منجزات العام الأول لداعش

أكبر أهداف الحروب التي تعمل أمريكا على استدامتها أن العالم أنفق في العام الماضي 14 ترليون دولار على التسلح.

الأحد، 21-06-2015 الساعة 11:14


مرّ عام منذ أن سيطرت قوات تنظيم "داعش" وإعلانها الدولة الإسلامية على محافظة الموصل والعديد من المدن العراقية وامتدادها في سوريا، ومنذ ذلك التاريخ عقدت المؤتمرات الدولية في جدة وباريس وواشنطن وغيرها للبحث عن كيفية مواجهته، من قِبل الدول المتفقة على أنه تنظيم إرهابي وتسعى للقضاء عليه في العراق وسوريا وغيرها من الدول، وعقدت الأحلاف العسكرية والسياسية الدولية لتنفيذ الخطط الأمريكية في العمليات العسكرية لقوات التحالف الدولي الذي ضم أكثر من ستين دولة غربية وعربية وإسلامية، ولكن وبعد عام ما الذي تم إنجازه وتحقيقه من هذه المؤتمرات والتحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية؟

صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية وقيادتها العسكرية والسياسية قالت إن معركتها مع "الدولة الإسلامية" ستحتاج لثلاث سنوات للقضاء عليها، ولكن وبعد مرور العام الأول من المفترض توقع إنجاز ثلث النصر الذي تعد بها القيادة العسكرية والسياسية الأمريكية على أقل تقدير، وهو ما لا يصدقه الواقع، فلماذا سارت الأمور والمعارك في العام الأول على ذلك النحو؟ وما هي مواقف الدول المشاركة في هذه الحروب مباشرة، ومنها؛ إيران والعراق والولايات المتحدة الأمريكية والأكراد، والدول غير المباشرة للحرب ولكنها طرفاً فيها مثل تركيا.

إن الواقع يثبت أن ما حصل من نتائج هي عكس الأهداف المعلنة عند نشوء المعارك، فالسيطرة على الموصل وشمال العراق امتدت إلى السيطرة على الرمادي والأنبار، والسيطرة على الرقة السورية امتدت إلى التواجد في معظم الأراضي السورية، فضلا عن شمال لبنان، وفي معظمها هي أراضي ومدن وقرى عربية سنية، بينما لم يتمكن من السيطرة على مدينة أو قرية شيعية، أو منطقة لا تسمح القوى الطائفية في ايران والعراق وسوريا ولبنان له بالسيطرة عليها، مثل بغداد أو كركوك أو عين العرب كوباني، والأغرب من ذلك أن التهم التي وجهت إلى حكومة نوري المالكي الطائفية في حزيران عام 2014 بتسهيل سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل وغيرها من المحافظات العراقية لم تستطع الحكومة العراقية نفيها، والأدلة الواقعية شاهد على أن كتائب جيش الأسد تسلم لداعش الأراضي التي تنوي الإنسحاب منها، مما أثار موجة من التهم على وجود تعاون وتنسيق بين محور ايران الطائفي مع تنظيم داعش.

ولعل السيطرة على مصفاة بيجي العراقية والانسحاب منها من تنظيم داعش لأكثر من خمسة مرات متوالية وخلال العام الأول يشير إلى أن هناك تبادل أدوار ومصالح نفطية ومالية بين الطرفين، وبعض التحليلات تذكر أن الحكومة العراقية تدفع مليارات من الدولارات الأمريكية لداعش من إجل إنسحابها من بعض المناطق ثم إعادة احتلالها، ومنها مدينة تكريت.

هذه المعلومات وما كررته التصريحات الإيرانية وقولها من أنها حذرت داعش بعدم الاقتراب من حدوها من مسافة أربعين كيلومتر يؤكد التعاون بين داعش وطهران وأدواتها في العراق وسوريا، والبعض يذهب إلى أن هذا التعاون بدأ منذ عام 2001 بعد أن احتلت أمريكا أفغانستان، أي قبل أن تنشق داعش عن تنظيم القاعدة الذي كان يرأسه أسامة بن لادن بسنوات، وقبل الاختلاف على جمع سوريا إلى الدولة الإسلامية في العراق في بداية الثورة السورية، ثم اضطرار أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة إلى الفصل بين تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، بما يمكن تفسير على وجه آخر، بأنه انشقاق تنظيم داعش عن تنظيم القاعدة لأسباب قد تكون المخابرات الإيرانية والدولية أحد أدواتها وصناعها، فضلاً عن ظروف وطموحات عديدة لدى القيادات الجهادية تسعى للاستئثار بها دون غيرها.

هذه التحليلات قد تساعد تفسير العديد من القضايا، من أهمها نتائج ومنجزات تنظيم داعش بعد عام واحد، فلا نتائج تذكر سوى مزيد من الحروب وعدم الاستقرار في المنطقة، وبالأخص في العراق وسوريا ولبنان واليمن حتى الآن، بل إن وصول تنظيم داعش إلى اليمن بعد نشوب الحرب الطائفية التي يشنها الحوثيون على الشعب اليمني إشكالية أخرى أو لغز آخر، فهو يصب في نفس التحليل الذي يثبت وجود معادلة مصالح متقاربة حينا ومتعارضة أحيانًا أخرى بين مشاريع الدولة الإيرانية الطائفية التوسعية وبين مشاريع داعش في التوسع الجغرافي أو التوسع المالي وغيرهما.

هذه التحالفات الإيرانية الداعشية ربما أفقدت أحياناً القيادة العسكرية الأمريكية قدرتها على تفسير الأمور أيضاً، فلا يوجد حرصٌ ولا سعيٌ ولا رغبة لدى الجيش العراقي في محاربة الدولة الإسلامية داعش في العراق مهما تم تزويده بالسلاح والمال والعتاد، وكلما تم التخطيط الأمريكي الإيراني على شن معركة على الدولة الإسلامية في أماكن تواجدها في العراق، وجدت أمريكا الانسحاب السريع للجنود العراقيين الرسميين والمليشيات الطائفية، حتى نشبت الخلافات والتهم بين القادة الأمريكيين والإيرانيين وأتباعهم العراقيين على أعلى المستويات، فوزير الدفاع الأمريكي يتهم الجنود العراقيين بأنهم لا يريدون القتال ولا توجد لديهم روح قتالية، بينما يتهم الجنرال مهدي العامري قائد ميليشيات بدر وميليشيات الحشد الشعبي التي أنشأها المرجع المذهبي السيستاني، بأن قوات التحالف الدولي وبالأخص القوات الأمريكية لا تقوم بعمل أي شيء في صدِّ هجومات داعش، وهو أمر نفاه وندّد به الموقف الأمريكي، وكرّر تهمه للمليشيات العراقية بأنها غير جادة بمقاتلة داعش، ولعلّ هذا السبب الذي يمكن وصفه بالتآمري حيَّر المراجع المذهبية الشيعية من أمثال السيستاني وجعله يفتي بتشكيل ميليشيات طائفية ظناً منه أنها ستكون أكثر قدرة على مقالتة تنظيم داعش، ولكن دون جدوى، طالما أن ميليشيات الحشد الشعبي من نفس الطينة الطائفية التي تعيش بروح الطائفية المذهبية أولاً، وتحيا بعقلية ومشاعر الأقلية الخائفة، في محيط عام تعتقد بأنها لا تنتمي إليه دينياً ولا سياسياً ولا قومياً، وقد أغلقت على نفسها الانتماء االديني على الشعارات الطائفية والأحزان والمآتم والزيارات للمراقد والقبور واستغلال المناسبات التاريخية للملاطم والمسيرات الشعبية المذهبية الطائفية فقط.

فإذا كانت هذه الحروب الطائفية هي منجزات العام الأول في الحرب على "الدولة الإسلامية"، ومنها تبادل الاتهامات الأمريكية والعراقية في التقصير عن محاربة داعش، وفي نفس الوقت العمل على ترسيخ الانقسامات الحاصلة في المنطقة، وترسيخ الواقع الذي نشأ في العاشر من حزيران من عام 2014 والموافق الأول من رمضان من العام الماضي هو الهدف بحد ذاته، بغض النظر عن الجهة الرئيسة التي صنعت هذه التركيبة الجيوعسكرية أكثر منها جيوسياسية، إن كانت أمريكا أو ايران أو القيادات العربية السنية وبقايا البعث، فهذه الأطراف مشاركة في صناعة الواقع الجيوعسكري الجديد، الهدف منه أن تدفع الأطراف المتصارعة إلى طلب التقسيم في العراق وسوريا بنفسها، لأن التقسيم لو فرضته القوات الأمريكية عند احتلالها للعراق عام 2003، وقد لا تستطيع، ولو استطاعت فإنه سيبقى مشروعاً احتلالياً استعماريا، بينما إذا شكل كل طرف جيشه وقواته وميليشياته وخاض معارك ضارية من أجل الاحتفاظ بالجغرافيا والمحافظات والمدن والقرى التي بين يديه، فإنه سوف يعتبر نفسه قد خاض حروب التحرير والاستقلال عن القوات المعادية له ولجيشه وشعبه، وبذلك يصبح التقسيم مكسباً لكل مكون مذهبي او طائفي أو قومي في العراق وسوريا، ولعل هذه الخطة الأمريكية والايرانية والاسرائيلية كانت أحد أهداف احتلال العراق عام 2003، بعد ان اعلن صدام حسين اهدافه بإيجاد قيادة إقليمية تحرق نصف اسرائيل وتصد الغزو الفارسي، فكان لا بد من مواجهة ذلك بتقسيم العراق لإضعافه وتعجيزه عن القيام بتلك الأهداف الصدامية، والتي وجدت فيها بعض الدول العربية تهديدا لمصالحها أيضاً.

في هذه القراءة يمكن تفسير الموقف التركي من الحرب على الدولة الإسلامية داعش، بأن الأراضي التركية غير مهددة من هذه المعارك، وبالتالي فإن الجيش التركي لن يتحرك خارج حدوده لمحاربة أحد هذه الأطراف كما صرح بذلك وزير الدفاع التركي مسعود يلماز من وقت مبكر، ولكن االرؤية التركية هي الجمع بين أسباب هذه المشاكل والحروب مع ما وقع في هذه المنطقة من تطورات عسكرية وسياسية ومنها وجود داعش على الساحة العسكرية والسياسية، فالسبب من وجهة نظر تركية عجز محور إيران ودوله الطائفية في إيران والعراق وسوريا ولبنان من حل مشاكلها إلا بعقلية طائفية، وبواسطة استخدام القوة العسكرية المفرطة، التي ثبت فشلها في حل هذه المشاكل. وكذلك يمكن تفسير مجريات الأمور في شمال سوريا مع الأكراد، بعد ان تم ترتيب بعض معالمه مع أكراد العراق في إقليم كردستان، حيث يتم صناعة كيان مشابه له في سوريا، مع بقائهما منفصلين في الحاضر والمستقبل، بل قد يتم العمل على صناعة الحروب بينهما، أي بين الكيان الكردي العراقي والكيان الكردي السوري، ولو في مرحلة لاحقة، لأن من أكبر أهداف هذه الحروب التي تعمل أمريكا على استدامتها لسنوات وربما لعقود قادمة هو أن العالم أنفق في العام الماضي 2014 أربعة عشر ترليون دولار على التسلح، كانت الحصة الأكبر هي لدول الشرق الأوسط، وكانت المصانع الأمريكية صاحبة الحصة الأوفر في توفير فرص عمل للشباب الأمريكي، وتحقيق أكبر قدر من الأرباح في سوقي السلاح والأدوية، إضافة لتخفيض أسعار النفط، لتخفيض الكلفة وفرض متاعب مالية أكبر على من يعارض هذه الاستراتيجية.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة