نظرة في التفوق العسكري....(على هامش الملحمة... في غزة)

انهار... التفوق العسكري الهائل للجيش الإسرائيلي..... بفعل تكتيكات بسيطة انتشرت تحت الأرض عناصرها.

الاثنين، 28-07-2014 الساعة 13:56


انهار... التفوق العسكري الهائل للجيش الإسرائيلي..... بضمنه 200 رأس نووي أو أكثر، نعم انهار... بفعل تكتيكات بسيطة انتشرت تحت الأرض عناصرها... صاروخ محلي الصنع، وسيلة إطلاق متواضعة، موضع بدائي على شكل نفق، مقاتل عزوم، مباغتة وكتمان.... ربما نضيف لذلك فصائل مقاتلة مثابرة صبورة، ومؤمنة بقضية مستعدة للتضحية في سبيلها حد الاستشهاد. في المقابل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بنيت لتلبي أغراض الحروب التقليدية، وعلى وجه الخصوص الحرب الخاطفة، وهي غير مؤهلة لقتال حرب العصابات ولا قتال الشوارع ولا حروب الاستنزاف... وبالتالي فإنها الخاسرة في كل يوم يضاف إلى زمن الحرب.... هنا أستطيع أن أقول بأن التكتيك تفوق على الاستراتيجي، وبعد مرور 19 يوماً على العدوان حتى الآن، ورغم التفوق الهائل كماً ونوعاً، فإن غزة، ورغم الخسائر والضحايا ما زالت قوية صامدة، لم تركع كما تمنى موشي يعالون وزير الحرب، ولن تركع.... مجموعة مقاتلين لا يشكلون جيشاً نظامياً، يصمد أمام آلة عسكرية قوية 19 يوماً حتى الآن، والإصرار على مواصلة القتال في أعلى مناسيبه، بينما عجزت جيوشنا النظامية على الاستمرار في القتال لما يزيد على 6 أيام في حرب 67، و16 يوماً في حرب 73!!

في ضوء هذا الصمود الأسطوري لحماس، لن يحقق العدوان أغراضه، ولن تخرج إسرائيل منتصرة... وبذلك يكون التفوق العسكري لإسرائيل قد فقد مغزاه وأغراضه.

نتائج هذه المنازلة العبثية من جانب إسرائيل، والتي لم يكن لعدوانها أي مبرر يستدعي تحملها خسائر جسيمة بلغت حتى الآن ما يقارب 6 مليارات دولار، إضافة إلى 40 - 55 قتيلاً، ناهيك عن اهتزاز سمعة المؤسسة العسكرية التي طبقت شهرتها الآفاق، سوف ينعكس دون ريب على الموقف الشعبي في إسرائيل من المؤسسة العسكرية، والتي بلغت ميزانيتها لهذا العام فقط 17.5 مليار دولار، بما يفوق 8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفي اقتصاد متواضع فإن هذا الرقم يعني الكثير لدافع الضريبة الإسرائيلي.

ومنذ نكبة عام 1967، مروراً بحرب عام 1973، فإن الموازنة العسكرية التقليدية بين العرب وإسرائيل عادة ما تصب في صالح الأخيرة، وهو ما كان يشكل ردعاً كافياً يوفر لها فرصة الاستهتار والعبث بأمن العرب متى شاءت وكيف شاءت، ضامنة أن لا أحد من العرب يجرؤ على الرد حتى ولو على نطاق محدود. هذا ما حصل في هجوم إسرائيل على مفاعل تموز في العراق عام 1981 (ربما لانشغال العراق بالحرب مع إيران آنذاك لكنه ثار عام 1991 بصواريخ سكود)، وما تكرر من هجمات على أهداف منتخبة في سوريا اعتباراً من عام 2003، ومروراً بعام 2007، حيث قصفت المنشأة النووية في دير الزور، حتى عام 2013، حيث قصفت إسرائيل قافلة تحمل صواريخ يبدو كانت موجهة إلى حزب الله، إسرائيل مطمئنة إلى استحالة الرد بسبب فقدان الإرادة للمواجهة لا غير، رغم أن النظام السوري يمتلك ترسانة ضخمة من الصواريخ بعيدة المدى بإمكانها الوصول إلى عمق إسرائيل وإصابة الأهداف بدقة، لكن المسألة باتت مختلفة تماماً عندما تجرأت إسرائيل على قصف غزة انتقاماً - كما بررت في وقت لاحق - من قتل ثلاثة مستوطنين، حملت منظمة حماس المسؤولية، هنا لم تتردد حماس بالرد المباشر على العدوان انطلاقاً من حقيقة أن حساباتها بالنسبة للتفوق تختلف عن الموازين التقليدية التي تعتمدها الأنظمة، بل ردت غير هيابة بالتفوق الساحق لإسرائيل. رغم تفهم الجميع لموقف حماس فيما لو كانت اختارت ذات النهج؛ أي عدم الرد، كما فعل النظام السوري، رغم الفارق الكبير في الإمكانيات العسكرية لكلا الطرفين، أقصد حماس من جهة والنظام السوري من جهة أخرى.

الأنظمة العربية -إلا من رحم ربك- تبدو مصابة "بالعديد من الأمراض المزمنة، من بينها قصر النظر"، ولا أدري كم هي تحتاج لغرض أن تتحرك إعلامياً وسياسياً وإغاثياً... بالطبع لن أقول عسكرياً، فهذا لم يعد في الحسبان، كم ينبغي أن يسقط من الأطفال الشهداء، كم بيتاً ينبغي أن يهدم على ساكنيه، كم مدرسة ومستشفى ومسجداً ينبغي أن تتحول إلى أنقاض... حتى تتحرك هذه الأنظمة وتتعاطى، ولو بالحد الأدنى، مع مأساة غزة... موقف يدعو للخجل، لكن هذه الأنظمة ومن بينها بالطبع نماذج غاية في السوء والبطش، باتت المثل والنموذج للسلبية العربية، وأقصد النظام السوري صاحب نظرية المقاومة والممانعة، وشقيقه التوءم النظام العراقي الأسير لدولة ولاية الفقيه والتي كانت صدعت رؤوسنا بأن الطريق إلى القدس يمر من خلال بغداد.. والآن سقطت بغداد العزيزة في براثن نفوذها... لماذا لا تتحرك، لماذا لا يفتي مرشدها، على الأقل تعاطفاً مع غزة، إيقاف قصف مؤيدي غزة في سوريا والعراق بالبراميل المتفجرة...!! هو بالتأكيد لا يفعل لأنه يعتقد أن قتل المزيد من المسلمين وليس الصهاينة كما يهدد صباح مساء، إنما تقربه إلى الله زلفى!! ولله في خلقه شؤون.

في ظل الظروف الراهنة على الصعيد الداخلي والدولي، وعلى افتراض أن الجيوش العربية إنما يجري إعدادها وتطويرها وتجهيزها لغرض أساس هو تحرير فلسطين، فإن الجيوش العربية مجتمعة بحاجة للتفوق العسكري، لكنها لا تستطيع في المستقبل المنظور على الأقل أن تحقق ذلك؛ لا كماً ولا نوعاً، وهنا يطرح السؤال إذن لماذا تنفق كل هذه المليارات على التسليح إذا كان هذا الجيش مهما بالغنا في إعداده لن يحقق التفوق المنشود وبالتالي لا أمل في أن يكسب حرباً!! أليس من الأولى والحالة هذه أن تذهب هذه الأموال الطائلة للتنمية وإشباع الجياع وإغاثة المحرومين؟ أليس هذا أجدى وأنفع؟؟

إذن المأزق العسكري واضح، والمشهد الذي أمامنا هو ببساطة أن الأنظمة العربية لا هي تبادئ بشن الحرب، ولا هي ترد على عدوان...!! إذن ما الذي بقي من سبب يبرر الاحتفاظ بترسانة عسكرية ضخمة تستنزف الكثير من الموارد؟ اللهم إلا الإيفاء باحتياجات أمنية ودفاعية متفرقة أخرى يمكن تلبيتها بحجم قوات مسلحة أصغر مما هو قائم بكثير.

لكن المفارقة اللافتة للنظر أن الأنظمة العربية وهي تواجه مأزق التفوق المستحيل، لم تبذل جهداً كافياً في البحث عن بدائل منتجة بكلفة أقل، بينما هي انصرفت على مدى سنوات في تكرار سياساتها العقيمة في صرف المزيد من الأموال من أجل إحداث تغيير هيكلي في التوازن العسكري التقليدي، والمعيار على الدوام كان، ولا يزال، عدد المقاتلين وحجم الترسانة العسكرية؛ من مدفعية ودبابات وطائرات ومعدات بحرية قتالية مختلفة، لكن هذه السياسة فشلت رغم البذخ على الميزانية العسكرية الذي ثبت الآن أنه لم يكن هو الحل المطلوب طالما أن إسرائيل قادرة على توفير الموارد اللازمة والمطلوبة لإبقائها متفوقة عسكرياً على الدوام، وينبغي أن لا ننسى هنا حجم الدعم المالي والعسكري غير المحدود من جانب الولايات المتحدة وربما من غيرها أيضاً.

التوصية التي بودي أن أخرج بها وأنا متابع لتطورات ملحمة "غزة" هي دعوة الدول العربية لمراجعة استراتيجياتها في الدفاع، والاستفادة من تجربة غزة؛ ففيها الكثير من المنطق، والدروس والعبر. وإلى ملاحظة أخرى قريباً إن شاء الله.

(الشرق القطرية)

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة