من يجرؤ على مساءلة الضخ الترفيهي؟

ثمة حاجة لإثارة حوار مجتمعي جاد بشأن التدفقات الإعلامية وتأثيراتها ومضامينها وأنماط استهلاكها.

الجمعة، 30-01-2015 الساعة 12:01


ليس المطلوب مناصبة الترفيه العداء أو تشديد النكير عليه. إذ يكفي أنّ الشاشة الصغيرة قد نشأت جهازاً للترفيه ومعه تطورت، قبل أن تكون نافذة للتعليم أو التثقيف أو الوعظ.

إنما المسألة التي لا غنى عن إثارتها تتعلق بإشكاليات لا يمكن صرف النظر عنها. فماذا عن سلامة القيم والمؤثرات والاتجاهات المحمولة مع الترفيه؟ وما هو الكم المقبول من الترفيه، أو نسبته ضمن القوالب والمضامين المقدمة بالمقارنة مع ما سواه من الألوان؟ وهل ما يُعرض من الترفيه يُناسب المجتمعات والفئات والشرائح؟

ينبغي الاعتراف بأنّ الترفيه لا يمكن اعتباره شأناً خالياً من القيم ومعزولاً عن المؤثِّرات. قد يطلب المشاهدون الترفيه لذاته، لكنهم سيحصلون على وجبات محشوّة برسائل وقيم غير ملحوظة. ستتسلل المؤثرات إلى وعيهم دون أن يدرك معظمهم سلطانها عليهم. يجري هذا سواء أدرك الفاعلون الإعلاميون أعماق ما يقدمونه للجمهور، أم عجزوا عن سبر أغواره واستيعاب تأثيراته.

والواقع أنّ إتقان الصنعة الإعلامية يستدعي توظيف المؤثرات وحشدها ببراعة، بما قد يفغر أفواه المشاهدين ويستلب وعيهم. وقد يستعمل بعض موجهي البرامج نفوذهم في تمرير قيم واتجاهات في الثنايا، وتحميل رسائل مقصودة لذاتها، حتى عبر ما تبدو فقرات ترفيهية خالصة.

ثمّ إن صخب الأضواء والألوان والمعزوفات الذي يرسم صورة بهيجة غير مبررة واقعياً. فهو الترفيه الذي قد يستدرج المشاهدين للرضا بواقع يُخيّل أنه يستدعي ابتسامات عريضة واحتفاليات متواصلة. وهكذا يتولى الإغراق في الترفيه تنفيس كبت الواقع، وتسكين آلام المجتمعات، وتفريغ إحباطات الحياة اليومية.

ثمة حاجة لإثارة حوار مجتمعي جاد بشأن التدفقات الإعلامية وتأثيراتها ومضامينها وأنماط استهلاكها، وخوض عملية تقويم شاملة وتفصيلية، أو عمليات تقويم موضعية، للقوالب والتدفقات الإعلامية وما تحمله من مضامين.

فليس بوسع أي مجتمع يسعى للنهوض أو التقدم أو الحفاظ على مكتسباته، أن يغفل مسألة الترفيه من عنايته، فكيف إذا شغلت القوالب والمضامين الترفيهية الأوقات والأسماع والأبصار، على النحو الذي يجري في الاتجاهات كافة؟

ولا يصح إعفاء القنوات الخليجية والعربية الخاصة من المساءلة الأدبية، لمجرد أنها لا تتبع القطاع العام. فهي تمضي في تشكيل الوعي وتربية الأجيال. وهي تدفع بموادها إلى الفضاء الشبكي أيضاً، وتسري في الهواتف المحمولة لتلازم الأفراد من شتى الأجيال في حياتهم اليومية.

لن يتحقق تقدم فعلي في الواقع التلفزي الخليجي والعربي دون إنضاج آليات تتيح المتابعة النقدية للمضامين الإعلامية، وتؤسس لثقافة رجع الصدى في البيئة الإعلامية، من خلال الوعي برغبات المشاهدين، ومراعاة احتياجاتهم، وتقدير المرغوب والمرفوض بالنسبة إليهم، مع احترام الأبعاد القيمية والالتزامات الأدبية والأخلاقية في هذا المجال.

ولا سبيل إلى ذلك دون استثارة الحس النقدي لدى فئات الجمهور إزاء مضامين التدفق الإعلامي، وتنمية قدرات المشاهدين والمستعمين على التعبير عن آرائهم والإفصاح عن قناعاتهم بشأن ما يستهدفهم عبر المحطات، وإشعارهم بقدراتهم الذاتية على التقويم والمساءلة؛ بما في ذلك التوعية بشأن الحق في الاعتراض على المضامين المتاحة عبر التلقي.

إنه الضخ الترفيهي الجارف، الذي يستدعي التفكير بأمره والاستعداد لمساءلته، فمن يجرؤ على المهمة؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

رويترز: ترامب يقول إن قتل خاشقجي وعملية التستر التي تلته ما كانا يجب أن يحدثا