من لآلئ الأنا

المرأة أعرفها من صوتها، فهي تسكن ذلك الدار المشبوه في الزقاق المشبوه في الحي الذائع صيته.

الجمعة، 18-03-2016 الساعة 18:53


أنا، وأحمد الله على قول كلمة الأنا، كنت أعتقد في سنين مضت أن الشرف مرتبط بأعضاء في جسد الإنسان، هكذا علمني الشارع، أهم مدرسة تعلمت فيها، وما زلت، لكن رأسي حين تفتقت مداركه عرّفَني أن الشرف لا علاقة تربطه بجسم الإنسان، لما استوقفني صوت إحداهن وهي تقسم بشرفها! وكنت للتو أستمع لخطاب أحد السياسيين الذي يلقبه مقربون بـ"الحاج"؛ فهو حج البيت الحرام مرات كثيرة، لكن يده إلى المال الحرام حجت أكثر.

المرأة أعرفها من صوتها، فهي تسكن ذلك البيت المشبوه في الزقاق المشبوه في الحي الذائع صيته، إذ يفد إليه من أصقاع بلدي الباحثون عن المتعة الجسدية بمقابلٍ مادي، وما يجمعني بذاك الحي موقع بعض صحف أتردد عليها.

وأنا، وأحمد الله على قول كلمة الأنا، أعجبني صوت المرأة تلك؛ هو من النوع الصداح المشوب ببحة خفيفة حين التقيتها أول مرة داخل محل صغير، كنت أنوي شراء شراب بارد يطفئ شيئاً من ظمئي حينها، وكانت هي تطفئ شيئاً من ديونها عند صاحب المحل. رمقتني بنظرة تشي بفتح باب حوار. كرمي الحاتمي يفرض عليّ ألا أرد سائلاً، كما أن الصحافة علمتني اقتحام أسوار الممنوع واكتشاف الأسرار وتكوين العلاقات.

اتخذت من حرارة ذاك اليوم التموزي اللاهب مدخلاً للحديث، ولم يكن البائع يأبه لما أقول؛ كان منشغلاً بتسقيط بعض حسابات زبونته من سجل الديون، فيما تكفلت هي بالرد على تذمري من حرارة الجو، "لكنه أفضل حالاً من الشتاء الذي تشل برودته حركة العمل"، قالت وهي ترافقني خارج المحل بينما رحت أتلذذ بعصير الرمان البارد، ثم أقسمت بشرفها، أن ديونها تلك ليست لها، فقد سددت جميع ما عليها من ديون منذ شهرين، لكنها ديون نهى وعبير. وأردفت: "هما جميلتان، ولك مني خصم خاص"، شكرتها على جزيل كرمها، ضارباً معها موعداً في وقت آخر، على أمل أن أهاتفها وقت فراغ، فَصَدّقت وعدي لها، ودَوَّنت رقم هاتفها على ظهر كتاب أحمله، وأقسمت بشرفها مرة أخرى أنها ستخاصمني إن لم أفِ بوعدي، كأن بيني وبينها سنين طويلة من المعرفة.

أما أنا، وأحمد الله على قول كلمة الأنا، أدركت تالياً أن ما تعلمته في الصغر، من أن الشرف الرفيع، الذي لا يسلم من الأذى إلا إذا سال على جوانبه الدم القاني الاحمرار، فِعلٌ يطبق ساعة طيش، حتى إنك لا تجد ممن أراق الدم دفاعاً عن شرف، سوى لص أو مرتش أو محرض على الفتنة أو الطائفية، لكنه لا يرى في صفاته تلك انعدام شرف.

بدورهما، الشرف والسياسة لا يجتمعان؛ إن حضر أحدهما غاب الآخر، وكأنهما قط وفأر.

حضرت ذات فترةِ انتخابات برلمانية مؤتمراً لأحدهم، تطرق في خطابه الدعائي لجمهور المدعوين عن الشرف الوطني، هو زعيم حزب وله حظ في "السيالصوصية"؛ إذ تسلق السياسة حتى صار لصاً، بل كبير لصوص، قال فيما قاله: إن الشرف لا يعني فقط ستر العورة، والحفاظ على العذرية، بل إن الوطن هو الشرف الأكبر، وأصواتكم إن لم تذهب إلى الشرفاء لتصب في الدفاع عن شرف الوطن، فستكون من نصيب عديمي الشرف، الذين سيضحون بشرف الوطن!

لكني أنا، وأحمد الله على قول كلمة الأنا، وجدت في كلام هذا الـ"سيالصوصي" عين الصوب؛ فذهاب الأصوات إلى من لا شرف لهم أنتج خراب البلد. وصرت على تمام يقين أن الشرف الذي تملكه صاحبة الصوت الذي أحببته وتديم على جعله قسماً مقدساً، أنقى وأطهر وأكثر بياضاً من شرف أولئك "السيالصوصيين".

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة