نزعة الحروب وتحولاتها التاريخية..

قطعاً يأتي الاستيلاء على الثروات القومية هو الأساس في الحروب الأولى والأخيرة.

الخميس، 15-01-2015 الساعة 08:18


عند قراءة التاريخ وتحولاته تجد أن بلدان الحضارات القديمة كانت هدفاً للغزوات والاحتلال رغم تراثها وغناء طبيعتها وسلام شعوبها، ويعود السبب لضعفها العسكري وبناء قوتها الذاتية وخاصة في مصر والهند والصين، التي ظلت ضحية الاحتلال عكس حضارتي الغرب الإغريقية والرومانية، وكذلك الفارسية والتي أسست عقيدة بناء القوة في تشييد إمبراطورياتها، ثم لتستمر العمليات لما بعد عصر النهضة ليأتي التوسع الاستعماري لنفس الغايات، ومع وجود حضارات عميقة الجذور في تلك البلدان لم نجدها تبحث عن نفوذ خارج جغرافيتها الغنية، غير أن أسباب ضعفها الداخلي جعلها فريسة غيرها دون أن تؤسس في منشأ حضاراتها سياسة التوسع والمغامرات العسكرية التي طبعت حضارات أخرى، ولعل دور المكان، وسلمية الفلاحين الذين شكلوا معمار الأرض، ونزوعهم للاستقرار كشعوب مسالمة وفي ظلهم نشأت الفنون المعمارية والطب والهندسة بما تعد تطوراً لشعوب وحضارات أخرى، ربما كانت الدافع لمبادئ السلم..

السبب قد لا يكون جبناً في تلك الشعوب للدفاع عن وجودها وكياناتها، فقد استطاعت أن تقاوم وتصد المحتلين من العديد من الشعوب، ومن المفارقات التاريخية أن نجد بلداناً مثل البرتغال تحتل إندونيسيا وبلداناً خليجية عربية، وأن هولندا هي من أقام مبدأ الاستعمار، وعد باقي الدول شبه "الميكروسكوبية" التي غامرت ونجحت في احتلال بلدان هائلة المساحات والتعداد السكاني..

قطعاً يأتي الاستيلاء على الثروات القومية هو الأساس في الحروب الأولى والأخيرة، وهذا المبدأ لا يزال قائماً وعميقاً في سيكولوجية الدول الأقوى على الأضعف، إلا أن التطورات التي جعلت من الأسلحة الحديثة قوة بيد الشعوب المحتلة غيرت موازين الحروب الشعبية، والتي لا تلتقي مع مبادئ الجيوش التقليدية، حيث شهد العالم كيف انتصرت دول متخلفة مثل فيتنام وأفغانستان والجزائر ودول أخرى في جميع القارات على تحرير ذاتها، وحتى عندما نعود إلى بلدان الحضارات الأساسية العظيمة، نجد أن كفاح مصر ضد الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي، والثورة الكبرى للصين، والسلمية التي قادها غاندي في الهند غيرت صورة الاستسلام إلى حروب التحرير، بمعنى أن الدوافع تتغير مع الأزمنة ولذلك فليس هناك شعوب مستكينة وأخرى لديها نزعة الفتوحات، ولعل ما بعد الحربين الكونيتين وسقوط دول عظمى وحلول غيرها، لم تعد اليابان وألمانيا وإيطاليا على ذات العقيدة، وحتى عندما جاء البديل الآخر، السوفييت والأمريكيين ومحاولة توسيع دوائر نفوذهما، صدموا بواقع شعوب لديها عقيدة المقاومة، لكن في عصر ما بعد الاستعمار، جاءت أساليب الهيمنة الحديثة الاقتصادية التي تجمد الأرصدة، وتوقف المبادلات التجارية والتسليح، والعمل على فرض أساليب الحصار بأنواعه المختلفة، كقوة ضغط مارستها تكتلات حلف الأطلسي وغيرها، وهي الأسلحة الفاعلة بمبدأ الحروب الناعمة الحديثة، ولعل المتفائلين بسلم عالمي يجعل تكافؤ الفرص والسباق نحو العلوم التي تخدم البشرية وبيئاتها حلماً صعباً في أزمنة رعب الحروب، والدليل أن الإبقاء على الأسلحة الفتاكة لا يزال هاجس من يملكونها كرادع، وربما التهديد باستعمالها عند الحاجة.

(الرياض السعودية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة