاً شيخنا استدراك المتعلم منه، كما عودنا بسعة صدره مع نقاش تلاميذه.

ما طرحه الشيخ أسامة من كون الدولة لا تكون إسلامية إلا بتحكيم الشريعة وإقامة دولة الخلافة هو الفكرة العامة السياسية لحسن البنا لما أسس حركته عقب إنهاء الخلافة العثمانية، طرحها مجردة من أي مشروع فكري أو سياسي وعملي؛ وقد لاحظ الإخوان المسلمون بعده افتقارهم إلى البناء الفكري وأبعاده الاجتماعية والسياسية، الضروريين لحركة شموليةٍ شموليةَ الإسلام كما كانوا يتصورونها، فوجدوا ضالتهم في سيد قطب وكتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام)، فأقبلوا على سيد قطب ليصوغ لهم أدبياتهم التي ستشهد انتقال مصر لمرحلة ما بعد الملكية.

لكن أزمة الستينات ستصبغ فكره بعنفها، ليقرر الإخوان تجاوزه لمصلحة المشروع الوطني في السبعينات، فأعادوا استلهام ما كتبه الهضيبي تأصيلاً ضد التنظيم الخاص (دعاة لا قضاة)، ليتجاوزوا القطبية وذيولها من حركات التكفير.

لاحقاً سيعتمد الإخوان على مفهوم (الدولة المدنية بمرجعية إسلامية) وسيؤصّلون له مع كل منظري الحركة الإسلامية والخارجين من عباءتها كالشيخ يوسف القرضاوي، وستبدأ منذ التسعينات دعوات فصل السياسي عن الدعوي، والتخصص، وترك الشمولية لعدم واقعيتها، لتتجاوزها حركة الإخوان رائدة مفهوم الدولة الإسلامية وتحكيم الشريعة، التي استعار منها شيخنا مفهومها القديم هذا اليوم، فتقرر المشاركة بالعمل السياسي بمشاريع وطنية ومدنية، مستلهمة الأدبيات السياسية المعاصرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، مطورة فكرها السياسي، وصولاً إلى إنشاء حزب وطني سياسي بعد الثورة؛

ورغم كل هذا التطوير لم تكن الحركة بمنأى عما حصل لها بالانقلاب لافتقارها للمرونة الفكرية والسياسية والحركية اللازمة بسبب الإرث الشمولي فيها.

استندت حركة النهضة بعد الثورة للمرجعية الإسلامية في تأصيلها للديمقراطية وممارستها للسياسة بآلياتها، مركزة على الشأن الاقتصادي وترسيخ الحريات السياسية، وتمكين الدستور المدني، وإنجاح سياسة التوافقات مع العلمانيين لإدارة الدولة، مبرزة شأن (الدنيوي) على (الديني) حسب اجتهادها، ولوحظ عليها تصويتها ضد تعدد الزوجات، وتعديلات مجلة الأحوال الشخصية، وتحالفها مع فلول النظام السابق، ونأيها بنفسها عن خلفيتها الإخوانية، وابتعادها عن قضايا فلسطين وسوريا ومصر، فأصبحت تحت مجهر المتابعين لنرى إلى أي مدى ستصدق في جعلها (المبادئ) حاكمة على (السياسات)، وهي متابعة يجب أن تأخذ وقتها فيها كما أعطى الإسلاميون الحركة الإسلامية السياسية التركية وقتها كاملاً على مدار عقود، قبل أن يسبغوا عليها المديح بلا حدود، رغم أنها أكثر علمانية وأوضح تصريحاً بها وأكثر حداثة ودنيوية وتركيزاً على الشأن الاقتصادي من حركة النهضة.

يطرح الشيخ أسامة الرفاعي مفهومه للدولة الإسلامية بكونها الدولة التي تقيم شرع الله ودولة الخلافة، مركزاً على الصفات الدينية في الخليفة، جاعلاً ممن ينادون بالحريات والعدالة منادين بـ(دولة مسلمين) لا (دولة إسلام)، في خطاب يخالفه فيه أكثر السياسيين من أبناء الحركات الإسلامية السنيّة، وأولها الإخوان المسلمون التي استعار مفهومه من طروحاتها الأولى المبكرة،

إنه خطاب يركز في مفهوم (الخليفة والخلافة) على أصل غير متفق عليه لآلية الإمامة بين الإسلاميين المعاصرين، و لم تعد تنادي به حركاتهم السياسية، ويركز في تحكيم الشريعة على أصل عام متفق عليه بينهم، لكنه لا يراعي اختلاف الإسلاميين معه ومع بعضهم في مختلف مدارسهم السياسية المشرقية والمغربية في تفاصيله، عبر استعمالهم لفقه الاستطاعة، والتدرج، والأصول الشرعية التي تراعي التيسير حين المشقة بما لا ينزع عن جهدهم وصفه بـ (الإسلامي)، فينزع وصف (إسلامية الدولة) عمن لا يحكّم الشريعة، بصيغة يُفهمُ منها نزع هذا الوصف عن كل من يجتهد مسدداً ومقارباً في هذا الأصل بتأويل واجتهاد، وبخطاب ينفي إسلامية الدولة عمن ينادي بالحقوق الدنيوية في إقامة العدل ورفع الظلم والمناداة بالحريات فقط، وكونها أمراً دنيوياً رغم مراعاتها لحفظ دين الشعب.

هذا الخطاب لن يشكل مظلة جامعة للتيارات الاجتماعية والسياسية ذات المرجعية الإسلامية التي لا ترى رأيه في كون الإمامة من مباحث العقيدة، بل من مباحث الفقه الاجتهادي المعاصر، إذا كان حريصاً على أن يكون المجلس الإسلامي مظلة جامعة لها، فضلاً عن المغاير غير الإسلامي من أبناء المكون الوطني.

وهو خطاب يفتقر إلى الواقعية الضرورية لمشروع عملي، ولإمكانية تضمينه للأبعاد السياسية والقانونية والفلسفية المؤسسة للدولة الحديثة، إسلامية كانت أو غير إسلامية، هذه الأبعاد الضرورية لأي حزب يمارس السياسة في عالم اليوم، خاصة إذا وضعنا بالاعتبار اعتماد الإسلام السياسي اليوم في تفاصيل فكر الدولة الإسلامية على الاجتهاد البشري، والتراكم الحضاري لآليات الحكم الرشيد، إذ يرى مجتهدوه أن الشارع الحكيم سكت عن أغلب تفاصيل أحكام الدولة وآلياتها وطرائقها لإفساح المجال أمام الاجتهاد البشري، مركزاً فقط على القيم المؤسِّسة؛ من شورى وعدالة وحرية، القيم ذاتها التي جعل الشيخ أغلبها قيماً غير كافية لإسلامية الدولة!

أفكار لن يجد نفسه فيها إلا منتمٍ لداعش أو للحركات السلفية الجهادية العبثية التي أرهقت بفقهها وبممارساتها الأمة وخربت عليها دولها ومشاريعها وثوراتها وسعيها لنيل حريتها وكرامتها.

خطاب لن يستطيع وضعه في إطار التنفيذ، لا حزب إسلامي شمولي لو وجد (بعد أن انتهى زمن الشمولية)، ولا حزب إسلامي تخصصي، فضلاً عن أن يجتمع عليه عاملون للإسلام متعددو المشاريع والرؤى والتخصصات في زمن التخصص.

وفي الوقت الذي تراجع الحركات السياسية الإسلامية فكرها في وقت شديد السيولة والسرعة بشكل يحتم استمرارية المراجعة، وفي الوقت الذي كنا نتمنى فيه أن تحظى الحركات السورية بقفزة تنظيرية تقفز بها إلى الأمام لتعوض تأخرها عن الركب بفعل التصحر السياسي الذي فرض عليها، يأتي هذا الخطاب ليعيدها إلى مرحلة بداية تلمس الطريق التي تجاوزتها الحركات الإسلامية منذ زمن بعيد؛

خطاب يركز على الدين فقط في الوقت الذي يغفل الدنيا التي هي عصمة الدين وحارسته في السياسة، قدّمها سيدنا عمر بن الخطاب على تنفيذ الشريعة والحدود عام الرمادة؛ فأوقف حد السرقة لما جاع المسلمون، فهل صارت دولته لاإسلامية بهذا؟

وهل كانت دول الإسلام العظيمة الأيوبية أو العثمانية التي ذكرها الشيخ (إسلامية) عندما كان حكامها العظام يورِّثون أبناءهم الدولة كما يورث المتاع؟

الحق أن الدول ليست (أبيض) أو (أسود) في كونها إسلامية أو لا، تقترب من الإسلام بقدر اقترابها من قيم الحكم الدنيوي والديني الراشد، من دون تخيل طغيان لأحدهما على الآخر، فليس صلاح الدنيا فساداً للدين إلا بمقدار ما يبتعد عن كونه خادماً له، فلا تصارع بينهما، ونعم التطور المادي الصالح للدولة الرشيدة الصالحة، ولعل النروج اليوم مثلاً أكثر اقتراباً من روح النموذج الإسلامي السياسي من تركيا كجهاز دولة وكحكومة في نظام حكمها الرشيد (لا كشعب مسلم ولا كمواقف سياسية لحزبها الحاكم من قضايا المسلمين)، وقد اتفقتا على علمانية الدولة وعدم تحكيم الشريعة، هذا إذا أردنا أن نقيّم نظمها النظرية ودساتيرها وآليات حكمها بمعزل عن مواقفها.

قال الشيخ راشد الغنوشي: إن الناس يحتاجون اليوم للإصلاح الاقتصادي، لا لمن يعظهم وهم جائعون.

وقال أبو طلحة الأنصاري يوم مات عمر:

ما من بيت من بيوت المسلمين إلا دخل عليه النقص في دينه ودنياه يوم مات عمر.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

تونس | الناطق باسم الحماية المدنية: ارتفاع حصيلة الفيضانات إلى 5 وفيات وفقدان شخصين