منابع القوى: الأوليغاركية

سأبدأ عزيزي القارئ هذا الأسبوع بالكتابة عن موضوع لطالما كان من المواضيع الأكاديمية المثيرة لاهتمامي.

الثلاثاء، 04-11-2014 الساعة 11:45


سأبدأ عزيزي القارئ هذا الأسبوع بالكتابة عن موضوع لطالما كان من المواضيع الأكاديمية المثيرة لاهتمامي، لكونه يشكل البوابة الفعلية التي ندخل من خلالها إلى عالم القوى السياسية في العالم من حولنا، وخاصةً بعد التطورات السياسية والأمنية الأخيرة في المنطقة.

وأبدأ هذه السلسلة من "منابع القوى" بنظام الأوليغاركية في الحكم، والأوليغاركية كلمة لاتينية ترجع بجذورها إلى الإغريقية من كلمة أليغوس أو القلة، وفي الإسلام يُعرفون بالملأ، كما قال المولى عز وجل في كتابه الحكيم: "قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ"، وتعرف الأوليغاركية عملياً اليوم "بحكم النخبة"، وهي من الأنماط الاستبدادية في الحكم، إلا أنها من أكثرها فعالية، لكونها تجعل من الملأ أو النخبة أو علية القوم المسيطرين، لكونهم بطبيعة موقعهم الأكثر ملاءمة في نظر العامة للقيادة.

وكما فسر أرسطو، فإن فئة الأوليغاركية لا تجمعهم بالضرورة صلة الدم أو المال، وإن السلطة في حد ذاتها تكون المبدأ الأساسي لاستبدادهم وتمسكهم بالسلطة والحكم، ولربما أفضل نموذج لحكم النخبة على مر العصور هو "حكم العسكر" في دول العسكرتاريا أو "الجونتا".

ومصر اليوم ومنذ الثورة على الملكية نراها نظاماً أوليغاركياً واضحاً، ولكن ربما تكون أشهر النظم الأوليغاركية في العصر الحديث هو النظام في روسيا ومنذ الثورة البلشفية وحتى اليوم، فقد كانت هذه النخبة تسيطر بشكل واضح في الماضي، ولا تزال النخبة الروسية اليوم تسيطر خلف الكواليس على الدمى الورقية المتتالية على كرسي الرئاسة في روسيا ولعقود -كما يرى البعض- من بعد وفاة ستالين إلى يومنا هذا.

وقد ذكرت مجلة فوربس الأمريكية أسماء ستة وثلاثين روسياً يشكلون النواة الرئيسية للنخبة الروسية، ويسيطرون على قرابة نصف الثروة الروسية.

وقد يرى البعض الآخر أن مبدأ الأوليغاركية لا يقتصر على الاستبداد السياسي، وإنما يمكن أن يجتمع في وجود الديمقراطية، ونجد في الولايات المتحدة الأمريكية مثالاً حياً على نوعٍ من أنواع الأوليغاركية في تحكم نخبة من الشعب الأمريكي في مقدرات ثلاثمئة مليون مواطن أمريكي.

وقد ذكر الكاتب والباحث الأمريكي جيفري وينترز بأن أمريكا تمتاز "بأوليغاركية مدنية" تكونت في أوائل القرن العشرين استغلت القصور المتواجد في النظام الديمقراطي لإبراز وتفعيل دور النخبة، ومن أبرز إنجازات تلك النخبة على مر القرن الماضي هو صنع المناخ الضريبي المساند للنخبة والمعطل لباقي فئات الشعب، ولتفعيل دور جمعيات ومكاتب "الضغط والإقناع" أو ما يعرف باللوبيات لتسيير دفة السياسة الأمريكية لمصلحة فئات النخبة ومن معهم.

الرأي الأخير... لقد كانت وما زالت الأوليغاركية من أخطر نظم الحكم المستبد في العالم، لقدرتها على التحول والتأقلم مع الأجواء السياسية المختلفة مثل الديمقراطية، ولكن يظل العلم والثقافة أكبر أعداء هذا النظام كما يظل المال أكبر أسلحته. (سيظل مبدأ النخبة هو "دع التفكير لنا")، إلى اللقاء في رأي آخر.

العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة