نصمت عندما ينام أطفالنا… وليس عندما يقتلون

من يظن أن غزة تنزف فهو مخطئ، وليراجع نفسه، إنما غزة تتبرع بدمائها لأمة أصبحت بلا دم وبلا دم وبلا دم.

الاثنين، 04-08-2014 الساعة 13:54


هل لديكم أدنى شك إن أصبح في كل بيت فلسطيني شهيد، وجريح، وأسير، وشيخ كبير، ومعاق على سرير، ومع ذلك، ورغم الجرح النازف، ما زالت غزة تسجل العطاء والعزة، وتسطر بدماء أبنائها والأشلاء الممزقة في سفر التاريخ ملحمة العشق لفلسطين، فمن وسط جحيم الأرض المحروقة، ودوي القنابل، وأزيز الرصاص، وهدير الطائرات الحربية التي تصب من دون هوادة على أهلنا وشعبنا ومنازل الآمنين العزل، وتطحن عظام الأطفال، والنساء، والشيوخ، بالموت الأسود أمام صمت العالم، إلا أنها تجسد صموداً أسطورياً في وجه العدوان والطغيان.

نحن في غزة نموت وقوفاً كالأشجار، ولا نستسلم أبداً، نموت في بيوتنا وعلى أرضنا، ونصنع من أنفسنا حاجزاً ومن صدورنا درعاً لنحمي أطفالنا.

نحن نصمت عندما ينام أطفالنا حتى ينعموا بالأمن والأمان، ونحتضنهم حتى يشعروا بالعطف والحنان، لا عندما يقتلون، فأطفالنا فلذات أكبادنا، نحيا من أجلهم ونموت من أجلهم.

مع أن ما يحدث في غزة يندى له الجبين ويحترق له القلب، إلا أننا ومع ذلك لن نقول: "يااا عرب"، بل نقول وسنقول: "يااا رب"؛ لأن الله حي لا يموت، أما العرب فهم داخل بطن حوت.

لا ننكر أن هناك أصواتاً شعبية عربية صادقة مخلصة تستنكر ما يحدث لأطفال ونساء وشباب غزة، ولكن هذه الأصوات لم تخرج من قلبها، وهو أضعف الإيمان، ولا ننكر أن في فمها ماء كثيراً، ولكنها مغلوبة على أمرها.

مشهد العيد…

قبل العيد بساعات ارتدت صفحات عدد من الفلسطينيين، وخصوصاً صغار السن، على موقع فيس بوك، صورة لطفل يحمل لوحة كتب عليها: "غزة ما فيها عيد… فأخي شهيد… وصديقي شهيد… ودوري ليس ببعيد"، فأي فرحة وأي عيد ارتسم على فيه أطفال غزة، الذين دمرت بيوتهم ومات ذووهم ومزقت أجسادهم، أي فرحة وأي عيد وهم الذين شُردوا من بيوتهم وسكنوا المدارس، والمنتزهات، والطرقات، وتحت الأشجار، على جوانب أسوار المستشفيات حتى يكونوا مهيئين إما للعلاج وإما للصعود إلى رب العباد، رب الملوك والأمراء والرؤساء وحتى الأثرياء.

يقول أحد أقربائي من الدرجة الأولى، وهو أحد المشردين من بلدة خزاعة، بعد أن قصف الجيش الإسرائيلي بيته وسوّاه بالأرض، وصوته يضحك وكأن شيئاً لم يكن: الحمد الله، أمنت والدي ووالدتي وزوجتي وأولادي، فتركت زوجتي وبنتيّ الاثنتين عند إحدى العوائل في مدينة خانيونس، وتركت ولدي عند إحدى المدارس مع أقرباء لي، أما والدي ووالدتي فتركتهما في مدرسة أخرى مع فصل الأب والأم، كل في جهة، وأنا أنام تحت شجرة أستظل بها بالقرب من باب قسم الطوارئ لمستشفى ناصر في خانيونس، فسألته: لماذا هذا التبعثر؟ فأجابني: "إذا ماتت زوجتي وابنتاي بقي ولدي ووالدي ووالدتي، وإن مات ولدي بقي والدي ووالدتي وزوجتي وابنتاي، وإن مت أنا بقيت أسرتي".

لذلك أقول: نعم، نصمت عندما ينام أطفالنا وليس عندما يقتلون، ما يحدث في غزة تعجز عنه الكلمات، وتتبعثر معه المفردات، وتصبح الجمل بلا نقاط، فيتلعثم اللسان عن الوصف، وتضيع المعاني والمشاعر والإحساس، ومن يظن أن غزة تنزف فهو مخطئ وليراجع نفسه، إنما غزة تتبرع بدمائها لأمة أصبحت بلا دم وبلا دم وبلا دم.

(السياسة الكويتية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة
عاجل

نيويورك تايمز: الاستخبارات الأمريكية لديها أدلة بقرائن تؤكد تورط بن سلمان بقتل خاشقجي