نماذج من الازدواجية الغربية مع المسلمين !

وهكذا حققت الصحيفة ما لم تحلم به من أرباح طائلة وشهرة عالمية، بل تحوّلت إلى مقدس

الأحد، 25-01-2015 الساعة 15:27


نواصل الحديث حول قضية صحيفة "شارلي إيبدو" وما أفرزته من تداعيات وأكدته من معطيات حول الازدواجية الغربية عموماً والفرنسية خصوصاً مع المسلمين وقضاياهم، تحدثنا عن بعضها في الحلقة الأولى من مقالنا، والتي جاءت تحت عنوان "شياطين في عاصمة الجن والملائكة".

نفاق عابر للحدود

هذه الصحيفة الصفراء والمغمورة تحوّلت بفضل الحادثة إلى أغنى جريدة في العالم حيث تم ضخ ما لا يقل عن 50 مليون أورو وباعت 7 ملايين نسخة وكسبت ملايين المشتركين، ووصل الحال بها إلى درجة أن العدد الثاني الذي سيصدر من المفروض يوم الأربعاء 21/01/2015 لم يتم إصداره لأن العدد الأول بعد الحادثة والصادر في 15/01/2015 لا يزال الاقبال عليه منقطع النظير.

وهكذا حققت الصحيفة ما لم تحلم به من أرباح طائلة وشهرة عالمية، بل تحوّلت إلى مقدس يرتبط عنوانها بـ "حرية التعبير" على المستوى الدولي وهو ما لم يتحقق لأي صحيفة منذ ظهور الجرائد عبر التاريخ.

في سياق ازدواجية المعايير بخصوص احترام فرنسا لحرية التعبير التي وضعتها خطاً أحمر، نذكر أن الشرطة الباريسية أوقفت الفكاهي الفرنسي المثير للجدل “ديودونيه” في إطار تحقيق بتهمة "الإشادة بالإرهاب" بعد هجمات فرنسا، رغم إعلانه أنه شارك في المسيرة الرافضة للهجوم على "شارلي إيبدو".

وتناقلت وسائل الإعلام أن القضاء الفرنسي فتح تحقيقاً قضائياً ضد الفكاهي المثير للجدل بعد تصريح له قال فيه "أشعر أنني شارلي كوليبالي"، خالطاً بين اسم المتهم بقتل شرطية وأربعة يهود في تلك الهجمات وشعار "أنا شارلي" الذي يرفعه المتظاهرون في فرنسا وبلدان أخرى حول العالم منذ هجوم باريس.

سبق وأن أدين ديودونيه قضائياً بسبب تصريحات وصفت بـ "المعادية للسامية"، وكانت نيابة باريس فتحت تحقيقاً بتهمة "الإشادة بالإرهاب" نفسها في مطلع سبتمبر 2014 بعد نشر فيديو للفكاهي وهو يسخر من إعدام الصحافي الأمريكي جيمس فولي بقطع الرأس على يد تنظيم “الدولة الإسلامية" المعروف إعلامياً بـ "داعش".

طبعا أن السخرية واحدة، فهذا الممثل يستعملها في اتجاه الصهاينة فتتم ملاحقته والتضييق عليه، في حين لما تستعملها "شارلي ايبدو" ضد المسلمين فإن ذلك من حرية التعبير التي تتحول فجأة إلى مقدسة ويبكيها زعماء العالم على أرصفة باريس.

في الوقت الذي تهزّ فرنسا كل العالم على ما حدث بعاصمتها، وتضامن معها الملايين، ورفعت شعارات ضد الإرهاب وتحفّز على أنه من حق "شارلي ايبدو" أن تتحدث وترسم من تريد ولو كانت الرسومات غير أخلاقية لمريم العذراء عليها السلام التي ماتت منذ قرون طويلة.

يوجد أيضا في السياق نفسه ما يؤكد كذبة "حرية التعبير" في العالم، حيث تناقلت وسائل الإعلام خبر استقالة الإعلامي جيم كلانسكي من قناة "سي أن أن" بعد تغريدات لمّح فيها لتحريض الإسرائيليين على المسلمين في فرنسا، وطبعا جاء ذلك بعد ضغوطات وخاصة أنه نجم شهير قضى في القناة 34 عاماً. فأين حرية التعبير يا ترى؟

حدث ذلك في الولايات المتحدة، والتي جاء على لسان نائبة المتحدث باسم وزارة الخارجية ماري هارف، إن صحيفة "شارلي ايبدو" الساخرة لها الحق "تماماً" في نشر صور للنبي محمد عليه الصلاة والسلام في عددها الأخير "رغم احتجاج بعض المسلمين".

في الوقت نفسه، أعلن البيت الأبيض أنه لن يسمح بأيّ آراء تعادي الصهاينة، معرباً عن مخاوفه حيال موجة من "معاداة السامية" في أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً، وقال رئيس مكتب البيت البيض دنيس ماكدونو أمام مئات الأشخاص المجتمعين في كنيس كبير في واشنطن لتكريم قتلى هجوم باريس، "لن نضعف في التزامناً بمكافحة آفة معاداة السامية".

أليس هذا كيل بمكيالين في التعامل مع حقوق الآخرين واحترام مشاعرهم الدينية بخصوص مقدساتهم؟

أليس هذا نفاق بعينه وانحياز لطرف على حساب آخر بما يتنافى مع القوانين الدولية؟

رعب من المدّ الإسلامي

يجب أن نؤكد على أمر هام أن كل ما يحدث يعود إلى خوف الغرب من المدّ الإسلامي، حيث أن أوروبا العجوز تشهد تصاعد عدد المسلمين سواء بسبب دخول غير المسلمين في الإسلام، أو من خلال ارتفاع أعداد المسلمين بالتكاثر حيث أن متوسط معدل الإنجاب بين المسلمين هو 3 أطفال، في حين نجد غيرهم لا ينجبون إلا القليل والأغلبية الساحقة لا يتجاوز إنجاب طفل واحد.

لقد تجلى ذلك بوضوح في الكثير من الكتابات والمواقف، وآخرها على سبيل المثال وفي فترة أحداث باريس بالضبط، ظهور رواية «الاستسلام» للكاتب الفرنسي ميشال هوليبيك المعروف بعدائه للإسلام، الذي خوّف الفرنسيين فيما يشبه التنبؤ من التداعيات المترتبة على فوز مفترض لأحد المسلمين الفرنسيين بالرئاسة فى انتخابات عام 2022. وهو ما استثمرته بسرعة الجماعات اليمينية والفاشية التي يزداد حضورها في أنحاء القارة. وهي الأحزاب التي علا صوتها بوجه أخص في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وباتت ترفع شعار «بيجيدا» الذي يرمز إلى عبارة «وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب".

لم يقتصر الأمر على ذلك ولا هو وليد الساعة، بل ظهرت العديد من الصور الكاريكاتيرية والكتب المعادية للإسلام والمسلمين، بدءا من كتابين بعنوان "وجه محمد" نشرا على التوالي في كل من هولندا وبريطانيا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وانتهاء بعدد كبير من المقالات المعادية للإسلام والرسوم الكاريكاتيرية الساخرة من الرسول عليه الصلاة والسلام .

إضافة إلى الأفلام المعادية للمسلمين ومقدساتهم، مثل فيلم "فتنة" للبرلماني الهولندي المتطرف جات فولتار الذي وصف فيه الإسلام بالفاشستية، وحذر من أسلمة أوروبا، وهذا ما يؤكد أن الإسلام صار هو الكابوس الحقيقي لدى دوائر صناعة القرار في الغرب.

رغم كل ذلك لم يتوقف المدّ الإسلامي، فنجد أنه مع حادثة باريس ورغم الموجة الهائلة المعادية للمسلمين إلا أن المخرجة الفرنسية إيزابيل ماتيك أعلنت دخولها في الإسلام، وسبق ذلك في أبريل/نيسان 2013، إسلام عضو حزب الحرية اليميني الهولندي أرنود فاندور الذي ساهم في انتاج فيلم مسيء للنبي عليه الصلاة والسلام. وقد زار هذا الأخير مكة المكرمة وأحدث إسلامه ضجة وخوف في الوجدان الغربي من تصاعد قوة الإسلام رغم كل حملات التشويه والإساءة، بل أنه كلما أسيء له كلما ازداد اقبال الناس على معرفة سيرة الرسول الكريم.

لم يقتصر الأمر على دعم الغربيين المسيئين والطاعنين في الإسلام ومقدسات المسلمين، بل أن الغرب يتعاطف ويدعم كل من يفعل ذلك من "المثقفين" الذين ينحدرون من أصول إسلامية، فهذه ملكة بريطانيا قامت بتنبيل سلمان رشدي صاحب كتاب "آيات شيطانية" وأضفت عليه لقب (SIR)، وأيضا نجد الطبيبة البنغالية تسليمة نسرين التي انتقدت الإسلام وانتقصت منه، وتلقت الدعم الغربي الكبير.

في حين نجد الخبير النووي مردخاي فانونو الذي سجن لمدة 18 سنة بمجرد أن أظهر خطورة الترسانة النووية الإسرائيلية وعبّر عن رأيه في معارضة المضي في توسيعها، وطبعا لم يحظ بأي تعاطف أو تضامن من قبل المدافعين عن حرية التعبير في الغرب. ويوجد غيرهما حيث كل من يريد شهرة أو تحصيل جائزة يتطاول على قيم الإسلام فيحقق له الغربيون أكثر مما يحلم به في يقظته، لذلك صار الطعن في المقدسات أقصر طريق للشهرة والإرتزاق في دوائر غربية.

حرية "التبعير" !

عندما يتعلق الأمر باليهود فإن الخطوط الحمراء تتوالى ولا أحد يتحدث عن حرية التعبير، في حين لما تكون السهام موجهة لصدر الإسلام فإن ذلك يعتبر حرية تعبير" رغم أنها "حرية تبعير" فقط.

نذكر في هذا السياق أنه في شهر مارس 2002 اتهم المتحدث باسم الخارجية الأميركية، ريتشارد باوتشر، صحيفة "الرياض" السعودية بالتحريض على "معاداة السامية" وذلك بعد مقال نشرته الصحيفة في العاشر من مارس 2002 حول فطيرة عيد البورين التي يعجنها اليهود بدماء بشرية غير يهودية، واضطر حينها رئيس تحرير الصحيفة إلى تقديم اعتذار. وفي 2008 رفعت قضية في المحاكم الفرنسية ضد صحيفة "الأهرام" ورئيس تحريرها بسبب مقال نُشر في الصحيفة حول نفس الموضوع في أكتوبر عام 2002.

أين حرية التعبير أيها المتباكون عليها في عاصمة الجن والملائكة والشياطين أيضا؟

أمر يجب أن لا نهمله، وهي ادعاءات فرنسا من أنها لا تعادي الإسلام، بل تحارب التطرف الإسلاموي فقط، وأعتقد أنها كذبة لا تنطلي على غافل، حيث أن العدالة الفرنسية رفضت الدعاوى التي رفعت ضد "شارلي إيبدو" والتي صورت رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام على أنه "كبير" الإرهابيين وأنه دموي، فهل يعقل أن نصدق أن فرنسا لا تحارب الإسلام وهي تدافع عمن يصور صاحب الرسالة الإسلامية للبشرية على أنه إرهابي كبير والعياذ بالله؟

كفانا يا فرنسا استغباء، فمشكلة اليمين المتطرف الذي يهيمن على العقلية الفرنسية الحاكمة من زمان، هي الإسلام بحد ذاته، الذي يتمدّد وينتشر وصار ملاذا آمنا للغربيين عموماً في ظل فوضى المادية التي بلغت حدّا صار الوجدان البشري الغربي يلفظها ويتعب بسببها.

لقد سمعنا وزيراً في حكومة فرنسا يدعو لقطع الضمان الاجتماعي عن كل مسلم لا يقف دقيقة صمت على ضحايا "شارلي إيبدو" الذين هم ضحايا حرية رسموها على مقاسهم، وضحايا عدالة لم تنصف المسلمين الذين قاضوهم، وضحايا فرنسا الرسمية التي تريد أن تستمر في ظلم الملايين من المسلمين الفرنسيين وأكثر من مليار مسلم في العالم، لو غضبوا لنبيّهم وبصق كل واحد منهم بصقة في وجه من يتطاولون على رسولهم لغرقت فرنسا في اللعاب !

أليس من حق المسلم أن يكون له موقف آخر غير الذي تبنته فرنسا الرسمية لصالح صحيفة صفراء، فترى لو أن مسلماً رسم الصليب بطريقة مهينة فماذا سيكون مصيره في الغرب الذي يدعي الدفاع عن حرية التعبير؟

يجب أن يفهم العالم أنه كلما تقلص حجم العدالة كلما زاد حجم العنف، ويجب أن يتيقّن كل متطرّف أن تطرّفه سيصنع تطرّفاً مضاداً، ولذلك لن يستقر العالم مادام المسلمون يتعرّضون للظلم والغزو والاضطهاد الذي لم يقتصر على سحلهم وسجنهم وقتلهم بل وصل حد السخرية من مقدساتهم وإن أرادوا العدالة تسدّ في وجوههم أبواب القضاء، وإن دافعوا عن أنفسهم أتهموا بالإرهاب، وإن سكتوا تمادى الظالمون في ظلمهم للأسف الشديد.

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة