مِحن المرأة المسلمة مع أدعياء حقوق الإنسان

كثيرون يتحدثون عما صار يعرف بقضية قيادة المرأة للسيارة في السعودية.

الاثنين، 29-12-2014 الساعة 12:26


كثيرون يتحدثون عما صار يعرف بقضية قيادة المرأة للسيارة في السعودية، التي غدت تشغل بال الحقوقيين العرب وغير العرب في العالم، لأن ذلك في نظرهم لا يتماشى مع الحريات العامة والديمقراطية وحقوق المرأة وفقاً للمواثيق والقوانين الدولية.

حرمان المرأة السعودية من حقها في قيادة السيارة في نظر عدد لا يستهان به من الحقوقيين أكبر جريمة بحق النساء في هذا العصر، والسكوت عنها هو جرم أكبر، حسب هؤلاء، ولذلك لا تجد ما يشغلهم سوى تحرير المرأة السعودية وإخراجها من ظلمات الحرمان إلى نور الحرية على الطريقة الغربية. وقد حدثني يوماً أحد الحقوقيين العرب أن حياته لا تعني شيئاً إن لم يحقق حلم عشيقته كي تقود به سيارته في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة.

موضوعنا ليس حق المرأة في القيادة وما فيه من تناقضات متعددة ومزايدات كثيرة وأبعاد مشبوهة يتبارى بها الرافضون والمؤيدون ولحسابات خاصة وعامة ستنكشف مع مرور الزمن حتماً، ما يهمنا هو مدى الاهتمام بهذا الموضوع على حساب ماهو أهمّ للمرأة عموماً وفي السعودية بصفة أخص.

النساء داخل السعودية ينقصهن الكثير من الحقوق التي أهميتها أكبر من قيادة السيارة والاختلاط مع الرجال في الأماكن العامة، أما خارج السعودية فهن يتعرّضن للاغتصاب في العراق بسجون غير قانونية أصلاً، وتتحكم فيها مليشيات طائفية ترعاها الحكومة على مرأى العالم، كما تتعرض أيضاً المرأة للاضطهاد والجوع، وكل ما لا يخطر على الذهن الحقوقي العالمي، في كلٍّ من فلسطين والصومال وأفغانستان والشيشان ومالي... إلخ.

على الرغم من كل ذلك، لم نسمع دعاة حقوق الإنسان يتحدثون عمّا يحدث لهن في الدول التي ذكرنا، ولا يهتمون بأمرهن كاهتمامهم بالسعوديات وقضية قيادة السيارة والاختلاط، وغير ذلك من الأمور التي صارت محل شدّ ومدّ بين تيارات لها أبعادها الإيديولوجية أكثر من الحقوقية.

أقرب مشهد يعبّر عن مأساة المرأة في العالم، هو ما يجري حالياً في سوريا، حيث تتعرّض النساء إلى ما لا يمكن تخيّله من اضطهاد وقتل واغتصاب واختطاف وتعذيب وتجويع ومتاجرة وتهجير، حتى وصل في مرحلة معينة أن طالبن العالم المتشدق بحقوق المرأة أنه إذا لم يقدر على نجدتهن؛ فما عليه سوى أن يضمن لهن -في إطار الإغاثة الإنسانية- حبوب منع الحمل؛ لحماية أحشائهن من الحمل السفاح؛ بسبب ما يجري من انتهاكات للحرمات في السجون أو في البيوت التي يتمكن "الشبيحة" من اقتحامها والعبث بأهلها دون أدنى شفقة.

أما في العراق، وحتى في بعض المناطق من سوريا، فقد تناقل ناشطون نداء لسجينات يطلبن قصف السجون والمعتقلات حتى يمتن ويرتحن من الجرائم التي يتعرضن لهن من طرف مليشيات طائفية وإرهابية تؤمن حد اليقين أن انتهاك أعراض السنّيات نوع من العبادة في موروثهم الديني للأسف الشديد.

الغريب ليس في مطالبة الناشطين الحقوقيين بما يوصف بـ "حرية المرأة" في أرض الحرمين، وليس العجيب في الاهتمام المبالغ فيه بقضية قيادة السيارة، لكن الأغرب والأعجب هو الصمت المطبق على ما يجري في سوريا من انتهاكات في حق النساء، فقد رأينا أمهات يحتضن أولادهن وقد جزّت أعناقهم، وما يندى له الجبين لا يزال في حكم المسكوت عنه، سواء بسبب أن المنطقة محافظة ولديها تقاليدها، أو أن الإعلام لم يصل بعد إلى هذا المستور.

لقد وقفت شخصياً في إطار بعثة مراقبي جامعة الدول العربية، على حالات من الاغتصاب لا يمكن أن يتخيّلها عاقل، فقد بلغت الوحشية إلى إجبار الأب على أن يغتصب فلذة كبده التي لم تبلغ سنّ الرشد بعد، كما أجبر الابن على الجريمة نفسها بحق أخته أو أمه أو جدّته، وكثيرهم رفضوا ذلك فيقوم "الشبيحة" باغتصاب البنات أو الأمهات على مرأى الآباء والأبناء، ثم يتلذّذون بذبح هذا أمام ذاك. أما ما يجري بحق المعتقلات أو البيوت التي تسيطر عليها عصابات النظام السوري فهو ملف ملغوم تجاوز منتهى الوحشية.

لا يعقل أبداً أن تصمت المنظمات عن امرأة تغتصب وتذبح حتى اضطرت إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسها وما تبقى من أطفالها، ووصل الحال إلى حمل لافتات تستفتي أهل العلم في حكم قيادة الدبابة من دون محرم، ما دام العالم لا يهتمّ بشأنها على الرغم من شعارات حقوق الإنسان التي ترفع هنا وهناك.

قد يتساءل أحدنا عن موقف المنظمات الحقوقية لو يفتي علماء المسلمين بتحريم قيادة المرأة السورية للدبابة، كما فعل بعضهم بخصوص قيادة المرأة للسيارة في السعودية. فهل يا ترى ستتحرك المنظمات ضد العلماء لمنعهم المرأة من حقها في قيادة الدبابة؟ هل يا ترى ستتحرك هذه المنظمات ضدهم أيضاً إن أباحوا لها ذلك بزعم أنه استغلال للمرأة كجنس ناعم ولطيف أو قد يتهمونهم باستعمالهن كدروع بشرية؟!

عيب وعار وشنار على من يدعي النضال الحقوقي، ويشتغل بكماليات امرأة في مكان ويتجاهل تماماً أخرى تحرم من حقها في الحياة بأماكن أخرى ولأسباب طائفية أو مذهبية أو إيديولوجية..

جريمة وانتهاك صريح بحق القانون الدولي أن يصل الأمر بالنساء إلى المطالبة بحبوب منع الحمل لتفادي المواليد غير الشرعيين من الاغتصاب، أو تلجأ أخريات إلى القتال وحمل السلاح علّها تموت في الميدان، أفضل من أن يلقى عليها القبض ويعبث المجرمون بشرفها وكرامتها. في حين يقابل ذلك بالصمت وفي أكثر الأحوال يسجّلون بعض التنديد المحتشم عبر البيانات أو من خلال مواقع الإنترنيت، لكن يجري إقامة الندوات والتجمعات حتى تجبر السعودية مثلاً على إباحة التبرج والعري والاختلاط.

إن كانت المرأة في السعودية تنقصها كماليات مثل قيادة السيارة، ومن حق المنظمات الحقوقية أن تهتم بذلك، لكن المرأة نفسها تعاني في سوريا والعراق وبورما والصومال وغيرها، من حرمان حقيقي من أدنى حقوقها كبشر، بل أكثر من ذلك تغتصب وتعذّب وبأبشع الطرق، حتى إن معلومات موثقة من سوريا تؤكد أن الشبّيحة يدخلون الفئران في فروجهن، ويفعلون بالنساء ما أعجز في وصفه الآن.

إن كان الحقوقيون يريدون للمرأة في السعودية أن تختلط مع الرجال، فيوجد في مناطق أخرى يفرض بالقوة على الزوج أن يغتصب ابنته والأخ مع أخته والابن مع أمه، ومن يرفض يقطع عنقه بطريقة وحشية لا تخطر على بال بشر.

للأسف؛ مؤلم أن نرى المنظمات الحقوقية تكيل بمكيالين، وتراها تخدم الأجندات الإيديولوجية وتتجاهل القوانين والمواثيق الدولية التي لا تفرّق بين النساء، سواء دينياً أو عرقياً أو غير ذلك. ولكن للأسف يحدث هذا بكثير من الظلم وعلى حساب قيم الحقوق والحريات الحقيقية التي أرست دعائمها القوانين والمواثيق الدولية التي صارت عمياء مع النساء المسلمات.

نحن لسنا في زمن دعاة حقوق الإنسان بل مع أدعياء هذه الحقوق المهضومة على مرأى العالم، فالمرأة التي تريد أن تنسلخ من قيمها الإسلامية تجد الدفاع عنها قائم على قدم وساق، ولكن المرأة التي تحافظ على دينها فهي لا حق لها. وهذا لعمري يؤكد مدى النفاق الحقوقي الذي نتبرأ منه في الدنيا والآخرة.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة
عاجل

مصادر إعلامية: مجلس الشيوخ الأمريكي يقر أيضاً مشروع قانون يحمل ولي العهد السعودي مسؤولية قتل خاشقجي