منطلق الصراع مع الصهيونية والصفوية

أنور مالك: أنصار رجال الدين اليهود صاروا يشكّلون الأغلبية في "الدولة" العبرية، بسبب انتشار دعواتهم الدموية.

الاثنين، 10-08-2015 الساعة 17:03


(من جاء ليقتلك بكّر فأقتله) هكذا تحدث التلمود، ولا يزال يهمس في قلوب وآذان اليهود منذ قرون طويلة، وهكذا يردد حاخامات الكيان الصهيوني المتعطشون لدماء غيرهم ممّن يرونهم مجرد مشاريع مبكّرة لقتلهم.

الحاخامات يسيطرون بشكل كامل على الحكم والدولة الصهيونية، فلا وزير أو جنرال أو رئيس حزب أو عضو كنيست أو سفير يمكنه أن يتجاوز فعلياً ومن حيث المبدأ والمرجعية الدينية، فتاوى شموئيل إلياهو التي تدعو إلى إبادة العرب تقرباً لذلك الرب الذي أوحى لهم في أحد نصوصهم.

(يقف القمر معاتباً للرب قائلاً: لماذا خلقتني أصغر من الشمس؟ ويكررها حتى يبكي الرب ويجمع الملائكة قائلاً لهم: كيف أكفر عن خطيئتي في حق القمر؟ فتقول الملائكة: أكرم اليهود، فيقول لهم: هم شعبي المختار، فتقول الملائكة: أكرم اليهود، فيقول: هم أسياد البشر، فيقولون له: أكرم اليهود، فيقول: هم أبنائي لا إثم عليهم في الدنيا والآخرة يفعلون ما يريدون).

أنصار رجال الدين اليهود صاروا يشكّلون الأغلبية في "الدولة" العبرية؛ بسبب انتشار دعواتهم الدموية وسط شبابهم الذين يعانون من أزمات نفسية وعقدية واجتماعية وأخلاقية. وكذلك بسبب التكاثر الذي تشهده عوائلهم والراجع إلى أمر مقدس بينهم (كن خصباً وكثير النسل)، مقابل نقص الخصوبة لدى العلمانيين اليهود ومن يواليهم.

المتأمل في الفتاوى اليهودية سيجدها تدعو إلى القتل ومن دون أدنى اعتبار ولا احترام لأي قانون أو دين آخر أو حتى إنسانية، والمعيار المهم في كل ذلك هو الحفاظ على حياة اليهودي التي لا تقدر بثمن، ولو كان ذلك يؤدي إلى قتل ملايين الأطفال من غير اليهود.

لهذا فحرب الصهاينة على غزّة في كل مرة تأتي في إطار الاستجابة لذلك النص التلمودي الذي افتتحنا به مقالنا، ونهبهم للأموال والممتلكات هو خضوع لنص آخر حيث ينقلون في كتبهم حديثاً لموسى بن ميمون: (ما يفقده الجوييم من أموال من حقك، ولو أعدته فقد ارتكبت ذنباً لا يغتفر)، والجوييم هم بقية الناس من غير اليهود الذين خلقوا لخدمة شعب الله المختار بحسب معتقداتهم.

بل أن الحاخامات يفتون بتحريم السلام مع العرب، وأن الأرض التي انسحبوا منها – مثل غزة والجنوب اللبناني وسيناء - يجب أن ترجع إليهم لأن في ذلك خيانة للرب لا يمكن أن تغتفر إلا بالعودة.

ويرون أيضاً أن الأطفال العرب هم تلك المشاريع "الإرهابية" التي وجب نسفها قبل فوات الأوان، وكل جندي صهيوني يتردد في ذلك الفعل بينه وبين نفسه فقط، فهو ضحية وساوس شيطانية يجب عليه طردها فوراً حتى لا تثنيه عن إنجاز مهمته المقدسة !

في منظورهم العقدي فإن الحرب التي تجري مع العرب هي حرب دينية مقدسة...دماء اليهود مقدسة...الأرض مقدسة...كل شيء في صالحهم مقدس ولا يوجد مقدس سواه، وما دونهم فهم عبيدهم الذين ليس لهم الحق في الحياة والتنفس.

هذه بعض الرؤية المختصرة جداً عمّا يتمّ تداوله بين حاخامات اليهود من معتقدات دينية، وهذه طبيعة حربهم على غزة وغيرها.

ما يجري ليس بصراع سياسي أو عسكري بحت كما يخيّل للبعض، بل هي حرب دينية ترسم أبعادها الروحية في المعابد وينفّذها عسكريون ومسؤولون مقتنعون أن غضب رجال الدين من غضب الإله، وأن سخطهم هو الموت بعينه. حتى أن رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق آرييل شارون يردّد دائماً في كل خطبه أحد النصوص التلمودية: (لو نسيتك يا أورشليم...تقطع يميني).

فهل من الممكن أن يُهزم المتدين الذي يرى حربه مقدسة تمليها عليه نصوص مقتنع لحد الهوس والجنون أنها من إلهه الذي يعبده، من طرف آخر لا يملك سوى الشعارات الفارغة والطنّانة والرنانة؟

هل من الممكن تحقيق سلام مع طرف يرى أن العرب ليسوا آدميين وقتلهم هو تطهير للأرض منهم؟

هل من الممكن ردع جندي يبطش ويجهز على الأطفال لأنهم مشاريع "إرهابية"، عن طريق مفاوضات ومبادرات سياسية أو قوانين صدرت في جنيف أو اتفاقات ثنائية وقعت في شرم الشيخ أو كامب ديفيد؟

هل من الممكن الانتصار على جيش يتحرّك بقوة عسكرية رهيبة ومعتقدات تلمودية دموية مرعبة، بجيوش عربية تحوّلت ثكناتهم إلى أسوار للفساد والدعارة والمثلية الجنسية والسرقة والمخدرات والنصب والاحتيال، ولا يذكر الله القليل منهم إلا مع كوابيس النوم؟

هل يمكن تحقيق نصر بجيوش عربية صارت تبطش بالعرب لخدمة أجندات سياسية أو أطماع جنرالات انقلابيين ورؤساء في الحكم، وتقترف المجازر تلو الأخرى بما لا يمكن تخيّله، حتى صار المواطن العربي يذكر بخير إنسانية الجيش الصهيوني؟

هل من الممكن الوقوف في وجه جيش ينطلق جنوده من فتاوى حاخاماتهم الذين يلوون نصوص التلمود بحسب أهوائهم وبما يدغدغ مشاريعهم الدينية، ومن طرف من يساندهم الراقصون والراقصات؟

هل من الممكن أن يحرّر بيت المقدس من طرف محمود عباس الذي يرى تدين حماس شرّاً على الفلسطينيين، في حين أن نتنياهو لا يتجرأ ولو في غرفة نومه على تجاوز تلك الخطوط التي رسمها له الحاخامات؟

هل يمكن أن يتحقق السلام العالمي وتتعايش الشعوب ورحى السياسة الدولية تدور حول أمن "إسرائيل" التي يتحكم في دواليبها من يرى قتل الآخرين واجباً دينياً مقدّساً؟

إن ما يجري في غزّة كل مرة، ليس عدواناً من طرف دولة على أخرى، ولا هو بسبب الصراع على ريع الحكم بين حماس وفتح، ولا هو وجه آخر لحرب بين الأنظمة الموالية والأخرى المتمردة، ولا هي حملة عسكرية صهيونية من أجل القضاء على صواريخ القسّام وجنود المقاومة.

إن ما يجري في غزة دائماً هي حرب الحاخامات على العرب والمسلمين. هي حرب نظّر لها رجال دين وأفتوا بقداستها..

فترى هل من الممكن أن يتراجع هؤلاء عن البطش بغزّة أو غيرها عن طريق الدموع والمسيرات، والحاخامات يشحذون سكاكين التكفير الديني والتحقير العرقي لكل من سيتجرأ على تجاوز فتاويهم ولو أثناء قضاء الحاجة في بيوت الخلاء؟

هل من الممكن أن يعودوا من حيث أتوا عن طريق اتصالات هاتفية يجريها رئيس عربي مع البيت الأبيض أو غيره؟

هل من الممكن أن نحمي أطفال غزّة ونساءها والمتحرش بشرب دمهم من أولئك الذين استفتوا الحاخامات قبل أن يمتطوا دباباتهم ويتقلدوا أسلحتهم؟

هل من المعقول أن تثبت المقاومة في الداخل وهي محاصرة ما بين محتل يطوق حدودها، ونظام عربي يغلق عليها المعابر، وفلسطينيين في الداخل وتحت الجحيم بينهم من يحمل مقاومتهم مسؤولية الحرب والدمار؟

من يتخيّل بأن ما جرى في غزة لن يتكرر عليها أو على غيرها فهو واهم. ومن يزعم أن الصهاينة يمكن أن يستجيبوا للسلام فهو مخبول. ومن يعتقد أنه من الممكن قيام دولة فلسطينية وبقربها أخرى صهيونية فهو غبي. ومن يفكر في تحرير بيت المقدس عن طريق المجتمع الدولي أو بمشاريع إيران فهو جاهل. ومن يظنّ أن الصهاينة قد يتنازلون عن حلم الفرات والنيل فهو أحمق. ومن يحلم أن حكام العرب قد يعتبرون فهو مغرر به. ومن يتمنّى أن لا تطاله نبال الصهاينة ومهما كان موقعه فهو خائب. ومن يتوهم أن النصر على التلموديين برقص "هيفاء" أو غنج "نانسي" فيستحق الموت بالفوسفور الأبيض!

إن الحقائق التاريخية والعلوم البشرية ومنطق زوال الإمبراطوريات وبنائها أكد على أن حروب رجال الدين والعقائد لا تهزمها حروب رجال النهود والوسائد. لأن المحارب الذي يستمد قوته الروحية من نصوص يراها آتية من السماء، ومن قوة أزلية يراها ببصره وبصيرته أنها تؤيده، لا يمكن أن تتصدّى له بمحارب يخرج لأجل عيون أنثى يعشقها، أو غنيمة يرغب في حمايتها، أو امتيازات يبتغي تحصيلها.

الحروب الصليبية خرجت من الكنائس ورعاها القسيسون والرهبان، والفتوحات الإسلامية صنعت في المساجد وقادها الأئمة والعلماء، وحتى الحروب القديمة التي عرفتها البشرية كان يقودها رجال الدين، فمن يرى حربه على الآخر قدستها ديانته، سينتصر حتماً على من لا يراها سوى مهمة فرضتها الظروف وأملتها أوامر القادة المغضوب عليهم في الغالب.

إن الصهاينة يهاجمون العرب والمسلمين والتلمود في قلوبهم وفوق رؤوسهم وفي جيوب بذلاتهم العسكرية، بل يرافقهم كما هو حال الرشاش والذخيرة، ومن يريد مقاومتهم يجب أن يكون لديه إلى جانب السلاح ماهو أقوى من تلمودهم وفتاوى حاخاماتهم.

فترى هل هي معاهدة كامب ديفيد؟

هل هو القانون الداخلي لحركة أو حزب ما؟

هل هو دستور الحكم الذاتي؟

هل هي خطابات الرئيس الراحل ياسر عرفات أو محمود عباس؟

هل هي دساتير ومراسيم الحكومات والملوك والرؤساء العرب؟

هل هي فتاوى السيستاني ورجال قم والنجف؟

هل هي الشرعية الدولية والقانون الدولي؟

للنصر طريق واضحة بينة لا يمكن تجاهلها أو القفز والتدليس عليها، ويجب أن يتجلى فيها ركنان أساسيان:

- العقيدة ومن ينصر الله ولو برباط الخيل ينصره، فهل نصر العرب والمسلمون الله في أنفسهم وأوطانهم؟

– القوة العسكرية، فهل لنا من العتاد والسلاح ما يحقق ذلك؟

أخيراً وليس آخراً:

إن الحرب الآن عقدية وستزداد أكثر وأكثر مع مرور الوقت لأنها سنة الله في خلقه، فترى ماذا أعددتم لها أيها المسلمون؟ هل سنهزم أبناء التلمود بالقبلات ومص الخدود؟

هل سنتحرر من مخططات وبروتوكولات الصهاينة التي رسموها منذ عهد طويل ولا يزالون ينفذونها بحذافيرها، ونسبة لا يستهان بها من الشعوب العربية – حكاماً ومحكومين - صارت تنتظر تصريحات الراقصة الفلانية عن شائعة علاقتها الغرامية مع الراقص العلاني؟

بالطبع لا يمكن أن يأتي النصر مع هذا الحال البائس الذي ذكرنا، وبقدر ما نحتاج للتغيير على مستوى الأنظمة الحاكمة فإننا في أمس الحاجة أيضاً لبناء ذواتنا من جديد وفق مقاربات تتماشى مع قيمنا الإسلامية المثلى، ودون الإصلاح العميق والتغيير الراشد سيبقى العرب يحرثون في المستنقعات، ويتنقلون بين واحد قذر لآخر أقذر وإلى أجل غير مسمى.

ما قلناه عن الصهيونية ينطبق تماماً على الصفوية فهما وجهان لعملة واحدة، ونجد الحاخام يتطابق مع المعمم في الكراهية الدينية للمسلمين، والحاكم في تل أبيب يلتقي مع نظيره بطهران في الحقد على العرب، وهو ما سنتحدث عنه قريباً بإذن الله.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة