ملابسات التوحّش

من القسط الإقرار بأنّ شروط الواقع هي التي أنتجت التوحش، وليست النصوص الدينية، ولا شيخ الإسلام ابن تيمية.

الجمعة، 13-02-2015 الساعة 11:01


ما إن ينجح فيلم الرعب في ترويع مشاهديه حتى يحضر اسم المخرج معلناً الختام. يغيب هتشكوك هذه المرة ليظهر عالم من علماء الإسلام، الذي يتم إلصاق الفظائع به ونسبتها إليه بعد قرون من وفاته.

ماذا لو تمت أعمال الرعب هذه قبل أربعين سنة؟ حسناً، قد يكون المخرج وقتها هو ماركس أو لينين، أو حتى غيفارا. ولو كان ما نحن فيه قبل سبعين سنة أو ثمانين، لربما سيظهر رمز قومي قديم على الأرجح إلى جانب صور قائد من نمط هتلر وموسوليني.

وفي هذا كله ما يفتح عيوننا على أنّ موجة التوحش التي نشهدها ليست ظاهرة إسلامية، بل حصيلة تفاعلات سياسية واجتماعية واقتصادية ومزيج من الإحباطات والتطلعات. وكثير من الشباب لم يجد فرصته سوى مع جماعات العنف الميداني التي تتقن الترويع، لتحقيق الذات والاستقلالية، والتمرد والاستعلاء على المجتمع، وبغية نحت نموذجه أو صياغة مشروعه الحالم في المجال العام.

من يجرؤ على الاعتراف بأنّ الظواهر التي تعلو منها الشكاوى هي نتاج الواقع المباشر، وعنه انبثقت؟ وإن بدت كفيلم تاريخي متقن يستبطن السعي إلى استحضار مشروعية دينية أو علمية للمسلك. ذلك أنّ ظواهر العنف المسلح لم تعثر على لافتات اليسار أو شعارات القومية أو مقولات الاستعلاء العرقي التي تهاوت تباعاً، فما بقي لها سوى التذرع بمرجعية إسلامية عبر تركيب النصوص مع الصور كما يطيب لها، ومباشرة هواية حمل الرايات القديمة على ظهور عربات الدفع الرباعي.

لم يعد خافياً أنّ واقع العرب والمسلمين يحفل باختلالات جسيمة ويفيض ببواعث القنوط ومبررات الرفض ومحفزات الثورة. وهذا ما حذرت منه دراسات وتقارير سبقت في العقد الماضي، دعت إلى إصلاحات عاجلة لتنفيس الاحتقان القادم في المنطقة، وكانت منها الوثيقة الغربية المسماة بالشرق الأوسط الكبير. لم تأت الإصلاحات، بل تم سد النوافذ بإحكام حتى الاختناق، خشية تسلل نسائم الحرية في ربيع العرب.

من القسط الإقرار بأنّ شروط الواقع هي التي أنتجت التوحش، وليست النصوص الدينية، ولا شيخ الإسلام ابن تيمية.

ولو ظهر تنظيم "الدولة" قبل أربعين سنة لكان اسمه الألوية الحمراء مثلاً، أو نضال الشعب، أو كفاح ثوار البروليتاريا، وسيعلن انتصاره للأممية الاشتراكية غافلاً عن لافتة الخلافة. ومن لم يصدِّق فليفتح ملفات الماضي وصولاً إلى إدارة التوحش لدى "الخمير الحمر" في كمبوديا مثلاً، الذين يُنسب إلى تجربتهم ما يزيد على المليون ونصف المليون قتيل.

ولو ظهر تنظيم "الدولة" قبل ثمانين سنة لتموضع على الأرجح ضمن أطياف الحركة الفاشية أو الحركة القومية المتطرفة، الطامحة إلى إقامة امبراطورية التفوق العرقي، التي ستسعى لإقامة دولة كبرى، وسيصوغ أدبياته بنبش التاريخ القديم وأساطيره، واختلاق هوية تفترض التجانس العرقي بين مكوناتها، وسيعمل على التعامل مع المكوِّنات الأخرى بمنطق "الحل النهائي". كان سيتم تركيب وقائع التاريخ وأساطيره في هذه الحالة، بما يحقق المشروعية التبريرية للمسار.

ولو ظهر تنظيم "الدولة" قبل قرن أو قرنين لكان قد سعى لاكتشاف الفردوس الأرضي في مكان ما ساعياً إلى إقامة وطن قومي، مشفوعاً بالاستعلاء الثقافي والقول بامتياز لون البشرة على ما عداه، ومستحضراً مهمة تاريخية ملقاة على عاتقه تبيح له فرض نموذجه على الآخرين واستغلال مواردهم وتقمص تجربة الاستعمار. وكان سيتم تحميل الثقافة أو اللغة أو لون البشرة ما لا تحتمله من المسؤولية عن هذا السلوك الذي لن يعجز أيضاً عن صياغة فنونه في التوحش.

دون التخلي عن ضرورة الترشيد الديني؛ يجدر التحذير من مجاراة جماعات العنف المسلح في تصديق نسبة نهج التوحش إلى النصوص التي تتذرّع بها، وغض النظر عن الواقع الذي أنتج هذه الظاهرة الدموية بشروطه المعروفة، والذي يدفع بمزيد من الظواهر كطوابير المندفعين للغرق في أعماق المتوسط.

ودون إغفال من يرونها فرصتهم السانحة لتصفية حسابات دينية وثقافية وفكرية وتاريخية؛ ينبغي الاعتراف بأنّ بعضهم يستسهل محاكمة النص ومساءلة التاريخ ومطاردة "شيخ الإسلام"، خشية الاقتراب من مصالح الوالغين في تحضير شروط الواقع المباشر أو مناقشة الضالعين في تحفيز الظواهر التي يعلو التنديد بها.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة