منبج في معادلة درع الفرات والتدخلات الخارجية

أعلنت أمريكا، يوم الخميس 9 مارس/ آذار الجاري، أنها ستدعم قوات سوريا الديمقراطية في عملية تحرير الرقة.

الثلاثاء، 14-03-2017 الساعة 08:33


لم تنجح السياسة التركية في مفاوضاتها السياسة والعسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية في إبعاد القوات الكردية عن معركة تحرير الرقة، فقد أعلنت أمريكا، يوم الخميس 9 مارس/ آذار الجاري، أنها ستدعم قوات سوريا الديمقراطية في عملية تحرير الرقة، وسمحت لقوات سوريا الديمقراطية برفع العلم الأمريكي على مواقعها وآلياتها العسكرية في منبج، وأمَّنت روسيا وصول قوات لنظام الأسد إلى مواقع في منبج للحيلولة دون تمكين الجيش السوري الحر من ضمها للمنطقة الآمنة شمال سوريا وغرب الفرات كما هي الخطة الاستراتيجية لعملية درع الفرات، التي ينفذها الجيش السوري الحر بدعم عسكري وسياسي تركي.

لقد بدأت أمريكا بالفعل بإرسال قوات من المارينز الأمريكي لشمال سوريا للمشاركة في عملية تحرير الرقة، ولكنها اختارت التعاون مع الأحزاب الكردية على التعاون مع القوات التركية، لا محبة بالأحزاب الكردية، وإنما لأن الأحزاب الكردية ستكون أداة طيعة تحت الأوامر الأمريكية أولاً، ولأن أمريكا تريدها أداة أخرى لتقسيم سوريا ثانياً، ولتجعل من أراضي الكيان الكردي- إن نجحت في ذلك- قاعدة عسكرية كبرى للجيش الأمريكي في سوريا الفيدرالية، وحيث إن الجهود التركية كانت منصبة من قبل على غرب الفرات، فإن المفاوضات التركية الأخيرة لا بد أن تكون قد انصبّت على منبج، ومن ثم فإن من المرجح أن يكون تحرير منبج من نصيب الجيش السوري الحر بدعم تركي، وتفاهم روسي وأمريكي، على الرغم مما يواجه ذلك من صعاب، وكأن أمريكا تريد مقابل منبج موافقة تركيا على ترك شرق الفرات للأحزاب الكردية، فإن لم توافق تركيا على ذلك سياسياً لم تعمل عملاً عسكرياً لمنع ذلك، وإلا فإن الاصطدام التركي الأمريكي هو الأرجح في الأيام القادمة.

لقد أكملت تركيا، بسيطرة الجيش السوري الحر على مدينة الباب، القسم الأكبر من عملية درع الفرات، ولكنها لن تكتمل حتى تشمل منبج، لأنها في وحدة جغرافية وديموغرافية واحدة بالنسبة لسكان سوريا من العرب السنة، وهذا الأمر ينطبق على الرقة، ولكن منبج ضرورية جداً لإكمال المنطقة الآمنة غربي الفرات، ولذلك فقد وضعت الباب ضمن الرؤية التركية للمنطقة الآمنة بدعم تركي وتفاهم دولي، أي مع أمريكا وروسيا، والمستند القانوني هو أن تبقى هذه المدن تحت حكم أهلها من الجيش السوري الحر والمعارضة السورية والمجالس المحلية للسكان الأصليين، وأن تشمل منبج، ولو بعد تحرير الرقة فيما لو كانت أمريكا تشترط ذلك مرحلياً.

اقرأ أيضاً:

الثقة المهتزّة بين تركيا وروسيا في سوريا

ولكن، ومنذ أن أعلن الرئيس التركي أردوغان أن من أهداف درع الفرات تحرير الباب ومنبج والرقة، عملت أكثر من جهة دولية، ومن ضمنها قوات الأسد، على عرقلة ذلك، وجرى تسليم العديد من القرى الجنوبية من الباب من أيدي داعش إلى قوات الأسد دون قتال، وبذلك وضعت قوات الأسد يدها على بلدة تادف في جنوب الباب، فضلاً عن قرى جب السلطان وجب الخفي ومشيرفة شرقي الباب، والهدف سيطرة جيش الأسد على التواصل الجغرافي مع قوات سوريا الديمقراطية في محيط منبج ومعظم ريفها في شمال شرقي الباب، وهذا يؤكد التنسيق المسبق بين هذه القوات مع قوات الأسد مع داعش، فأصبح التماس الآن بين قوات الأسد مع الجيش السوري الحر في هذه المناطق، ومن ثم لا يوجد حالياً أي تماس مباشر بين الجيش الحر وتنظيم الدولة في الرقة، وبهذه السيطرة فرضت قوات الأسد والمليشيات الشيعية الداعمة له سيطرتها على الطريق الواصل بين الباب ومحافظة الرقة الشمالية، وتمكنت قوات الأسد من بلوغ مشارف منبج، وكأن الهدف إعاقة تقدم قوات الجيش السوري الحر نحو منبج أيضاً، ولكن الأرجح أن مؤتمر القمة العسكري بين تركيا وأمريكا وروسيا، يومي 7و8 مارس/ آذار الجاري، في أنطاليا جنوب تركيا قد تناول وضع منبج، ووضع لها الخطط بحيث لا يقع عليها قتال بين القوات التي على صلة وطيدة مع أمريكا وروسيا، وأن تؤخذ الرؤية التركية في منبج ضمن ذلك، وهي تقوم على جعل السكان الأصليين في منبج هم من يتولون حكمها وحمايتها، ومن ثم تكون المنطقة الآمنة التي تحققها تركيا هي غرب الفرات، ولو في المرحلة الأولى فقط.

وهذا إن تم على هذا النحو فإن ذلك لا يعني إطلاقاً أن تركيا على استعداد أن توافق على الخطة الأمريكية لتسليم الرقة للأحزاب الكردية الإرهابية والانفصالية، فتركيا لا تثق إلا بالخطوات العملية لأمريكا، وليس بالتصريحات أو الوعود الكلامية، التي يسهل عليها نقضها كما في منبج نفسها، وكذلك بعد أن تراجع البنتاغون عن عدم علمه المسبق عن الاتفاقية التي أبرمتها روسيا بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات الأسد لتقاسم السيطرة على مواقع في مدينة منبج، فقد أدت هذه الاتفاقية لسيطرة قوات الأسد على مشارف مدينة "منبج"، بهدف قطع الطريق أمام الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا لدخول منبج.

اقرأ أيضاً:

آفاق التعاون التركي السعودي عسكرياً

لا شك أن منبج كانت إحدى القضايا المهمة في مؤتمر القمة لقيادة الأركان العسكرية لتركيا وروسيا وأمريكا في أنطاليا التركية قبل أيام، وأن الواقع القادم سوف يبين خفايا ذلك الاتفاق، ولذا فإن التحرك التركي نحو منبج قادم لا محالة، ولكنه لا بد أن يذلل الصعاب، كما فعل في تحرير الباب، وإن تأخر بضعة أشهر، فتركيا نفسها لا تسعى لتصعيد عسكري وخسائر بشرية كما حرصت في الباب أيضاً، وتسعى لإقناع الأطراف الدولية الكبرى بأن غرب الفرات خطوط حمراء فعلاً للأمن القومي التركي أولاً، وليس من مصلحة أمريكا ولا روسيا معاكسة الرؤية التركية غرب الفرات، وبالأخص أن أمريكا كانت قد قطعت على نفسها العهود لتركيا بسحب القوات الكردية من منبج بعد تحريرها من تنظيم الدولة قبل ستة أشهر، فإذا كانت أمريكا وروسيا تسعيان لتقاسم النفوذ في سوريا بعد مجيء ترامب، فإن السياسة التركية لن تتهاون في رؤيتها غرب الفرات أيضاً، فتركيا لا تسعى لتقاسم نفوذ مع روسيا وأمريكا في سوريا، ولا مع إيران أيضاً، لأن السياسة التركية ليست سياسة توسعية، وإنما هي سياسة دفاعية أولاً، وفي نفس الوقت لا تستطع أن تغمض عينها عن الخطر القادم من تقسيم سوريا على أمنها القومي، ولذلك لن تسمح إطلاقاً بإقامة كيان كردي جنوب تركيا، وإذا أصرت أمريكا على إقامة هذا الكيان ومعها روسيا فإن السلاح التركي يستند إلى الإرادة الشعبية السورية التي سوف تقاتل ضد التقسيم أولاً، وضد انفصال جزء من أراضيه للمحتلين الأجانب، ولو اضطروا إلى مقاتلة الكيان الانفصالي لسنوات طويلة.

إن السياسة التركية، وهي تتطلع إلى تأمين حدودها الجنوبية، وفي سوريا تحديداً، تدرك أنها أمام تحديات داخلية كبيرة، ومنها إنجاح الاستفتاء في الشهر القادم أولاً، وإن ذلك يحملها تحديات دولية كما هو واضح في مواجهتها للأعمال العدائية والعنصرية من قبل بعض المسؤولين في ألمانيا وهولندا والنمسا، فهذه صعوبات تحد من قدرة السياسة التركية على دعم نزاعات مسلحة بين الجيش السوري الحر والأحزاب الكردية التي تسيطر على منبج، وبالأخص أن روسيا لم تعلن عن موقف داعم للسياسة التركية والمنطقة الآمنة غرب الفرات، كما أن مفهوم ترامب للمنطقة الآمنة لا يزال غامضاً، لذا فإن السياسة التركية مطالبة حالياً بالبحث عن أفضل السبل لتحرير منبج وبالاتفاق السياسي أولاً، حتى لو تأخر ذلك لما بعد الاستفتاء الشعبي بتاريخ 16 أبريل/نيسان القادم، فالقبول بالأمر الواقع هو قبول مؤقت يمكن الاستفادة منه باستعداد الجيش السوري الحر بدرجة أكبر أيضاً، فإما أن يأتي التوافق السياسي مع أمريكا وروسيا أولاً، أو أن يكون الاستعداد العسكري للجيش السوري الحر صاحب القرار الحاسم لتحرير منبج.

إن ترجيح الخيار السياسي لتحرير منبج في هذه المرحلة الزمنية يتطلب تأييداً عربياً وخليجياً كبيراً لوجهة النظر التركية، ليس دعماً للأمن القومي التركي فقط، وإنما دعماً للأمن القومي العربي، الذي يوجب عليه منع إقامة كيان سياسي كردي يفصل بين الدول العربية وتركيا شمال سوريا، لأن إقامة حاجز جغرافي بين تركيا والدول العربية مختلف في قوميته ومغتصب لأراض عربية، هو خسارة كبرى للأمة العربية والتركية معاً، وهذا يتطلب أن تمنع الدول العربية والخليجية اقتطاع أراض من سوريا لإقامة كيان انفصالي عليها للأكراد أو لغيرهم، فإذا لم يكن ثقلها السياسي والاقتصادي بقادر على التأثير في القرار الأمريكي بتقسيم سوريا، فلا أقل من أن تدعم الرؤية التركية لغرب الفرات التي تحفظ جزءاً من الأراضي السورية بأيدي أهلها من السكان السوريين الأصليين، من ضمنها مدينة مبنج أيضاً، فالكيان الكردي الذي تخطط أمريكا وروسيا لإقامته سيكون مرتبطاً أمنياً وعسكرياً بدولة "سوريا المفيدة"، التي ستحفظ نفوذاً إيرانياً وطائفياً في سوريا يهدد الأمن القومي العربي والخليجي أيضاً، فأمريكا وإن عملت على تحجيم النفوذ الإيراني، كما يدعي الرئيس الأمريكي ترامب، لن تستغني عنه فزاعة خوف وإرهاب في المنطقة.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة