نحن والمرحلة الثانية من فوضى أمريكا (الخلاقة)!

أدرك الغرب خطورة التحدي الحضاري - الثقافي للمجتمع المسلم الموحد، فعمل على استغلال فرصة ضعفه للإجهاز على (الرجل المريض).

الجمعة، 10-10-2014 الساعة 10:14


عندما بدأت القوى الكبرى تطبيق نظرياتها وتصوراتها للعالم الجديد (عالم القرن العشرين) على أرض الواقع، فإنها بدأتها بحرب كبيرة هي الحرب العالمية الأولى عام (1914م). واستمرت الفوضى تضرب أطنابها في جهات الأرض الأربع لتصل بعد عشر سنوات (1924م) إلى أهدافٍ كان أهمها إنهاء الإمبراطورية -الخلافة العثمانية- وتحويلها إلى دول ودويلات متعددة مع عدة ألغام وإشكاليات ديمو-جغرافية قابلة للانفجار في أي لحظة.

لقد أدرك الغرب خطورة التحدي الحضاري - الثقافي للمجتمع المسلم الموحد، فعمل على استغلال فرصة ضعفه للإجهاز على (الرجل المريض) قبل أن يتعافى من مرضه، وعمل وفق خطة طويلة النفس على شَرذَمة ثقافة الأمة، والنفخ في ثقافات وتحزبات وطنية وقومية وعرقية متنازعة- انتدب لها المستشرقين والمبشرين والابتعاث الممنهج -ليكرس حالة الانقسام كواقعٍ جديدٍ مع إيجاد وتغذية عوامل استمراره.

ولعلَّ أبرز وثيقة توضح خطوط وطبيعة هذه الاستراتيجية والخطط والبرامج التي استخدمتها هي (وثيقة كامبل) الصادرة عن مؤتمر كامبل بنرمان (رئيس وزراء بريطانيا في تلك الحقبة)، وهو مؤتمر انعقد في لندن عام 1905 واستمرت جلساته حتى 1907، بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين لإيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن، وحدد المخاطر التي تواجه توسع الحضارة الغربية، وأنها قادمة من الدولة العثمانية، لا سيما بعد أن أظهرت شعوبها يقظة سياسية ووعياً ضد التدخل الأجنبي والهجرة اليهودية.

ورأى المؤتمر أن خطورة الشعب في هذه المنطقة تأتي من عوامل عدّة يملكها: وحدة التاريخ واللغة والثقافة والهدف والآمال وتزايد السكان. ورأى المؤتمر ضرورة العمل على استمرار وضع هذه المنطقة متأخراً، وعلى إيجاد التفكك والتجزئة والانقسام وإنشاء دويلات مصطنعة تابعة للدول الأوروبية وخاضعة لسيطرتها. ولذا أكدوا على فصل الجزء الأفريقي من المنطقة عن جزئها الآسيوي، وضرورة إقامة الدولة العازلة Buffer State، الصديقة للدول الأوروبية... وهكذا قام الكيان الغاصب في تل أبيب لمحاربة أي توجه وحدوي في الأمة.

وأبرز ما جاء في توصيات المؤتمر، هو إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة، وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة إليهم إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: دول الحضارة الغربية المسيحية (أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا) والواجب هو دعم هذه الدول مادياً وتقنياً.

الفئة الثانية: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية ولا تتصادم أو تشكِّل تهديداً حضارياً لها (كدول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها) والواجب هو احتواء هذه الفئة عبر شراكات طويلة الأمد، ودعمها بالقدر الذي لا يشكل تهديداً على الغرب وتفوقه.

الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية ويوجد تصادم أو تشكِّل تهديداً حضارياً للغرب (العالم الإسلامي) والواجب هو حرمانه من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية، ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول -لاحقاً- لامتلاك العلوم التقنية.

اليوم ومنذ أكثر من أربعين سنة، ومع ظهور دعوات الوحدة العربية والصحوة الإسلامية، ومحاولات إعادة إنتاج ثقافة الأمة واستئناف نشاطها الحضاري، تنبه الغرب إلى هذا الجهد -رغم عدم اكتمال تصوراته ووسائله وأدواته كمشروع - وبدأ بوضع خطط وصياغة سيناريوهات ونظريات استباقية وإيجاد فضاءات وأدوات، ورسمِ سياسات وبرامج إعلامية تصب في تعطيل ذلك الجهد المتواضع، فتكلم مفكرو الغرب عن صدام الحضارات، وعن نظرية نهاية التأريخ التي تبشر بهيمنة النموذج الغربي كحالة قدَرية بما يشبه ما دعا إليه الشيوعيون (المادية التأريخية) وإن اختلفا في النظرة والنظرية، وتكلم سياسيوه عن الشرق الأوسط الكبير/ الجديد وعن نظرية الفوضى الخلاقة (البنّاءة) -وهي في حقيقتها (الخنّاقة والهدامة)، وعن العولمة، بل عن (أمركة العالم) وقرن الحلم الأمريكي باعتبار أمريكا قائد العربة الأولى في قطار الحضارة الغربية ومظهر نموذجها الأبرز.

ولكي يوقفوا هذه الصحوات والدعوات الوحدوية في الأمة، كان لا بد من البحث عن لاعبٍ إقليمي يمثل ضداً نوعياً على صعيدي (الدين والقومية)، ووجدوا ضالتهم في الدعوة الخمينية -الفارسية قوميةً والشيعية طائفةً- مضحين بأكبر حليف لهم في المنطقة (الشاه) لأنه لم يعد يصلح لمرحلة نشر الفوضى الفكرية والثقافية في المنطقة كبيئةٍ لتطبيق النظريات والسياسات والخرائط الجديدة.

وقد بدأ الخميني حملة التبشير لدعوته بشعارات براقة تنم عن معاداة الغرب -وتحديداً الشيطان الأكبر (أمريكا)- وتنادي بتحرير الأقصى من قبضة الاحتلال (الإسرائيلي)، وهما ما أثبتت الأيام والأحداث عدم جديتهما.

ولكي نفهم المعادلة الغربية وكيفية استفادتها من اللاعب الإيراني وواقع المنطقة، فعلينا أن نقف أمام أربع محطات أساسية فيها هي -حسب أسبقية الحدث- (بيروت، كابول، بغداد، صنعاء) لنرى أن المشروع الإيراني تمدد في ظروف متشابهة وتكرار لنفس السيناريو، بالاتفاق مع الغرب في حالتي لبنان واليمن، أو بيد الغرب في حالتي العراق وأفغانستان.

فجميع هذه الدول تتصف بأنها أراضٍ رخوة لما حصل فيها من أحداث وحروبٍ داخلية وخارجية، وجميعها فيها أكثر من قوتين منقسمة طائفياً وعرقياً، ففي لبنان نجد القوى الرئيسة الثلاث هي السنة والشيعة والنصارى، وفي أفغانستان نجد البشتون والأوزبك والهازارا (الشيعة)، وفي العراق نجد الأكراد والشيعة والعرب السنة، وفي اليمن نجد الشماليين والجنوبيين والحوثيين، وهذه الدول مثلت أنسب بيئات لانطلاق ونشر نظرية الفوضى (الخلَّاقة) وكانت دعوة الخميني عمود هذه الفوضى الفقري.

حيث كان التكتيك يقوم -دائماً- على تقوية إيران للطرف الشيعي من المعادلة مع إعانة خفية -أو غض طرف- غربي، يرافقه استمالة نسبة كبيرة من الطرف الثاني (ترغيباً وترهيباً) والعمل على شق صف الطرف الثالث (وهو دائماً أقوى ممثل للسنة في تلك البلدان).

ولقد نجح الغرب عبر تحريك ملفات/ ألغام طائفية - عرقية مقصودة في خطة سايكس - بيكو وعبر السماح بتشكيل مليشيات تتغول على أدوار الجيوش الوطنية (كحزب الله اللبناني والعصائب وبدر وجيش المهدي وغيرها العراقية وأنصار الله اليمني) قابلهم تمدد مريب لمليشيات متطرفة محسوبة على أهل السنة غذتها أحداث ممنهجة، نجح عبر ذلك في إتمام المرحلة الأولى من نظرية الفوضى الخلاقة (مرحلة الفوضى الفكرية وإنشاء الجيوب المليشياوية)، واستعد اليوم للدخول في المرحلة الثانية منها وعنوانها (فوضى المليشيات والسلاح) حيث سيتكرس في كثير من دول الشرق الأوسط نموذج اللادولة (non state actor) على أرض الواقع.

وكما احتاج الغرب في القرن العشرين إلى عشرة أعوامٍ (1904 - 1914) لزراعة فكر تقسيم الدولة العثمانية ودعم أحزاب وقبائل وأقليات وتقديم الوعود البراقة (مثل وعود لورنس)، فقد فعل هذه المرة بعد احتلال العراق وأفغانستان بدءاً من بداية عام 2004 - 2014م.

وبعد عشرة أعوامٍ (1414 - 1924) حقق الغرب هدفه الأقرب بتهديم الدولة العثمانية، تماماً كما يسعى اليوم ليجني ثمرة المرحلة الثانية (2014 -2024) في مرحلة تتحول السيطرة -والصراع - فيها بيد المليشيات على حساب الجيوش النظامية تمهيداً لرسم حدود الدم الجديدة على أسس (عرق - طائفية) وذلك ما سيسعون لتحقيقه في المرحلة الثالثة كما فعلوا في العقد الثالث من القرن العشرين عبر تنفيذ اتفاقية (سايكس - بيكو).

يأتي ذلك في ظل استسلامٍ شبه تامٍ على المستويين الرسمي والشعبي لدول المنطقة وانعدام للمشاريع وغياب لآفاق الحلول، وذلك ما يسهل على الطامعين تحقيق أهدافهم والوصول إلى غاياتهم بسهولة ويسرٍ، ما لم تتدارك القوى الحية في هذه المنطقة أمرها وتراجع حصادها وتصحح مساراتها وتوحد صفوفها -على اختلاف توجهاتها- وتقرأ الواقع جيداً وتستوعب تعقيداته وتشعباته وتحالفاته ثم تبني مشروعها الخاص عبر الجمع بين الإمكانات والسيطرة على التناقضات وإلا فلينتظروا الأسوأ ولا يلومنَّ خائبٌ إلا نفسه.

ولن يساعدنا في تغيير هذا الواقع مشاركة بعض دول وجيوش المنطقة في التحالف الدولي الجديد الذي يكاد يتباين حجم قوى النزاع فيه وقيمة الأهداف -المعلنة- المرجوة منه أن تفضح أغراضه الحقيقية المخفية في زوايا عقول مهندسي علاقاته وراسمي خططه.

وتستطيع المنصوري -أو غيرها من الطيارين العرب- أن تقود طائرة (إف 16) وأن تقوم بتعقب وقصف سرايا وأفراد وأوكار تنظيم "الدولة"، ولكنها تفتقر للرؤية الاستراتيجية التي توظف هذه الطلعات الجوية ضمن مشروع كبير وواضح المعالم، فمن لا يتحكم بالمدخلات لا يحسن جني المخرجات، وعلى أبناء هذه المنطقة أن يواجهوا أنفسهم -حكاماً ومحكومين- ويعترفوا أننا جميعاً -بلا استثناء- كنا السبب الأول في الذي وصلنا إليه اليوم، فنحن نعيش فوضى داخلية حقيقية على كل الصعد والاتجاهات، وتلك الفأس بالذات هي أكثر ما تحتاجه نظرية الفوضى (الخلّاقة).

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة