مليشيات إيران أخطر من قنبلتها النووية

العالم العربي يعاني من المليشيات الشيعية الإيرانية، وهي حقيقة، والنووي "افتراضي" وقد يكون مشروعاً وهمياً.

الاثنين، 27-07-2015 الساعة 11:14


جهّز العالم كل ترسانته الإعلامية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية لمواجهة قنبلة إيرانية نووية افتراضية، وبذل الكثير من الوقت والمال من أجل اتفاق قيل أنه منع صناعة هذه القنبلة النووية الافتراضية.

لكن هذا العالم لم يستعمل الوسائل العسكرية التي استعملها ضد العراق، الذي تمّ تفتيش حتى غرف نوم الرئيس صدام حسين وشيطنته على مدار سنوات، وضرب عليه الحصار الاقتصادي الوحشي، وفي النهاية تمّ غزوه واحتلاله ثم تقديمه على طبق من ذهب إلى إيران التي يتحاور معها الآن، وقيل حينها إنهم لم يعثروا على الكيماوي الافتراضي الذي ارتكبت لأجله أمريكا جرائم حرب وإبادة من دون حسيب ولا رقيب.

الدول العظمى شغلت العالم بنووي إيراني افتراضي بعدما دمرت العراق من أجل كيماوي افتراضي ظهر بعد الاحتلال أنه مجرد كذبة كبرى لم تحاسب عليها إدارة بوش ولا الولايات المتحدة، ولكن بقي مكتوف الأيادي أمام كيماوي حقيقي في سوريا يستعمله بشار الأسد ضد الشعب السوري، وقتل في عدة مرات الآلاف من المدنيين، بينهم الأطفال الرضّع.

العالم يتفرج أيضاً على مليشيات إيران وهي تمارس المجازر في حق العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين، وهكذا فإن مليشيات الشيعة هي حقيقة ثابتة وقائمة، وقتلت مئات الآلاف من المواطنين، في حين أن النووي مجرد مشروع افتراضي بالغت إيران في شأنه وصفق لها الغرب من أجل تحقيق غاياتها في التمدد بالمنطقة وتحويلها إلى شرطي على العرب والمسلمين، وهو المشروع الذي بدأ تنفيذه باحتلال بغداد من طرف المحافظين الجدد.

لقد خاضت أمريكا حرباً على أفغانستان والعراق، وخاضت فرنسا حرباً في مالي، وتوحّدت القوى الغربية في عدة دول وجبهات لمواجهة ما تسميه بالإرهاب الذي تمارسه القاعدة ومشتقاتها، لكن هذه القوى نفسها لم تتحرّك عسكرياً ضد مليشيا شيعية واحدة، رغم أن الإرهاب الذي تمارسه فاق كل التخيلات.

لماذا ينشغل العالم بنووي افتراضي في إيران ويتعامى عمّا هو أخطر في سوريا والعراق وغيرهما؟

إن الدور التخريبي الذي أوكل لإيران وتنفذه بامتياز، هو ما تريده "إسرائيل" التي من مبادئها في تحقيق دولتها التي تمتد من الفرات إلى النيل، هو تدمير الدول العربية وتخريب كياناتها وتمزيق جيوشها، وتحويلها إلى مجرد كنتونات ودول مقسّمة ومتصارعة فيما بينها على أسس عرقية ودينية ومذهبية وطائفية وعشائرية وقبلية، وهو الذي تحقق في سوريا، حيث تنزف الدماء في صراع حوله النظام إلى طائفي، والأمر نفسه بالنسبة للعراق واليمن، والأمر سيتمدد إلى الخليج العربي وحتى إلى دول المغرب العربي الكبير.

العالم العربي يعاني من المليشيات الشيعية الإيرانية، وهي حقيقة يراها كل البشر في أرض الواقع تمارس القتل والنهب والتدمير، أما النووي فهو افتراضي وقد يكون مشروعاً وهمياً لدرجة ما، وسيتحوّل إلى حقيقة بالدعم الغربي في ظل الاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع الدول الغربية.

"حزب الله" وعشرات المليشيات الأخرى، تقاتل في سوريا وتشنّ حرباً طائفية قذرة على الشعب السوري. و"الحشد الشعبي" يمارس الدور نفسه في العراق. الحوثيون في اليمن عبثوا بأمنه واستقراره وشرعية سلطته، وفي كل هذه الدول نجد الجنرال قاسم سليماني بحرسه الثوري يطير مثل "السوبرمان" إلى هنا وهناك، يمارس القتل والإرهاب، وها هو بفضل الاتفاق النووي لن يطلبه أحد، بل سيرفع عنه الحصار، وسيتحول إلى ممارسة إرهابه بطريقة "شرعية" ومعلنة تحت الرعاية الغربية.

بلا أدنى شك أن حصول إيران على النووي هو خطر على العرب جميعاً، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، التي تعتبر غاية كل ملالي إيران. كما أن دخولها للنادي النووي مع الكبار سيعطيها دورها الكبير في الهيمنة على الدول العربية، ولكن هذا الأمر لن تمنحه لها قنبلتها النووية، فهي تمارس ذلك من خلال مليشياتها الشيعية التي هي إرهابية، وبينها المدرجة في قوائم الإرهاب العالمي.

لقد هب الغرب لمواجهة قنبلة افتراضية قد لا تتحقق مستقبلاً، في حين نراه يغضّ الطرف عن قنابل حقيقية تفجّرها إيران في سوريا عبر البراميل المتفجرة التي تمزق أجساد الأطفال وتقطع رؤوسهم، أو الصواريخ الباليستية التي تدمر القرى والمدن على رؤوس المدنيين، بل حتى الكيماوي نفسه الذي ما زال يستعمله بشار الأسد وقتل به آلاف السوريين.

بخصوص البراميل المتفجرة التي صناعتها لا تحتاج إلى مخابر ولا تخصيب ولا مفاعلات تحت الأرض، بل إن جندياً بسيطاً قد يصنع عشرات البراميل التي تأتي على الأخضر واليابس في أي مكان تسقط عليه، نذكر فقط على سبيل الاستدلال أنه في 14 يوماً فقط تمّ إلقاء 1050 برميلاً وصاروخاً على الزبداني من طرف بشار الأسد وحليفه حسن نصرالله، أي ما يعادل 300 ألف كغ من مادة TNT. أما في يوم عيد الفطر المبارك فقد قتل 123 مدنياً، بينهم 48 طفلاً وامرأة بسبب البراميل المتفجرة طبعاً، أغلبهم في حلب وريف دمشق ودرعا وإدلب.

ومنذ أكتوبر/تشرين الثاني 2012 إلى غاية مارس/آذار 2015 شنّ نظام الأسد 5150 غارة بالبراميل المتفجرة، سقط فيها أكثر من 12 ألف ضحية، 96 بالمئة من المدنيين، بينهم 1892 طفلاً و1720 امرأة، حسب تقرير حقوقي دولي.

يحدث ذلك، والعالم المرعوب من القنبلة النووية الافتراضية يتفرج على وحشية حقيقية لم يسبق لها، إن لم يكن يدعمها تحت الستار.

الكيماوي الذي يقتل به نظام بشار الأسد الإيراني السوريين حيث تجاوز عدد ضحاياه 1700 مواطن، هو نفسه الذي دمرت أمريكا العراق من أجله، وهو كان مجرد معلومات افتراضية غير موثقة بأدنى أدلة، رغم بعثات التفتيش الدولية، في حين أن المفتشين الدوليين التابعين للأمم المتحدة أثبتوا بالدليل استعمال هذا السلاح في مجازر الغوطة وغيرها.

لماذا الكيل بمكيالين؟

هل كيماوي بشار الأسد الحقيقي حلال وكيماوي صدام حسين الافتراضي حرام؟

لماذا لم يتحرك العالم ضد كيماوي بشار الحقيقي الذي هو في يد ملالي طهران، بلا شك، بدل إشغال المجتمع الدولي بنووي إيراني افتراضي؟

قد يقول البعض إن أمريكا اعتبرت من تجربتها في العراق، وإن الرئيس أوباما ينتهج النهج السلمي في معالجة هذه الملفات، فترى لماذا تحرك عسكرياً ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف اختصاراً بـ "داعش"، رغم أن تهديده لأمن أمريكا افتراضي، في حين لا يزال يتجاهل نظام الأسد رغم أنه تجاوز الخطوط الأوبامية الحمراء، بل يقف وراء صناعة قوة تنظيمات متشدّدة؟

الحقيقة واضحة للعيان؛ إن ما تقوم به إيران في المنطقة هو هوى القوى الكبرى وعلى رأسها أمريكا، ولذلك يدللون الملالي إلى منتهى الدلال، في حين أن الضحايا من أهل السنّة لا بواكي لهم، وعليهم الصمت والسكوت دائماً، وإن توجّعوا من إرهاب إيران ورفعوا السلاح للدفاع عن أنفسهم فسيتهمون بالإرهاب الدولي، وستدكّ ملاجئهم طائرات الغرب الحربية.

إن كانت إيران تهدّد أمن العالم بصناعة قنبلة نووية، فهل يا ترى بمليشياتها التي تمارس شتى أنواع الجرائم ضد الإنسانية لا تهدد السلم العالمي وفق ميثاق الأمم المتحدة؟

هناك مشروع إعادة رسم خريطة المنطقة وفق ما يخدم الكيان العبري ومشروع دولة تمتد من الفرات إلى النيل، والتي لن تكون آمنة إلا بوجود مشروع آخر موازٍ وغير معادٍ، يتكامل مع الصهيونية في معاداة العرق العربي، ولقد وجد الغرب المتصهين ضالته في الصفوية التي تحلم بدولة تمتد من طهران إلى وهران الجزائرية.

إن كان النووي هو ما سيهدّد القوى العظمى مستقبلاً، إن نجحت إيران في صناعة قنبلتها الذرية، فإن المليشيات الإرهابية هي التي تبيد الوطن العربي وتنزف بسببها دماء ملايين الضحايا من العرب والمسلمين، ولهذا من حق الغرب أن يحمي مستقبل أجياله من الأخطار الافتراضية، وفي الوقت نفسه من حق العرب أن يواجهوا الأخطار الحقيقية القائمة على مرأى الجميع.

السوريون الذي يقتلون بالكيماوي وتُبيدهم مليشيات إيران، لا يهمّهم الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب، بقدر ما يهمّهم من يحميهم من هذه المليشيات الطائفية المتوحشة، التي رغم أن بعضها مدرج في قوائم الإرهاب، تلقى الرعاية الدولية بطرق مختلفة للأسف الشديد.

الأمر نفسه بالنسبة للعراقيين واليمنيين واللبنانيين والأحوازيين والبلوش، وكل ضحايا التمدد الإيراني الصفوي، لذلك لو تتاح لهم الفرصة فأغلبهم سيبصقون – أكرمكم الله - في وجه البيت الأبيض، وكل من يحجّ إليه أو يتمسح بجدرانه على حساب القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية التي ترفسها إيران تحت أقدامها بدعم من قوى تدعي أنها عظمى وصارت أصغر من حفاظة أطفال الغوطة والحولة والفلوجة وغيرهم.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة