من عبادة الأصنام إلى وثنية الإعلام

نحن أمام انهيار قيمي في الضمير الذي تحول إلى آلة مجرّدة ومسيّرة، يعمد المخرجون إلى تغذيتها بالصور، فتنتج ردود أفعال وفقاً لما يأتيها من خبر.

الاثنين، 14-09-2015 الساعة 11:22


لو أن "أبا جهل" كان حياً بيننا هذه الأيام، لاختار تحطيم أصنام الحجارة التي كانت سائدة أيام قريش في الجاهلية، ولأنهى حقبة "ود" و"يغوث" و "يعوق" و"نسر" (أسماء أصنام مشهورة آنذاك)، ولعمد فوراً لافتتاح قناة فضائية، وجعل من بضع صور تلتقطها كاميرات (الأتش دي الفائقة الدقة) أصناماً إعلامية، ومن حولها تلتف الجماهير من قريش وسائر بطون العرب، إذ ما تزال عقلية تقديس "الرمز"، والسعي للـ"التجسيد"، وصناعة التصورات وفقاً للرموز الحسية، هي المحرك النفسي والعاطفي والعقلي للعرب المستعربة، قاطبة، مع تغير الوسائل من الصخر والحجر إلى العدسات والصور!

نحن أمام انهيار قيمي في الضمير الإنساني العربي، الذي تحول إلى آلة، مجرّدة ومسيّرة، يعمد المنتجون والمخرجون إلى تغذيتها بالصور، فتنتج ردود أفعال وفقاً لما يأتيها من خبر، نحن أمام اختزال رهيب للواقع الضخم بكل رداءته: بمجموعة صور تُـبَـث أرقامها إلى العقول الميكانيكية العربية، المتجاهلة لكل ما لا تراه أعينها على شاشات التلفاز ومواقع التواصل، مهما بلغت أهمية الصور الأخرى "المحجوبة" عنها، ومهما كانت فداحة المأساة التي اختنق صوتها وغيبه عمداً أرباب الإعلام من أحفاد أبي جهل وأخوته!

كانت "صورة" الطفل الغريق إيلان: هي الصنم الأحدث، والوثن الجديد، الذي جعل منه العرب (والعالم من ورائهم): رمزاً يعبدونه، ومن حوله يقدسونه ويهولونه، وقد كان صنماً إعلامياً متقناً بامتياز: فصورة إيلان جسدت "مسرحاً صغيراً" متكامل الأركان، فيه جميع العناصر الفنية اللازمة: فالخلفية مليئة بتفاصيل الأمواج المتداخلة مع جسد الطفل، والذي ألقاه الموج (ربما!) على وجهه وقدماه موجهتان إلى الساحل، ومائلتان بوضعية "الوفاة" بإتقان، حيث ما يزال حذاؤه الصغير ثابتاً على قدمه ورامزاً لبراءة قتلها (ظلماً أحدهم!)، أما ملابسه فقد تمازج اللون الأحمر لقميص الطفل مع بنطاله القصير الذي كشف ساقه الصغير، ليغرق المشهد بمنظر الطفولة المستغرقة بالموت، وليستفز مشاعر من يعبدون مثل هذه الأوثان الإعلامية، وقد تم كل ذلك بإتقان!

لسنا أمام التقليل من شأن قتل الطفل إيلان، ولا التهوين من بشاعة هذه الجريمة، فهذا الطفل هو ضحية والده، الذي جازف بأبنائه وزوجته بوضعهم بقارب لمهرب بشر، طمعاً بجنة أوروبا، رغم أن إيلان وُلد في أرض اللجوء "تركيا"، ووالد إيلان لم يكن مضطراً ولا مرغماً، ولم يجبره أحد على مغادرة تركيا والدخول بعرض البحر، سوى الطمع بالأحسن، ثم هذا الطفل هو ضحية للحكومة التركية التي تقف عاجزة (هذا في أحسن الظن!) أمام مافيات تهريب البشر النشطة جهاراً نهاراً وسط إسطنبول وكبريات المدن التركية.

نعم: غرق إيلان، ومن قبله غرق الآلاف، ومن بعده سيغرق الآلاف، وقد غرقت معه أمه وأخوه الآخر، لكن عباد الأصنام الإعلامية لم يشاهدوا سوى إيلان، إذ لم يجدوا صنماً غيره يجعلون منه معبوداً لعواطفهم ونفاقهم الإنساني، الذي يتجاهل أصل القضية، ويتجاهل أولئك الكثير والكثير من البشر والأرواح والأطفال الذين يلقون حتفهم ظلماً في بلدان الربيع العربي، ولكن ليست هناك كاميرات تصورهم!

وأنا أكاد أجزم بأن بعض الآباء الذين يعبرون البحر طمعاً ورغباً في جنة العالم الأول، لن يمانعوا إغراق ابن أو اثنين لهم، لو وجدوا مصوراً جيداً يصنع لهم تعاطفاً ويجيش لهم قضية وإعلاماً، يجعل من أبنائهم أصناماً جدداً مثل الطفل إيلان، فالأب الذي يحمل أطفاله الصغار وفلذات كبده على مركب لتهريب البشر: هو أب فاقد للضمير وفاقد للإنسانية وفاقد للأهلية.

نحن أمام معضلة أخلاقية وعقلية يصنعها النقل الإعلامي الانتقائي، بطبيعته القاصرة أو لطبيعة أرباب الإعلام الباحثين عن مصالحهم، وهذه المعضلة تجعل من بث الصور لصناعة التعاطف وتحشيد الرأي العام حول قضية إنسانية، وسيلة لتخدير المشاهدين، وتغطية أعينهم عن رؤية الجوانب المخفية من الواقع، وهي جوانب ربما تكون أكثر أهمية، وربما يتجسد فيها المنطق وأركان القضية، ولكن الجاهلية الحديثة تتعمد وضع كل هذا بالظلام، وإبراز الجانب الضئيل، أو ربما الأكثر تفاهة من القصة.

ولقد سمعنا وما نزال، عن قصص شتى لبشر أزهقت أرواحهم في العراق وسوريا واليمن، وفي غيرها من البلدان التي يخشى الإعلام التعاطي مع الظلم الواقع بها رغباً أو رهباً، ولكن جمهور الأصنام الإعلامية ظل مغيباً عقله كسِكّير يحتسي نوعاً واحداً رديئاً من خمور الإعلام الحديث. ولعل من غريب الأقدار: أن طفلاً آخر، اختطفته المليشيات، بنفس الفترة التي قتل بها الطفل إيلان، وقتلته بطريقة بشعة لم تمارسها حتى محاكم التفتيش في إسبانيا، ثم وجدت جثته مرمية في منطقة منسية من العراق، ومنسية من البشر المنافق المتسمر من وراء الشاشات الرقمية، وأمثال هذا الطفل ضحية المليشيات كثير وكثير، لا نعلمهم، لكن الله يعلمهم!

ليس هناك، وعلى المدى المنظور، أي ترياق للوثنية السائدة حديثاً؛ ونعني بها الوثنية الإعلامية، والتي تقتضي تجميع الجماهير حصراً أمام الصور التي يختارها المخرجون والمصورون، بل، ومع الأسف، صارت الجماهير العربية ومن خلفها المشاهدون عبر أرجاء العالم أكثر تعطشاً للرموز والصور والمحسوس بصرياً أكثر من الحقيقة ذاتها.

بل المخيف، أن القضايا الإنسانية صارت تكتسب شرعيتها من قوة الصور والمشَاهِد المرافقة لها، لا من أصل عدالتها وحقيقتها، وهذا يجعل من المآسي وأنواع الظلم المتعددة في العالم، والتي ينال المسلمين معظمها، مجرد أخبار عابرة لا تحرك سَكَنة ولا شعوراً في الضمير، إن غاب المُخرج والمصور المحترف الخبير!

وهذه الثغرة جعلت من العالم ألعوبة بيد صانعي الأوثان الإعلامية وأصنامها، واستغلتها المخابرات -مثلاً- للترويج لداعش وأخواتها، والتي أبدعت في صناعة الصور والمشاهد والفيديو، ومدّت مؤيديها وأعدائها على حد سواء، بمواد ضخمة الإنتاج شديدة الإتقان لمشاهد الموت المروع وانتهاك الإنسانية، وفي غياب تام لحضور الفكر، فالقضية بالنهاية تختزلها وتجسدها الصور لا التصور، والصور لا حقيقة الخبر، والصور لا الجانب المُغَيّب من معاناة البشر.

لا يمكن بأي حال من الأحوال، قبول هذا التجاهل الكافر بحقوق الإنسان والبشر الذين يعانون خلف الكواليس، وتحت الأرض، ومن وراء قضبان السجون السرية، ولا يمكن الرضا باختزال الحقيقة بتلك التي يبثها الإعلام، ولا يمكن السكوت على أفواج المغفلين من البشر، من عرب وعجم، التي تلتف حول الأصنام الحديثة، وأوثان القرن الحادي العشرين، وتمارس طقوسها أمام الشاشات والصور ومشاهد الفيديو ومقاطع اليوتيوب، متجاهلة الواقع الرهيب لمآسي البشرية المعاصرة.

ومع انتشار الأوثان الحديثة، فقد صار لكل ظالم، ولكل جبار، ولكل مفسد في الأرض أن يمارس مجونه وإجرامه، وفقاً لحق يكتسبه ضمناً من الجماهير المتجاهلة الساكتة (سكوت الإقرار) لكل ما يحجبه الإعلام عنها ويغيبه عن مسامعها، فعبّاد الصور والأوثان الإعلامية يقرون ضمنياً كل جريمة لا يعرفون عنها، وكل مأساة لا تصل الكاميرات إليها، وهذا، ومع الأسف، نمط جديد من الجرائم التي يساهم الجمهور في صناعتها، من خلال الترك والتجاهل واللامبالاة لكل ما يُغيب عمداً عن أذهانهم، أو لا تشاهده أبصارهم، فهل ثمة وسيلة للاستدراك؟!

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة