من يجرؤ على فتح الملفات؟

الخطاب السياسي والإعلامي هنا أو هناك يتخطى المعضلات الفعلية والمشكلات ذات الشأن وينشغل بالتفاصيل الأخرى.

الخميس، 21-05-2015 الساعة 09:17


في أمر المجتمعات أيضاً يصحّ القول بأنّ الوقاية خير من العلاج. ومن ذلك أنّ الحفاظ على عافية الأمم يقتضي أن تتعرف بذاتها على الثغرات ومكامن القصور الكامنة في أحشائها، قبل أن تأتيها تنبيهات الآخرين وتحذيراتهم، أو تداهمها تداعيات الواقع المؤلمة.

فاستذكار الواجبات المنزلية بعد الحصول على إشارات تنبيه أو لفتات إنذار، يستدعي في الغالب استجابات متأخرة أو يستدرّ حلولاً لترقيع الأوضاع وستر الثغرات؛ بدل معالجتها بجدية والتصدي لها باقتدار.

حسِب بعضهم أنّ التعامل مع الانتقادات التي يتم توجيهها لدول المنطقة في مجالات معيّنة، إنما يكون أساساً ببذل الجهود المكثفة في الدعاية والعلاقات العامة، مع الإقدام على معالجات شكلية لا تفتح الملفات ولا تسبر الأغوار. اختار بعضهم، مثلاً، الردّ على انتقادات "تفريخ التطرف" بتعيين مسؤولين بلا لحى ولا شوارب يتحدثون إلى العالم بإنجليزية منطلقة بانسياب، ليظهر أحدهم على منصّات الحديث وكأنه غربي تماماً بدون الزي المحلي أيضاً. إنه منطق العناية بالتغليف وإهمال الفحوى، ومنه التقليد المتعاظم باتخاذ "واجهات نسائية" يتم تنصيبها في وزارات بعينها أو في بعض مواقع العلاقات العامة الدولية، ربما لإقناع الغرب بأنّ كل شيء في ملف المرأة بات على ما يُرام.

والواقع أنّ دول العالم الثالث تولي عناية مضاعفة لما يأتيها من ملاحظات غربية بشأن أوضاعها الداخلية، وكان الأجدر بها أن تتحسّس أحوالها مباشرة بدل استشعارها بطريق تنبيهات الخارج وانتقاداته. فالحلول والمعالجات لن تكون أقدر على ملامسة الواقع والتعامل مع معضلاته أو تناقضاته عندما تجري بمنطق ردود الفعل وبمنظور خارجي.

ليس خافياً أنّ بعضهم يسعى دون وعي إلى تحصيل شهادات حسن سلوك وإفادات إحراز تقدّم، يتطلع إلى استصدارها من الغرب بالذات وهو الذي يشغل السمع والبصر. يكفي أن يلحظ المرء ما تحظى به أي لفتة مجاملة أو تعبير دبلوماسي عابر من تضخيم إعلامي وتهويل إخباري فتتبوّأ العناوين العريضة؛ طالما أنها صدرت عن مسؤول أشقر الشعر أو أزرق العينين. لا ريب أنّ من يُجهِد نفسه في تحصيل هذا ويعتبره معياراً للنجاح إنما يمارس مع ذاته هواية التضليل المضاعف، فما الحاجة إلى الإصلاحات الملحّة في حضرة ثناء غربي يكيله مسؤول غربي زائر ولو كان همّه لا يتعدى تسويق مشروع أو إبرام صفقة سلاح؟!

لا يسع الأمم الراشدة الركون إلى تصفيق الآخرين أو أن تعتبره معياراً للفلاح، إذ تدرك أنّ النجاحات تتطلب تبصّراً بالأحوال واستكشافاً للعلل الكامنة تحت السطح واستشرافاً للتحديات القادمة أيضاً. أما تدبيج المقالات ونظْم القصائد ورفع اللافتات في مديح الأوضاع القائمة؛ فمن شأنه أن يغوي الأمم بالمكوث طويلاً في أسر اللحظة الراهنة وإضعاف التهيّؤ للمستقبل الوشيك.

ثم إنّ كنس القضايا الداخلية تحت البساط لا يُجدي نفعاً في عصر التواصل المفتوح العابر للجغرافيا. وقد انتهى زمان التحسّب من اطلاع العالم على الأوضاع الداخلية، كما تهاوى منطق الخشية من "نشر الغسيل" على مرأى من الآخرين والإحجام بذلك عن معالجة العلل الذاتية. فالأمم الواثقة بذاتها هي التي تفتح ملفاتها بنفسها وتسعى لمناقشة مشكلاتها على الملأ، وتبادر إلى التماس الحلول الممكنة لها بجدارة.

من القسط الاعتراف بأنّ الخطاب السياسي والإعلامي هنا أو هناك يتخطى المعضلات الفعلية والمشكلات ذات الشأن، وينشغل بتفاصيل قد لا تتعدى حوادث السير وإخفاقات الرياضة وبعض المشكلات التقنية العارضة أو ظواهر تُحال مسؤوليتها غالباً إلى المجتمع والناس لا إلى الدولة ونظامها.

ليس من المبالغة القول إنّ العالم إجمالاً، أو الغرب تحديداً، يعرف عن بعض البلدان والمجتمعات ما قد لا تعرفه هي عن ذاتها. يحدث هذا في عصر العلم والمعرفة، وفي زمن التدفق الحرّ للمعلومات والبحوث المنشورة في الأرجاء، وفي حقبة قنوات التعبير المتاحة لأي إنسان في بث ما يشاء إلى العالم بأسره، ثم يحدثونك عن خشيتهم من "نشر الغسيل"!.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة