منطق الثورات: إذا لم يكن من الموت بد.. فمن العجز أن تموت جباناً

تخطئ الثورات إذ تنتظر من السواد الأعظم المبادرة، فمن لا حول له ولا قوة عاجز عن قيادة نفسه أساساً.

الثلاثاء، 06-10-2015 الساعة 09:34


عندما يبلغ تيه بني إسرائيل في الصحراء أربعين عاماً، وشراذم بني يعرب على موائد اللئام ستين عاماً ونيف، فاعلم أن في النفوس من الجبن والفساد ما منع الأول من مواجهة جيش جَالُوت، والثاني من مواجهة ما جنته يداه عاقبة ذله وهوانه على الناس.

كيف لا وقد استمرأت النفوس عبودية فرعون مصر وأحفاده من متفرعنين اليوم الصغار أجيالا، ليدفع الأبناء من المجازر والمحارق ما لا يغسل ذل وهوان الآباء.

لم ينته تيه بني إسرائيل بصلاح الأكثرية بل بثبات القلة المؤمنة التي جاءت قلة من قلة من قلة لم تكن ذلك الجيل الذي رضع العبودية أيام فرعون، لأن الأربعين عاما كانت جد كافية لاستبدال الأذلاء بمن هم أكثر جرأة.

ما جرى لبني إسرائيل درس لأولئك الثائرين الطامحين في تغيير المجتمعات، تلخصه مشاهد متتابعة من سورة البقرة: "فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فهزموهم بإذن الله" إلى آخر الآيات.

من القلة الأولى -التي ضمت المترددين أمام امتحان المواجهة- انبثقت قلة ثانية نجحت في امتحان الصبر على العطش، وما لبثذأن انبثق من هذه القلة المترددة الموقنة بهزيمتها -مسبقا- قلة ثالثة أعدّت العدة وتوكلت على ربها بعدما كسرت حاجز الخوف والجبن في أعماقها لتقهر الطاغية.

يقود الثورات -في بادئ الأمر- صفوة من الثائرين وهم قلة من قلة من قلة، يشكلون نواة الثورة الصلبة التي يلتف حولها المؤمنون بها -وهم بدورهم قلة-، يليهم الجبناء الخائفون من التغيير -رغم حتميته برأيهم نظراً لفساد الأحوال- وهم أكثر عددا، ثم أخيرا غثاء القوم ينحازون للأقوى بعدما يحمى الوطيس وتنجلي الرؤية وهم السواد الأعظم، ومنهم يصعد الانتهازيون على الأكتاف ليتصدروا المشهد لاحقا -ما لم تتوفر للثورة من عوامل التحصين والمناعة الذاتية ما يصون سلامة المسار-.

تخطئ الثورات إذ تنتظر من السواد الأعظم المبادرة، فمن لا حول له ولا قوة عاجز عن قيادة نفسه أساساً -ناهيك عن قيادة مجتمع بأسره-.

ويخطئ مخططو الثورات حين يتجاوز رهانهم على عامل الوقت متطلبات الإعداد والتجهيز وكشف عورات الواقع بما يقنع الشارع بانعدام بديل مقارعة جَالُوت اليوم قبل الغد.

إن تبرير النكوص والتأجيل بأعذار إنضاج تحول السواد الأعظم من المجتمع إلى حاضنة شعبية للثورة، أمر يناقض الحقائق الأزلية، لأن مثل هذا التحول مكانه ما سيأتي من موجات العمل الثوري التي تبرهن قوتها وصمودها على جدارتها في انحياز السواد الأعظم لها لاحقاً".

صحيح أن واقع ما قبل الربيع العربي قدم أوراق الاعتماد بالفشل تام في كل ملف من ملفات الدولة والمجتمع بصيغ الماضي والحاضر والمستقبل معاً، لكن الأصح أن الثورة المضادة -للربيع العربي- قدمت أوراق اعتمادها بفشل أنكى تطرفا وأشد كارثية فيكل ما سبق ويأتي. يشهد على ذلك انقطاع دورة حبل الكذب -وما أقصرها- بوعود بمستقبل أفضل تنقلب إلى نقيضها بسرعة. باختصار لم يعد لدى الثورة المضادة كي تقدمه لمن سار في ركابها -كأهل انقلاب 30 يونيو بمصر- سوى مزيد من الإمعان في التنكيل بهم وتفقيرهم ونهبهم وقتل شبابهم وأحلامهم، لتمسي فريضة الثورة فرض عين لا فرض كفاية.

إن كان الحرص على حياة العبودية والذل هو ما يلجم الأكثرية عن الوقوف بوجه الاستبداد والقهر، فإن إنسان مجتمعات القهر والاستبداد مُعرّض للقتل في كلتا الحالتين:

- إن قعد عن الثورة فهو قتيل لأن استسلامه يفتح شهية السفاح المتعطش للدم، للإمعان في سفك المزيد من الدم.

- وإن ثار فهو مُعرٌض للقتل ولكن بدرجة أقل لأن السفاح في واقع الأمر جبان، ترتعد أوصاله حين يبصر يرى فشل استبداده في إرهاب ضحيته، فتغدو ثورة الضحية مقدمة لسقوط طاغية وإعلاناً مؤجلاً بنهايته.

إن الثورة والانتفاض هما لُب الحياة، وإن الاستسلام والخنوع هما زؤام الموت. وإن الموتى بسيف الطاغية في ظل الاستسلام، أكثر عدداً بكثير ممن يسقطون دفاعا عن مبدأهم في ظل الانتفاض، وشتان شتان ما بين ثائر وذليل:

إذا لم يكن من الموت بد .. فمن العجز أن تموت جبانا

وإن ما بُني على الوعي الإيمان يتبعه إقدام بعقلية اقتحام: "قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين"، (المائدة:23).

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة