مهزلة ضد الإرهاب في باريس!

الأسد قتل نصف مليون مواطن وجرح وشرّد وهجّر وسجن.. ولم نسمع أن الحكام العرب دعوا إلى مظاهرة تضامنية.

الاثنين، 12-01-2015 الساعة 14:05


ما قامت به صحيفة "شارلي إيبدو" الساخرة من رسومات مسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، هي جريمة متكاملة الأركان وواضحة بكل المقاييس، ولا يمكن أن يعدّ ذلك من حرية التعبير كما يدعي أصحابها. فالهجوم على قيم ومقدسات أيّ طائفة أو جماعة أو شعب أو أمة لا يندرج إلا ضمن إرهاب فكري وعنصرية وفاشية لا تتماشى مع القيم الأخلاقية والإنسانية.

هذه الصحيفة التي كانت تطبع 45 ألف نسخة ثم بلغت 60 ألف نسخة ولما تسيء للرسول الكريم تطبع 200 ألف نسخة، كانت تبحث عن مكانة لها في فرنسا، وتريد أن تحقق غايتها من نجاحات مادية ودعائية فقط وبأيّ وسيلة كانت. ولقد كنت نادراً ما أرى فرنسياً يحمل هذه الصحيفة في المترو أو القطار أو الساحات العمومية، فهي في نظرهم صحيفة صفراء تقريباً وتبحث عن الإثارة، في حين توجد صحيفة ساخرة وهي "لوكانار" مثلاً تتمتع بمصداقية لدى الفرنسيين.

لقد أدرك الساهرون على الصحيفة أن المسلمين لا يسكتون وسوف يتظاهرون وقد يهدّدها بعضهم، وهو ما سيخدمها ويحقق لها الدعاية التي تريدها، كما أنها ظلت تصوّر المسلمين على أنهم دعاة عنف وإرهاب عبر رسومات، وللأسف جاء من أراد أن يثبت كذب الصحيفة على أن المسلمين ليسوا من أهل العنف وقام بقتلهم عبر مشاهد استعراضية ودموية لم يسبق لها مثيل في فرنسا!

الفرق بيننا وبينهم أننا ندين الجريمة ودوافعها، ولا نكيل بمكيالين بين الجرائم مهما كان نوعها ولونها والمكان الذي تقع فيه، في حين أن غيرنا يتصرّف حسب مزاجه ووفق ما يخدم مصالحه فقط، ولو كان ذلك على حساب أبرياء من المفروض تحميهم القوانين والمواثيق الدولية.

بين الغموض والمسخرة

كل يوم يمر تزداد الرؤية غموضاً بخصوص الهجوم على "شارلي إيبدو"، فالصحيفة كانت مستهدفة والمشتبه بهم تتابعهم الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بحكم أن أحدهما حوكم من قبل بتهمة الإرهاب، وعادة المخابرات الفرنسية أنها تتابع أنفاس كل من تشكّ فيه فقط، فضلاً عن شخص مسجل عندها بأنه "جهادي" وفي ظرف خطير التحق فيه بـ"داعش" ألف شخص حسب ما صرّح به وزير الداخلية في أغسطس/ آب الماضي، ويهددون فرنسا منذ فترة.

هل يعقل أن أشخاصاً تحت أعين مخابرات فرنسا يستهدفون صحيفة مهددة وتحت الحراسة وفي عملية استعراضية للغاية؟

هل يمكن أن يفلت هؤلاء للتدريب وعادة أوروبا أن المشتبه بهم في قضايا الإرهاب لو يغلق أحدهم هاتفه المحمول بسبب البطارية يجري البحث عنه بسرعة فائقة ويجب أن يبرر ما حدث؟

عملية الهجوم على "شارلي إيبدو" سبقها تحضير لوجستي واستخباراتي كبير ودقيق للغاية، كما أن المنفذين تدرّبوا على عمليتهم بطريقة جيدة وبلا شك أنهم ترددوا على المكان كثيراً، فهل حدث كل ذلك ومخابرات فرنسا نائمة في العسل؟

شخصياً أن الصور التي شاهدتها لا تعبّر أبداً أن المنفذين هم أشخاص عاديون لا يقف خلفهم تنظيم كبير تدرّب كثيراً على الاغتيالات في المناطق الصعبة والمحصّنة، وتشبه إلى حد بعيد بعض العمليات التي قام بها "الموساد" الإسرائيلي من قبل.

الأخطر في هذه الحادثة هي قصة بطاقة الهوية، التي عثر عليها في سيارة المتهمين، وصارت تشبه جوازات سفر منفذي عملية 11 سبتمبر/ أيلول 2001، فهل من الممكن أن يتخيّل أحدنا أن أشخاصاً نفّذوا عملية باحترافية كبيرة وتحدّوا أجهزة الأمن الفرنسية في قلب العاصمة باريس، ثم في النهاية يتركون بطاقة هوية أحدهم حتى يساعدوا الأمن الذي نجحوا فيتجاوزه وربما اختراقه أيضاً؟

لا أعتقد ذلك أبداً، فوجود بطاقة الهوية إن كان ذلك صحيحاً، فهو يرجع إلى احتمالين فقط، إما أن المتهمين أرادوا بخطوة ترك بطاقة الهوية في السيارة تضليل الأجهزة الأمنية حتى يتمكّنوا من مغادرة البلاد، وهذا يبرّر الأخوين كواشي. أو أن القصة مفبركة من قبل المحققين حتى يساعدوا السلطات الفرنسية من تجاوز الذهول الشعبي الذي سيتحول إلى ضغط سياسي كبير، وخاصة أن الرئيس فرنسوا هولاند يعيش في أسوأ مراحل حكمه، وشعبيته انحدرت لدرجة لم تحدث مع أيّ رئيس فرنسي قبله.

نفرض جدلاً أن بطاقة الهوية حقيقية وعثروا عليها في السيارة والتي تتعلق بسعيد كواشي، فماهو الدليل المادي على أن الشريف كواشي هو الشريك لشقيقه في العملية؟

كيف اهتدت المخابرات إلى توجيه الاتهام للأخ الذي لم يترك خلفه أيّ أثر إلا إن كان هذا الجهاز يعلم من قبل بتحركات الأخوين وتغاضى عنها؟!

لست هنا بصدد توجيه التهمة لجهة ما، ولكن العلامات تثبت كلها أن القضية ليست كما يراد لها رسمياً في فرنسا، كما أن قتل المشتبه بهم دفن الحقيقة وأغلق باب التحقيق القضائي فيها وأعطى الحرية للمخابرات الفرنسية كي تفعل وتقول ما تشتهي. وهذا ما حدث من قبل مع محمد مراح في تولوز الفرنسية، حيث إنه كان بالإمكان تخديره بغازات والقبض عليه حياً ولكن أجهزة الأمن فضّلت تصفيته وعدم تقديمه للمحاكمة التي ستكشف بلا شك ما لا يريدون أن يعرفه الشعب الفرنسي في ظرف يستعدّ فيه الرئيس ساركوزي للانتخابات الرئاسية.

لما تلجأ أجهزة الأمن إلى تصفية مشتبه بهم في أي جريمة فهذا يعني أنها لا تريد الحقيقة بل تريد دفنها معهم، وهذا ما حدث مع الأخوين كواشي اللذين يقال أنهما نفذا الهجوم على "شارلي إيبدو".

نترك العملية التي كل يوم يمر تزداد غموضاً، وبلا شك سيأتي يوم وتظهر الحقيقة لما يبدأ ضباط الأجهزة يتقاعدون ويفضحون بعضهم بعضاً، وربما نصل حينها إلى أن القتلة أفلتوا من الأمن والعدالة، ودفع الثمن غيرهم، وتلك وصمة عار في جبين فرنسا حتى وإن كان لا يهمّها ذلك، ففي عنقها دماء الملايين من الجزائريين وغيرهم.

فرنسا بدل أن تنجح في القبض على الجناة ومحاكمتهم، بعدما أخفقت في تفادي وقوع الجريمة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً بينهم صحفيين وشرطة، وبدل أن تتعامل بشفافية أمام الرأي العام، راحت تستغل الحادثة في أمور أخرى على طريقة الأنظمة العربية التي تلجأ إلى التغطية على الفشل بأشياء أخرى منها مظاهرات توصف بالعفوية، والفرق فقط أن هولاند جاء بزعماء 50 دولة منها العربية كي يعطي زخماً كبيراً لهذه الحادثة، التي ستعقبها بلا شك قرارات وحروب وغزوات في القارة السمراء خصوصاً.

لنفرض جدلاً أن ما قالته فرنسا صحيح بخصوص الأخوين كواشي، فهل من اللائق عند القوى العظمى أن شقيقين بطّالين هزّا أركان العالم ودفعا زعمائها إلى التظاهر والتباكي على أرصفة باريس؟

مظاهرة باريس هي مسخرة حقيقية لا تليق بمكانة دولة عظمى مثل فرنسا، إن كان الأمر يتعلق بالإرهاب وحرية التعبير فقط، أما إن كان غير ذلك وما جرى مجرد تمهيد وتزكية دولية لما ستقدم عليه فرنسا الجريحة لاحقاً، فهذا شأن آخر نترك التعليق عنه إلى حينه.

لم تبق سوى رؤية الأسد في باريس

لما ننظر إلى المتظاهرين في عاصمة الجن والملائكة كما يطلق عليها، نجد أنه يوجد من يمارس الإرهاب في بلده أو بدولة يحتلّها ثم يتظاهر ضده في باريس، بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مشى في الصفوف الأولى وهو الذي خرج لتوّه من جرائم إبادة جماعية في عدوانه على غزة، أدى إلى استشهاد وجرح الآلاف، ودمر البيوت على رؤوس أهلها من المدنيين بينهم نساء وأطفال ومرضى وشيوخ وعجائز.

الغريب العجيب أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يبتعد عن نتنياهو بخطوات قليلة، وهو الذي يمنع المظاهرات في رام الله حتى ولو كانت ضد العدوان على غزة وللتضامن مع أهلها الذي يقنبلهم نتنياهو بشتى أنواع الأسلحة ومنها المحرّمة دولياً، بل إنني شخصياً تمنّيت في حرب غزة الأخيرة أو ما قبلها أن أرى محمود عباس يتظاهر ولو في قصر الرئاسة تنديداً بقتل أبناء شعبه في غزّة، بدل أن يكيد للمقاومة مع الصهاينة والمتصهينين العرب.

كما شارك أيضاً وفد لنظام عبد الفتاح السيسي في مصر وهو الذي قتل الآلاف في مجازر رابعة العدوية وغيرها، ويحبس صحفيين بسبب مهنيتهم أو معارضتهم للانقلاب، ويصدر أحكام الإعدام بصفة جماعية غير مسبوقة، ثم نراه يتظاهر في باريس ضد الإرهاب وللوقوف مع حرية التعبير في العالم.

نظام الجزائر الذي مارس الإرهاب وخاض حرباً ضد الشعب في التسعينات أدت إلى مقتل ربع مليون وبدعم فرنسا التي سبقته بقتل مليون ونصف المليون شهيد، هو بدوره شارك وزير خارجيته رمطان العمامرة في مظاهرة باريس، والأدهى أن النظام نفسه يريد الدفاع عن حرية التعبير لـ"شارلي إيبدو" التي تطاولت على سيد الخلق، في حين هو بحدّ ذاته أوقف صحيفة "جريدتي" وصحيفة "مون جورنال" في 2013 وصحيفة "الجزائر نيوز" في 2014، وهو نفسه الذي يزجّ بالصحافي عبد السميع عبد الحي في السجن منذ أغسطس/ آب 2013 إلى يومنا هذا من دون تهمة ولا محاكمة، والسبب يرتبط بشقيق الرئيس الذي فضح فساده الصحافي هشام عبود. بل الأدهى أن الإرهاب خلال التسعينات طال عدة صحف جزائرية منها "لوسوار دالجيري" واستهدف صحفيين كثيرين ولم يتظاهر نظام الجزائر ولا الرئيس الفرنسي ذهب للعاصمة الجزائرية كي يواسيها ضد الإرهاب على الأقل.

تألمت وضحكت كثيراً لما شاهدت صور زعماء العالم وهم يتظاهرون ضد الإرهاب الذي مارسه أغلبهم ومنهم فرنسا التي غزت مالي وتورطت في أفريقيا الوسطى وحاربت في ليبيا وتستعد لحرب أخرى فيها، كما أنها تشارك في التحالف الدولي ضد "داعش" في العراق أدى قصفه إلى سقوط المدنيين وخاصة في سوريا.

أكثر مما قلت وقاله غيري إن بشار الأسد قتل نصف مليون مواطن وجرح وشرّد وهجّر وسجن الملايين من السوريين ودمّر البلد على رؤوس المواطنين، ولم نسمع أن الحكام العرب دعوا إلى مظاهرة تضامنية مع الشعب السوري، بل يمنعون حتى مواطنيهم من المظاهرات. فهل مقتل نصف مليون شخص كي يبقى 12 شخصاً في حكم سوريا لا يعني شيئاً، في حين أن مقتل 12 شخصاً دفع الملايين في العالم للتظاهر على حدّ تعبير فيصل القاسم؟

هل الذين يقتلون في بورما وأفريقيا الوسطى وليبيا واليمن والعراق والأحواز وغيرهم لا يعني شيئاً لدى حكام العالم في حين يتباكون على استهداف عمال صحيفة تطرّفت إلى حدّ استفزاز متطرّفين آخرين؟

إن مظاهرة باريس لم ينقصها سوى الأسد والسيسي وخامنئي والمالكي ونصر الله والحوثي وغيرهم حتى تكتمل المسخرة تحت شعار الإرهاب. والآن من حق مجرم الحرب بشار الأسد أن يحتجّ رسمياً على عدم حضوره للتظاهر ضد "الإرهاب" الذي ندّد به في بيان رسمي بعد الهجوم على "شارلي إيبدو".

الحالة الوحيدة التي تجعلنا نسكت عن مظاهرة باريس، أن المتظاهرين ينددون بإرهاب يمارسه غيرهم، وهذا صحيح فأغلب من شاركوا يغرقون في الإرهاب من رؤوسهم إلى أخمص قدميهم، وهبّوا من أوطانهم نحو العاصمة الفرنسية حتى يستعدوا لإرهاب جديد سينفذونه في العالم العربي والإسلامي.

يحق لبشار الأسد أن يرقص الآن ما دام الإرهاب حلالاً ومدعوماً دولياً، أما الأنظمة العربية التي تستعدّ لممارسة الإرهاب ضد شعوبها إن فكرت في التنديد بالفساد والاستبداد، لا بد لها أن تهزّ خصرها أيضاً، فمن يصنعون ويمارسون الإرهاب يتظاهرون ضد إرهاب مضاد، وما تحمله الأيام القادمة من مفاجآت ستكون كافية لتثبت أن العالم منافق وبلغت به الحقارة لدرجة التآمر على أطفال في مخيمات يقتلهم صقيع الثلوج، ثم يدّعي أنه مع الإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان وللأسف نجد أغبياء من العرب يصدّقون هذه الأسطوانات المشروخة.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة