نظام الأسد لن يرحل إلا بالرصاص

سوريا الآن محتلة من طرف إيران بدعم عسكري روسي، والشعب السوري يقاوم لتحرير بلده ويواجه حرب إبادة وهو أعزل لأن العالم المتشدق بحق تقرير المصير يمنع عنه السلاح.

الأحد، 01-05-2016 الساعة 12:00


بحكم تجربتي في بعثة المراقبين التي أرسلتها جامعة الدول العربية في 2011/12/25 بعد توقيع بروتوكول بين حكومة بشار الأسد والأمانة العامة لنبيل العربي بالقاهرة في 2011/12/19، أستطيع التأكيد أن نظام الأسد لم ولن يعرف غير الرصاص، وهذا الذي وجب أن نقرّ به ونرفعه إلى كل العالم خاصة أولئك الذين يراهنون على مخرج سياسي مع نظام السفاح بشار الأسد المدعوم من سفاحين آخرين يوجدون في عواصم أخرى ومنها طهران وموسكو.

لقد دخلت بعثة الجامعة العربية إلى سوريا في ظروف ليست مثل هذه الظروف التي تمر بها سوريا، التي تجاوزت فيها الأزمة القائمة ما يمكن تخيله من الإجرام العالمي الذي يمارس على شعب أعزل رفع شعارات عن الحقوق والحريات والكرامة الآدمية التي هي من أكبر الحقوق المكفولة في كل المواثيق والشرائع والقوانين الدولية.

كان بإمكان نظام الأسد حينها أن يستغل فرصة البعثة وينقذ سوريا من مآلات سيئة للغاية، تنبأت بها في خطاب استقالتي الذي نشرته صباح يوم الجمعة 2012/01/06، ولو فعلها حينها لكان شريكاً في الحكم والبلد ليست كما نراها الآن تغرق في مستنقعات الدماء والدمار.

غير أن بشار الأسد قبل ببعثة المراقبة كي يتحول المراقبون إلى مجرد شهود أجانب يشرعنون خياراته الأمنية المطلقة، ويعطونه الضوء الأخضر للانطلاق المبكر لما يسمى "الحرب على الإرهاب".

منذ بداية الثورة السورية ونظام الأسد وحلفاءه يراهنون على إغراق البلاد في مستنقع الحرب العالمية على الإرهاب، حيث كانوا يتهمون الثوار بالانتماء إلى تنظيمات متشددة ومنها "القاعدة" وغيرها، ولما شعر بأنه لم ولن يفلح في ذلك وهو أمام كاميرات الثوار التي تغلبت على ادعاءاته بنشر مظاهرات سلمية لمواطنين تجدهم يرددون أغاني وأهازيج وأناشيد الحرية والكرامة، لجأ لخيار آخر حيث قام بإطلاق سراح المتشددين من سجونه، وتعاقد استخباراتياً مع نظام نوري المالكي و"حزب الله" تحت رعاية المخابرات الإيرانية في بيروت، على تقوية التنظيم الذي كان يعرف حينها بتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق" حيث تم تسهيل الفرار من سجون العراق لأكثر من 2000 مقاتل خطير للغاية، فضلاً عن رفع الحراسة عن الحدود العراقية السورية، وبذلك ساعدوا رسمياً ميلاد "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" والذي صار يعرف اختصاراً بـ"داعش".

لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد مع تواصل الثورة الشعبية ضد نظام الأسد، فلجأت حكومة العراق إلى تسهيل سقوط الموصل التي كان بها أكثر من 30 ألف جندي من الجيش الحكومي مدجج بأحدث الأسلحة الأمريكية الثقيلة، وفر أمام ما يقل عن 10 آلاف مقاتل من "داعش" كانوا مسلحين بأسلحة خفيفة، وبذلك تمكن التنظيم من السيطرة على المليارات من الدولارات وأطنان من الذهب وأسلحة ثقيلة حولته من تنظيم بسيط يسهل القضاء عليه إلى دولة تمتد من الموصل إلى الرقة مساحتها تعادل مساحة بريطانيا العظمى، وصار بعبع الإرهاب العالمي الذي تحسب له الكثير من الحسابات الإقليمية والدولية.

لا يعقل أبداً أن الذي قام بمثل هذه الأفعال المهددة للأمن والسلم العالمي، وأن الذي قتل الكثيرين من المواطنين ووصل لدرجة قصفهم بالكيماوي في مجازر فظيعة للغاية استهدفت الأطفال الرضع في آخر هزيع من الليل، سيستجيب للحلول السياسية ويجلس على مائدة المفاوضات مع من يراهم مجرد إرهابيين يجب إبادة نسلهم من الوجود.

أثناء وجودي في بعثة المراقبة حاولت بقدر الممكن أن أساهم في بلورة أفكار لحل الأزمة المتصاعدة من خلال اللقاءات التي جمعتني مع كبار المسؤولين في النظام السوري ومنهم العماد آصف شوكت ووزير الداخلية محمد الشعار واللواء علي المملوك واللواء غسان عبد العال وغيرهم، إلا أن حديثهم كله كان عن الخيار الأمني والعسكري ضد الإرهاب، وفي ذلك الوقت لا يوجد بين الثوار المدنيين إلا بعض عناصر الجيش الذين رفضوا قتل المدنيين وانشقوا عن الجيش النظامي، وصاروا يقومون فقط بحماية المتظاهرين من القناصة أو بعض الأحياء من عصابات "الشبيحة" التي تتسلل إلى البيوت وتمارس ما لا يمكن تخيله من النهب والقتل والاغتصاب.

منذ اندلاع الثورة السورية ونظام الأسد يحاول ربح الوقت فقط بأيّ وسيلة كانت، وهو الذي فعله مع المراقبين التابعين لجامعة الدول العربية ثم الأمم المتحدة، والأمر نفسه ظل يراهن عليه مع المبعوثين الدوليين منذ كوفي عنان مروراً بالأخضر الإبراهيمي ثم آخرهم دي ميستورا، وسيبقى كذلك مع المبعوثين اللاحقين الذين سيكون مآلهم جميعاً الفشل والاستقالة، لأن سياسة الأمم المتحدة مثل من يريد أن يخيط الحديد بإبرة قماش.

المشكلة الأساسية لدى المجتمع الدولي تكمن في النظرة الخاطئة لطبيعة ما يجري في سوريا، حيث إن مبادرات الحوار والحل السياسي بين نظام ومعارضة تكون لما يكون الخلاف أو الصراع من أجل كرسي الحكم، غير أن ما يجري في سوريا هو حرب إبادة شنها نظام الأسد ضد الشعب السوري الذي طالب بتقرير مصيره مثله مثل كل الشعوب الأخرى في العالم الذي يكفل في قوانينه ومواثيقه الدولية هذه الحقوق.

سوريا الآن محتلة من طرف إيران بدعم عسكري روسي، والشعب السوري يقاوم لتحرير بلده ويواجه حرب إبادة وهو أعزل؛ لأن العالم المتشدق بحق تقرير المصير يمنع عنه السلاح.

هذه هي الحقيقة التي وجب أن يتعامل معها المجتمع الدولي إن كان بالفعل يريد حل هذه الأزمة التي ستفكك المنطقة، وتكون تداعياتها وخيمة على السلم العالمي، وستطال حتماً الجميع وليس الدول العربية والإسلامية فقط، ونحن رأينا ذلك من خلال عمليات إرهابية طالت باريس وبروكسل تبناها تنظيم "داعش" المصنوع من طرف مخابرات إيران والمدعوم من نظام الأسد نفسه.

لا يوجد شيء اسمه رئيس سوريا ولا نظام حكم قائم حتى يتحاور معه الشعب السوري، والموجود هو احتلال إيراني مدعوم عسكرياً من روسيا، ومن حق الشعب السوري أن يقاوم بكل الوسائل المتاحة عنده.

المحتل الإيراني والروسي ظل يسوق لأطروحة نظام الأسد حتى يبعد عنه شبهة الاحتلال القائمة والكاملة الأركان، لأن تغيير هذا المنطلق سيقلب الكثير من الموازين في المنطقة، وسيشكل ضربة قاصمة لمشروع ملالي طهران؛ لأنه سيطرح أيضاً قضية وجود مليشيات أخرى في كل من لبنان واليمن والعراق، وسيصل حتماً حتى لقضية الاحتلال الإيراني للأحواز العربية.

إن كل المعطيات القائمة تؤكد أن نظام الأسد هو مجرد واجهة مقننة لتبرير الاحتلال الرسمي لسوريا، والرهان على حوار مع الواجهة دون المحتلين الحقيقيين هو مجرد قفز على الحقيقة التي ستطيل عمر المأساة وستزيد في وحشية الغزاة فقط.

نظام بشار الأسد لا يؤمن إلا بالحل العسكري ولا حل معه سوى المواجهة العسكرية، فالغزاة لا يغادرون أوطاناً يحتلونها بالورود بل بالبارود فقط، ومن يدّع غير ذلك فهو ضد الثورة لتحرير بلاد الشام من الاحتلال الأجنبي، ولو كان يقول إنه يصطف مع الشعب السوري أو يعادي مشروع إيران الهدام.

الذين يمثلون الثورة السورية وجب عليهم التبرؤ العلني من مصطلح المعارضة الذي يوصفون به وتصر عليه أطراف دولية وإقليمية، ويتم الاعلان عن حركة تحررية في سوريا ضد الغزو الإيراني المدعوم من روسيا، ومن دون ذلك ستظل جنيف مسرحاً للعبث الدولي الذي يخدم المحتلين، وللأسف على حساب أرواح الملايين من السوريين الذي يقتلون ويهجرون ويعذبون ويختطفون على مرأى العالم برمته.

أخيراً وليس آخراً أقول:

إن الذين يراهنون على حل سياسي مع نظام الأسد مثل من يراهن على علاج الذكور المصابين بداء الإيدز عبر حبوب منع الحمل؛ فهو نظام لا يؤمن إلا بالقتل والإبادة، والدليل ما يجري حالياً في حلب التي صارت تحترق تحت القصف ببراميل متفجرة وأسلحة ثقيلة تنفذها قوات الأسد وحليفه الروسي بوتين، وفي وقت يقود فيه المبعوث الأممي جولاته الماراثونية في عاصمة حقوق الإنسان بسويسرا للأسف الشديد.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة