ملابسات فشل مشروع القرار العربي بشأن القدس في مجلس الأمن

الدول دائمة العضوية في الأمم المتحدة لا يمكن منعها من حقها في التصويت بمجرد جعلها طرفاً في نزاع.

الجمعة، 05-01-2018 الساعة 12:56


لا شك في أن قضية الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمةً لإسرائيل، في السادس من شهر ديسمبر 2017م، كان لها تبعات وتفاعلات كثيرة ولا تزال. ولكن، ما أثار الكاتب للكتابة في هذا الموضوع، هو تباين واضح في آراء وتحليلات يسوقها البعض وفقاً للقانون الدولي وصلت لحد التناقض أحياناً، وربما يرجع ذلك لأحد سببين: إما الكتابة المتسرعة وإما التأثر بالآراء السياسية.

والذي دفعني لكتابة هذه السطور هو قضية لاقت صدىً إعلامياً لدى الجمهور العربي من الادعاء بأن النظام المصري قد تعمَّد ألا يذكر اسم الولايات المتحدة أو الرئيس ترلمب في مشروع القرار العربي الذي قدَّمته مصر نيابةً عن المجموعة العربية، يوم 18 ديسمبر 2017م، والذي أدى -بحسب رأيهم- إلى إضاعة فرصة كبيرة لأخذ قرار من مجلس الأمن بإدانة القرار الأمريكي، وذلك -بحسب تحليلهم- بأنه لو تم ذكر اسم الولايات المتحدة الأمريكية لما استطاعت أن تستخدم حق النقض (الفيتو) بوجه مشروع القرار، واتهموا نظام السيسي بأنه قدَّم خدمة مجانية لترامب.

والسؤال هنا، بحسب القانون الدولي (وبعيداً عن السياسة): هل فعلاً لو تم ذكر اسم الولايات المتحدة أو الرئيس ترامب، فسيكون ذلك سبباً في منع الولايات المتحدة من التصويت؛ ومن ثم تجنُّب "الفيتو" الذي أبطل مشروع القرار؟

دليل المدّعين:

استند أصحاب ذلك الزعم إلى نص المادة الـ(27) الفقرة (3) من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنص على:

"تصْدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى كافة بموافقة أصوات تسعة من أعضائه، يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة، بشرط أنه في القرارات المتخذة تطبيقاً لأحكام الفصل السادس والفقرة (3) من المادة (52) يمتنع من كان طرفاً في النزاع عن التصويت".

تفنيد دليل المدعين:

وللأسف، تم تفسير هذا النص بتسرُّع ودون روّية ودون الرجوع إلى المعمول به في القرارات الدولية السابقة الصادرة عن مجلس الأمن.

1-بادئ ذي بدء، فالقضية الفلسطينية تندرج تحت الفصل السابع في مجلس الأمن، وهذا أمر معروف للمختصين.

2- ان الفصل السادس يختص بحل المنازعات سلمياً؛ أي بالمفاوضة والتحقيق والوساطة والتوثيق والتحكيم والتسوية القضائية وغير ذلك.

في جميع مواد الفصل السادس، وهي المواد من (33 إلى 38)، فإن ما يقوم به مجلس الأمن هو توصيات وليس قرارات، وهذا يختلف عن تدخُّل مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع، الذي له الحق بأكثر من التوصيات من قبيل اتخاذ التدابير اللازمة، كما في المواد (39، 40) "... يقدم توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبق الأحكام المادتين (41، 42) ...".

3- أما الفقرة الـ(3) من المادة الـ(52)، فهي تنص على ما يلي: "على مجلس الأمن أن يشجع على الاستكثار من الحل السلمي لهذه المنازعات المحلية"؛ أي إن المادة تتناول موضوعات لها طابع الحل بالطرق السلمية (وليس طرق الإكراه)، ما يعني أن الحلول المذكورة تندرج تحت الفصل السادس، وهي التي ينطبق عليها امتناع أي عضو طرف في النزاع عن التصويت.

ثلاثة أدلة على بطلان استدلالهم:

1- يبين التفنيد أعلاه، وكذا المعمول به في مجلس الأمن، أن القضية الفلسطينية لا تندرج لا تحت الفصل السادس ولا تحت البند الـ(3) من المادة الـ(52)؛ بل تحت الفصل السابع.

2- وهناك دليل ثانٍ: وهو الرجوع ضمن السياق التاريخي لقرارات مجلس الأمن الخاصة بالقضية الفلسطينية منذ الأربعينيات، فليس هناك أي قرار تم منع إحدى الدول دائمة العضوية عن التصويت، لورود اسمها في مشروع قرار.

3- والدليل الثالث: هو المنطق السليم، فلو صح ذلك الادعاء لكان من السهل تجنُّب "الفيتو" الأمريكي في كل مرة بحشر اسم الولايات المتحدة كطرف داعم بالسلاح والمال مثلاً لدولة الاحتلال؛ ومن ثم نضمن منعها من التصويت ونزع حقها من استخدام "الفيتو"، وهذا لم يحصل لا في القضية الفلسطينية ولا في غيرها، ولكان كل من أراد منع إحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن من حقها في استخدام "الفيتو" فقط بذكر اسمها في مشروع القرار، والادعاء عليها، وجعلها طرفاً في النزاع. ولكن هذا لم يحدث مطلقاً في أي مسألة من المسائل التي تندرج تحت الفصل السابع، فيما اطلع عليه الباحث.

الخلاصة:

وخلاصة القول في المسألة الأولى: إن القول بأنه كان يمكن منع الولايات المتحدة عن التصويت لو تم ذكر اسمها في مشروع القرار هو قول غير صحيح، وبُني على فهم خاطئ ومتسرع لنص يعالج مسائل مغايرة، وعليه فالدول دائمة العضوية في الأمم المتحدة لا يمكن منعها من حقها في التصويت بمجرد جعلها طرفاً في نزاع بأية مسألة من المسائل المدرجة تحت الفصل السابع، والتي منها القضية الفلسطينية.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة