من سيردّ على نتنياهو؟

يكشف الإسراف الإسرائيلي في الغمز واللمز ما بلغته الحال العربية، التي لا يبدو في عواصمها من يستشعر أنه معنيّ بالردّ، أو حتى رفع سمّاعة الهاتف لإبلاغ موقف متماسك

الأحد، 24-08-2014 الساعة 09:33


عندما يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أنّ الدول العربية لا تقف مع فلسطين في المعركة؛ فإنّ ما يريد قوله أنها تساند الاحتلال في عدوانه على مليوني فلسطيني في قطاع غزة.

لا يَصعُب اكتشاف المغزى الذي يريده بنيامين نتنياهو، وهو العالق في أزمته الميدانية ومأزقه الإعلامي. فرسالته المُستهلَكة أنّ خياره العدواني صائب تماماً، بدليل انحياز الرسمية العربية في معظمها إليه. ويتضافر هذا المعنى مع تصريحات مماثلة لأركان الحكومة الإسرائيلية، تمارس الوشاية على دول عربية بالقول إنها تقف في خندقها ضد غزة.

ليس جديداً أن تطلّ تصريحات كهذه برأسها، فيكفي التسلّح بالذاكرة التي تحيل إلى مقولات في الاتجاه ذاته، أطلقها كبار المسؤولين الإسرائيليين في جولات عدوانية سابقة على غزة ولبنان. ومع استمرار أزمتها الراهنة في الميدان؛ تُصعِّد حكومة الاحتلال من مزاعمها التي تصوِّر العالم العربي الرسمي حليفاً لها في عدوانها على غزة، ومن يتابع ما يأتي في وسائل الإعلام العبرية سيجد وفرة من الإشارات ذات الصلة.

إنّ السابقة التي تستدعي الانتباه في هذه الجولة؛ أنها ادعاءات مشفوعة بتشخيص لدولة عربية وحيدة تقريباً تقف مع غزة ومقاومتها، حدّد نتنياهو اسمها، وهي قطر، وكأنّ معظم الأوراق الرسمية العربية أصبحت مُندسّة في الجيب الإسرائيلي. ألا ينطوي هذا على صفاقة في الشكل والفحوى، وعلى تحريض أيضاً ضد من يقفون مع فلسطين في قضيتها العادلة؟!

لم تتأخّر الشعوب في ردِّها على تلك التصريحات، كما كان متوقعاً، فأطلقت صيحات في المظاهرات وتغريدات في الشبكات وواصلت دعمها لغزة تحت القصف، لكنّ الشكوك تتفاعل في الرؤوس كما لم يحدث من قبل. فالمواقف الرسمية العربية غائبة، ولا تستجيب حتى الآن للتحدِّي الذي يفرضه نتنياهو عليها، في لحظة عصيبة من تاريخ الإقليم العربي.

يكشف الإسراف الإسرائيلي في الغمز واللمز ما بلغته الحال العربية، التي لا يبدو في عواصمها من يستشعر أنه معنيّ بالردّ، أو حتى رفع سمّاعة الهاتف لإبلاغ موقف متماسك. تصول دعاية الاحتلال وتجول دون أن تَلقى جواباً يُريح الضمائر، وتتفاقم الرواية مع "تسريبات" تتناقلها صحف العالم عن لقاءات تعاون واجتماعات تنسيق، وعن أمور تُدبّر بليل.

حتماً سيثير هذا التراخي الرسمي عن الردّ، شكوكاً مضافة في أوساط الشعوب، وسيطرح تساؤلات عن صلاح الحكم والحاكم. أمّا النخب فتنشغل بالتخمين وهواية تقليب النظر في الفرضيّات المُثارة عن أبعاد "الشراكة الاستراتيجية" بين عواصم عربية ومركز صنع القرار الإسرائيلي. فهل يُعقَل أن تُترك الشعوب العربية مكشوفة لرواية نتنياهو وفريقه على هذا النحو؛ الذي يُطلِق العنان للخيالات الخصبة؟!

لا ريب أنّ محاولة الطعن الإسرائيلي في الشرف السياسي لدول المنطقة تستحقّ ردّاً، بل ردّاً صارماً. وإن لم يأتِ الجواب على تمادي نتنياهو بالردود المنطوقة والمقنعة حتى الآن؛ فالأحرى به أن يأتي بالتحرّك العملي الملموس، الذي يُبرهِن للجميع أنّ ما يتحدّث به مهندسو جرائم الحرب هو مجرّد رواية زائفة ومضلِّلة، كما نأمل.

بيد أنّ الردّ الملموس لا يكون بشحنات الدقيق والزيت لمنكوبي العدوان، فهذا ما يقدِّمه العالم أجمع بما فيها واشنطن التي تتساقط قذائفها على رؤوس الغزيِّين. إنما الردّ في حدِّه الأدنى يتحقّق بتحذيرات رادعة للحكومة الإسرائيلية، وبتحرّكات سياسية ضاغطة على المستوى الدولي، مع نفض الأيدي من الالتزامات والمبادرات السابقة التي وعدت بالسلام، وذلك أضعف الإيمان.

سيستكثر بعضهم على عواصم العرب الظهور بمواقف متماسكة اليوم، لكنّ الوقت قد حان ليهمس أحدهم في الآذان، بأنّ الزمان قد تغيّر، وأنّ عيون الشعوب تزيغ صوب أولئك الذين يأتون من صحراء التيه العربي ليصعدوا المنابر، معلنين دولة هنا وخلافة هناك.

(*) حسام شاكر، كاتب - فيينا وبروكسيل

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة