من حيث انتهوا.. !

توهتنا البلاغة وأهلكتنا الفصاحة وعصفت بنا رياح الخطباء وأرهقنا التشدق وأرقنا الادعاء وغربنا التقليد.

الأحد، 07-12-2014 الساعة 20:04


خلال زيارتي الأخيرة له قبل وفاته، ذهلت لحجم المعرفة التي يختزلها فكره، ولغزارة المعلومات التاريخية التي يعرفها، ولذاكرته النقية يرحمه الله.

قلت لـ"جَدّي" - الذي تجاوز عمره المئة عام: لِمَ لم تحدثني من قبل بمثل هذه المواضيع وهذا الهطول؟ قال: لأنك لم تك ناضجاً بما فيه الكفاية لتعي ما كنت سأقوله لك! .. تركني، وعاد إلى مذياعه الصغير وأخذ يقلب بيدين مرتعشتين مفتاح المحطات باحثاً عن خبر جديد يطمئنه على حال "الفلوجة" .. وما أدراك ما الفلوجة!

خرجت من مزرعته وأنا أسخر من نفسي ومما علمتني إياه حقبة الدكتوراه من معرفة، وأدركت أن الحكمة خير عظيم، يمكننا أن نصل بها إلى ما لا يمكن الوصول إليه .. فالخبرة، ومعاركة التجارب، والتحلي بخليقة الصبر، والإنصات العميق، والحلم والتأني، مفاتيح أخرى قد تساعد على عبور الكثير من مغالق هذه الدنيا .. غريبة الأطوار.

حدثني عن الحرب العالمية وعن ويلاتها وعمّا أفضت إليه، وعن "بريطانيا" العجوز الوقورة وعن مخططاتها القريبة والبعيدة جداً، وعن أبنائها وبناتها، وعن كان وأخواتها، وعن سذاجة العرب، وعن منشأ الجهل وعلة الفقر، وعن "الملح" و"القمح"، وعن مفهوم التعلق "بالقشة"، وعن تشكل هذا العالم القديم، الذي يبدو حديثاً .. وعن طفولتي الشقية في حواري "النبك" أو قريات الملح.

ببساطة متناهية وخلال وقت قصير جداً وعلى صوت رشفات فنجان القهوة الحارة، تعلمت الكثير .. كنت أصغي إليه وهو يحدثني عن أحداث كانت تبدو معروفة بالنسبة لي، أو هكذا كنت أزعم، لكنني اكتشفت بأنني كنت أسمعها لأول مرة .. فقد كان الحديث مباشراً من القلب إلى القلب .. بلا جناس ولا طباق ولا حشو ولا فلسفة .. ولا ما يحزنون.

لقد توهتنا البلاغة، وأهلكتنا الفصاحة، وعصفت بنا رياح الخطباء، وأرهقنا التشدق، وأرقنا الادعاء، وغربنا التقليد .. المكتبات العربية تعج بمواهب وأدب من أمهات وعمات الكتب، التي تتحدث عن الأخلاق، وعن التجديد، وعن السلام .. وعن وعن.

ما إن تبدأ بقراءة أحد تلك الكتب حتى تأخذك لغة التقعير و"التفصحن" إلى مقدمات لا تنتهي، وتذييلات لا تنضب، لتجد نفسك بعد سويعات قد استنفذت كل ما لديك من طاقة، دون أن تصل إلى ما يحرضك على التغيير أو حتى على التفكير!

توجه إليك الدعوة لحضور منتدى فكري في السودان أو محاضرة في اليمن أو أمسية في لبنان .. تذهب إلى هناك .. لتعود "فقط" بشيء من الفول السوداني، أو البن اليمني، أو الحلوى اللبنانية .. إضافة إلى مجموعة من الصور التذكارية، وقصاصات تحمل أرقاماً هاتفية سرعان ما تجد طريقها إلى سلة المهملات!

نحن بحاجة إلى لغة أقصر .. وإلى بداية أخرى من حيث انتهى الآخرون.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة