مونديال 2022 و "عاصفة الحزم" وإشكاليات الإعلام الخليجي

الإعلام الخليجي مدعو إلى تحقيق جملة أهداف متزامنة لا يخلو السعي إليها أحياناً من تناقضات.

الاثنين، 15-06-2015 الساعة 08:34


بين اجتماع وزراء الإعلام الخليجيين والملتقى الإعلامي الخليجي الذي نظمته المؤسسة القطرية للإعلام، بين 8 و11 يونيو، أمكن استشفاف اتجاهين متوازيين ثم ملتقيين: الأول أن المستوى الحكومي الرسمي يعيش وعياً استثنائياً بوجود تحديات متعددة الوجوه للمنطقة الخليجية، ويبحث عن رؤى لمواجهتها بروح وخطاب مشتركين. والثاني أن المستوى الشعبي-الاجتماعي، بما فيه النخب الإعلامية، منخرط في استكشاف الواقع الجديد الذي انعكس بقوة واتساع على مجمل قطاعات المجتمع، سواء بتطوراته السياسية أو بقفزاته التقنية.

وكان لافتاً بروز مسألتين، على كل المستويات الشعبية والحكومية، وحتى في مداولات وزراء الخارجية الخليجيين: أولاهما الوقوف إلى جانب قطر في مواجهة الحملات المغرضة ضد "مونديال 2022"، وثانيتهما التضامن في التوجه الخليجي الذي مثلته "عاصفة الحزم" في اليمن. قد يرى كثيرون، عن حق، أن ثمة خلطاً بين مسائل متناقضة، لكن هذه المفارقة تعبر بشكل رمزي عن الواقع. فالمونديال حدث عالمي بكل ما تعنيه الرياضة من تنافس إيجابي وسلمي بمقدار ما هو حدث محلي استثنائي بالورشة التنموية التي ترافقه، والمؤكد أنه يعبر أكثر عن نهج سلمي تأمل دول الخليج في ترسيخه في مقابل نهج "عاصفة الحزم" الذي ذهبت إليه مضطرة.

أما التحديات فجرى التعبير عنها بعناوين الأمن ومحاربة الإرهاب، ومن البديهي أن الخطاب الوزاري يعبر في هذا المجال عن وجوب التصدي للتهديدات، أكان مصدرها داخلياً أو خارجياً، وعمّا فعلته وتفعله الأجهزة الحكومية في هذا الصدد. والسائد حالياً أن ثمة حاجة إلى عناصر ثلاثة لنجاح أي تعامل إعلامي ناجع مع الأحداث: الأول أن يكون هناك تشخيص موحد للمخاطر ومصادرها، وأن يكون هناك موقف موحد منها؛ لأن العدو يعامل الجميع بالنيات التخريبية ذاتها وإذا أبدى مهادنة أو مسايرة لهذا الطرف أو ذاك فلأنه يريد أن يفرق ليخترق الصفوف ويسود. والثاني ضرورة كشف أجندة هذا العدو، فهو بأنواعه المختلفة كالدول أو الجماعات غير-الدول، يستهدف "الدولة" فكرة ومفهوماً وتطبيقاً؛ أي أنه لا يستهدف دول الخليج فقط لأنها غنية ومستقرة وتشهد تنمية متصاعدة، بل خصوصاً لأنها دول في صدد عصرنة بناها وتطوير خدماتها وعلاقاتها مع شعوبها، ما يمكنها بالتالي من أن تكون قادرة على حماية سيادتها ومكانتها الإقليمية. أما العنصر الثالث فينبغي أن يركز على حسن سير العملية التبادلية بين الحاكم والمحكوم، فكلاهما يحتاج إلى الآخر بل تزداد هذه الحاجة في أوقات الشدة. وإذا كان الحاكم يقوم بواجبه كاملاً فالمطلوب منه أقصى قدر من الشفافية والصدقية في مخاطبة المجتمع، ومن واجب المحكوم أن يساهم في تدعيم السلام العام وأن ينبه إلى أي تقصير تصحيحاً للمسار.

ربما ساعدت عمليتا "عاصفة الحزم" و"إعادة الأمل" في دفع الشفافية قدماً، بحكم أن مجال السرية، حتى في الحروب، لا ينفك يتقلص تلقائياً بفضل تطور وسائل الاتصال والتواصل، ورغم ما تبذله الحكومات من جهود للتكتم على بعض الجوانب. لكن المطلوب أكثر، لماذا؟ لأن ما كان يعتبر حكمة واتزاناً، أو حلماً ومسالمة، في التعبير عن مواقف دول الخليج، بات العدو يستغله أسوأ استغلال. إذ إنه يجهر بالعداء ويعممه معلناً بصراحة وافتخار عن أهدافه أياً كانت بشاعتها. والأسوأ أنه يتعامل مع هذه المسالمة على أنها ضعف واستكانة، معمماً على أتباعه ثقافة غير مسبوقة بفجورها ووقاحتها. وقد غدت هذه "الثقافة" محركاً ومحفزاً للجماعات المتطرفة غير المسبوقة أيضاً بما ترتكبه من إجرام ووحشية.

لذلك تتضاعف الصعوبات، خصوصاً في الإعلام، لدى مواجهة هذين العدوين اللذين هما في الواقع عدو واحد برأسين. وقد تكون له رأس ثالثة لا تظهر إلا لدى التدقيق الواقعي في من يمكن اعتباره حليفاً كبيراً يعتمد عليه. من الواضح أن دول مجلس التعاون مصممة على عدم تغيير وجهها أو سلوكها، وبالتالي عدم السماح لأي عدو بأن يدفعها إلى تبديل طبيعتها. ذاك أنها جهدت طوال العقود الماضية للخروج من أنماط ماضوية ولبلورة نهج يغلب الرؤى التنموية لداعمة للاستقرار على التأزيم المؤجج للصراعات السياسية، وبالتالي فهي ترفض الاختبار الذي تسعى التحديات الراهنة إلى وضعها إزاءه كي تتخلى عما بنته لنفسها في الداخل كما في الجوار والخارج. هذا حقها طالما أنها لا تتبنى سياسات عدوانية ضد أحد، لكنه رهان صعب طالما أنه لا يقابل بالمثل سواء في الجيرة الإقليمية أو في البيئة الدولية. لذلك يبقى التوجه الأكثر جدوى وضماناً أن يصار إلى الاعتماد على التضامن والوئام الداخليين على المستوى الخليجي أولاً، وعلى ما أمكن من المستوى العربي تالياً.

لا جدال في أن للإعلام دوراً حيوياً في هذه المرحلة الخليجية بالغة الحساسية، إذ إنه مدعو إلى تحقيق جملة أهداف متزامنة لا يخلو السعي إليها أحياناً من تناقضات: احترام المهنية وأقصى قدر من الموضوعية، تعزيز الدولة بمرجعيتها القانونية ومسؤولياتها السيادية، إظهار تفاعل المجتمع وفئاته مع كل ما يمس الأمن والاستقرار والوئام الاجتماعي ووحدة المصير. فالتحديات يمكن أن تكون صعبة لكنها تشكل أيضاً فرصاً لامتحان القدرات والعزائم، والتهديدات يمكن أن تستدرج مخاطر لكنها تستدعي الوقوف صفاً واحداً لإحباطها. وعلى عكس الدول التي سقطت في الاختبارات التي تعرضت لها، فتمزقت مجتمعاتها وتفككت مؤسساتها، تملك دول الخليج مقومات كثيرة لصد رياح الفوضى والخراب. يمكن للإعلام أن يفعل الكثير، لكنه لا يصنع المعجزات، فهذه هي اللحظة التي ينبغي أن يقوم فيها الجميع بواجبهم ليبرهنوا تمسكهم بأوطانهم وسلامة شعوبهم، وعندئذ سيكون الإعلام عنصراً تفعيلياً تتلاقى فيه الجهود كافة.

العرب القطرية

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة