نواة الدولة الكردية شمال سوريا والمسؤولية العربية

التحركات العسكرية هي رسالة إلى الإدارة الأمريكية والبنتاغون بأن الدولة التركية والجيش التركي سوف يخوض معركة حماية أمنه القومي مهما كانت النتائج.

الأربعاء، 08-07-2015 الساعة 12:28


لا يزال الحديث حتى الآن عن نواة للدولة الكردية في شمال سوريا، فهي الآن في مرحلة المشروع السياسي الذي يسميه صالح مسلم، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي وقواته العسكرية (وحدات حماية الشعب)، بمشروع "كردستان الغربية"، مقابل كردستان الشرقية التي أقامها الأمريكيون لأكراد العراق باسم إقليم كردستان العراق، وقد استسلم العراقيون أولاً للإرادة الأمريكية بإقامة الكيان الكردي شمال العراق بحكم أن الحكومة المركزية في العراق كانت صناعة أمريكية بامتياز بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003؛ أي ضمن التفصيل الأمريكي لمكونات العراق الجديد، بعد إسقاط النظام السياسي العربي واستبداله بنظام سياسي فارسي، ارتأت فيه القيادة الإيرانية، أي بحكومة العراق المركزية وإقليم كردستان الشرقية، جزءاً مستقبلياً من الإمبراطورية الإيرانية الفارسية، وكان دور الدول العربية في ذلك الوقت دور المتفرج على نتائج حرب دعمتها ضد صدام حسين، ولكن بحسابات خاطئة ووعود أمريكية كاذبة أو خاطئة أو ماكرة بأن الدولة العراقية القادمة هي دولة العراق الحر والديمقراطي، وهو ما ثبت خطأ الموقف العربي اتجاه السياسة الأمريكية ومخططاتها، كما عبر عن ذلك وزير الخارجية السعودي السابق، الأمير سعود الفيصل، بأن الدول العربية قدمت العراق لإيران على طبق من ذهب عندما وافقت على الخطط الأمريكية لاحتلال العراق.

هذه المكائد الدولية الأمريكية يجري الآن تكرارها في سوريا، فالرئيس الأمريكي أوباما وهو يتحدث عن عدم توقع حسم المعركة مع تنظيم "الدولة" داعش في سوريا قريباً، وأن ذلك سيحتاج لسنوات وفي ظل حكومة سورية لا يحكمها بشار الأسد، وفي نفس الوقت واليوم يقول وزير دفاعه، أشتون كارتر، بأن قوات حماية الشعب الكردي قدمت مساعدات للقوات الأمريكية تساعدها على استهداف مواقع لتنظيم "الدولة" داعش في شمال سوريا، وهو يتحدث عن التحالف العسكري بينهما في عملية احتلال تل أبيض، فإن هذه التصريحات الأمريكية واضحة في أنها تسير الآن في استخدام قوات حماية الشعب الكردي لإقامة كيان كردي شمال سوريا مشابه للكيان الكردي شمال العراق، والفارق بينهما أن الأول وهو الكيان الكردي العراقي تم بتوافق، ولو شكلياً وتحت سلطات الاحتلال الأمريكي المباشر، بين مكونات الشعب العراقي، وتم إخراجه بصورة دستورية وتوافق بين مكونات الشعب العراقي؛ أي في ظل حل سياسي داخلي مدعوم بتأييد دولي، وأما الحل الثاني وهو دولة كردستان الغربية شمال سوريا، فإن الاحتلال الأمريكي المباشر لسوريا غير موجود، والشعب السوري لا يملك قرار منعه، ونظام الأسد أمام خيار البقاء على دويلة سورية ساحلية أو الخروج من سوريا كلياً، ولذلك لن يقف ضد المشاريع الأمريكية بإقامة الكيان الكردي، بل يقوم جيش الأسد فعلياً بتقديم الدعم العسكري الكبير لقوات حماية الشعب الكردي؛ لأنها تحقق له مصلحة ضرب قوات المعارضة والثورة السورية، وتجعله على تقارب مع الرؤى والسياسة والاستراتيجية الأمريكية نحو مستقبل سوريا، عسى أن يكون له نصيب الحكومة العراقية الموحدة مع أقاليم فيدرالية أو كونفيدرالية مستقلة، وإن لم يكن له نصيب الرئاسة العامة عليها، فله نصيب رئاسة دويلة سوريا الساحلية، التي ترتبط مع لبنان بنفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، يبقي سيطرة الأحلاف في لبنان على حالها بين 8 آذار و14 آذار خدمة للأمن الإسرائيلي.

إن سكوت الدول العربية على ما جرى في العراق قد حصدت نتائجه السلبية على نفسها وعلى المكون العربي السني في العراق، وقد وجدت أن حالة عدم الاستقرار التي خلفها الاحتلال الأمريكي للعراق قد أدت إلى حروب طائفية وأهلية لم تنته بعد أكثر من اثني عشر عاماً، وقد أدت في النهاية إلى ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية- داعش" في الموصل، ولنفس الأسباب امتدت داعش إلى سوريا، وأخذت بتهديد دول المنطقة جميعاً، وسكوت الدول العربية على مشروع التقسيم في سوريا سوف يكون أكثر سلبية على الدول العربية وبالأخص في الأردن والسعودية والخليج، فكل الأحداث في سوريا ستؤثر على أحداث المنطقة في الأردن والسعودية ودول الخليج، وبالأخص أن تقسيم سوريا سيؤدي إلى تركيز قوات الأسد والنفوذ الإيراني في سوريا ولبنان في دويلة تسعى أمريكا لجعلها من لوازم الحل السياسي للصراع في سوريا، وفي الوقت نفسه ستكون هذه الدويلة السورية الساحلية على توافق كبير وتحالف مع الدولة العراقية الطائفية، وفي تحالف مع دولة كردستان الغربية بزعامة صالح مسلم وحزب الاتحاد الديمقراطي وقوات وحدات حماية الشعب الكردية، التي يتم العمل على تسليمها الشريط الحدودي الشمالي في سوريا، والذي يتم الآن على أساسه تطهير هذا الشريط الحدودي مع تركيا من سكانه العرب والتركمان السنة، وقد تم حتى الآن تفريغ 80% من السكان السنة من مدينة حمص، بحسب ما أفاده رئيس الوزراء التركي أحمد داود أغلو بتاريخ 2015/7/5.

وتصريح رئيس الوزراء التركي بذلك التطهير العرقي في ظل أزمة التحركات العسكرية التركية نحو الحدود السورية هو كشف لطبيعة التغييرات التي تجري في المنطقة، فالقضية التي تعالجها السياسة التركية اليوم ليست قضية التهجير القسري الذي قام به نظام الأسد للشعب السوري طوال الأربع سنوات الماضية، ولا وقف مسلسل سفك الدماء والقتل الذي أودى بحياة أكثر من نصف مليون مواطن سوري، واعتقال أمثالهم وتشريد عشرات أضعافهم داخل سوريا وخارجها، كان من نصيب تركيا الحصة الكبرى بعدد من اللاجئين بحسب التسمية السابقة وهم من المُهَجَرين بحسب التسمية الجديدة بلغت نحو مليوني مواطن سوري، من كل فئات الشعب السوري وإن كانت الأغلبية العظمى من السوريين السنة، ولكن الحكومة التركية التي استقبلت هذه الأعداد الكبيرة، كانت تظن أنها تقوم بواجبها الإنساني، وأنها تقوم بعملية مساعدة الشعب السوري، وليس بعملية مساعدة لمكائد طائفية وقومية من قبل الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي؛ فالأول يسعى إلى التطهير الطائفي بإخراج السنة من المناطق التي يتم التخطيط لها لأن تكون دويلة طائفية علوية على الساحل الغربي لسوريا، والثاني يسعى لتطهير قومي ضد العرب من المدن والقرى العربية لإقامة كردستان الغربية، وفي الحالتين تقوم أمريكا بدعم كلا المشروعين لتقسيم سوريا، وتمنع عن المعارضة وقوات الثورة السورية السنية كل أنواع الأسلحة النوعية، بل وتمنع تقدمهم إلى أماكن معينة تحت طائلة التهديد والضغط على الدول العربية المؤثرة على كتائب الثورة السورية العسكرية التي تخوض عملية تحرير كل سوريا وإقامة الدولة السورية الموحدة.

إن الحكومة التركية تدرك أنها وهي تواجه مخطط مشروع دولة كردستان الغربية فإنما تواجه المشروع الأمريكي لتقسيم سوريا، وبالتالي فإن التحركات العسكرية هي رسالة إلى الإدارة الأمريكية والبنتاغون بأن الدولة التركية والجيش التركي سوف يخوض معركة حماية أمنه القومي مهما كانت النتائج، فالدولة الواعية سياسياً والقوية عسكرياً لا تنتظر عدوها حتى يباغتها ويعتدي عليها، فتركيا لن تسمح بإقامة هذا الكيان الكردي على الطريقة العراقية إلا على الطريقة العراقية أيضاً؛ أي بعد توافق الشعب السوري ولو كان تحت ضغوط داخلية وخارجية، وهذا لا يكون إلا بعد أن يتم معالجة آثار الحرب السورية الداخلية التي دامت أربع سنوات، وليس كاستغلال للثورة السورية وهي في مراحلها الأخيرة، فالمنطقة الآمنة شمال سوريا هي حاجة للشعب السوري قبل أن تكون حاجة للحكومة والدولة التركية، فقبول اللاجئين السوريين في الماضي كان لأسباب إنسانية وليس ليكون تمهيداً لإقامات كيانات طائفية علوية ولا كيانات قومية كردية على حساب السوريين المهجرين إلى تركيا والأردن ولبنان، وبالأخص أن الاستضافة كانت لمدة قصيرة بحسب المتوقع من مجريات الثورة السورية في السنة الأولى للثورة حتى منتصف عام 2012، ولكن وبعد دخول الثورة في عامها الثالث كان لا بد من إيجاد حل للاجئين السوريين في غير مخيمات اللجوء في الدول المجاورة، ما دامت المخططات الأمريكية والغربية والإيرانية والروسية تعمل على استدامة هذه الحرب داخل سوريا لسنوات طويلة، فمن يعمل لاستدامة الحرب هو الأولى بتحمل مسؤولياتها الإنسانية والسياسية، وهي أمريكا أولاً، وروسيا وإيران ثانياً التي ترفض الاعتراف بالهزيمة حتى الآن بالرغم من تدمير سوريا كاملة.

إن المنطقة الآمنة التي تسعى لها تركيا شمال سوريا هي الخيار الذي ينبغي على أمريكا والدول الأوروبية وروسيا وإيران والدول العربية ان تعمل له، لتكون هي مكان إيواء المهجرين السوريين إلى دول الجوار، فلا يمكن بقاء مخيمات اللجوء إلى سنوات قادمة حتى يأتي موعد الحسم الأمريكي المنتظر، وامريكا تريد المدة الزمنية الطويلة لتسويق تقسيم سوريا كأمر واقع، ولذلك فإن معارك كل أطراف الحرب في سوريا اليوم هي للتمركز في أهم المناطق التي يسعى كل كيان للسيطرة عليها قبل صدور قرار دولي ملزم لوقف القتال تحت طائلة المسائلة الدولية وقرارات مجلس الأمن في المستقبل، فهذه الرؤية هي التي تجعل دويلة الأسد الساحلية تبذل كل قدراتها العسكرية في السيطرة على الزبداني والقلمون وحمص والعاصمة دمشق، وهذا هو الهدف الذي تسعى له قوات حماية الشعب الكردي للسيطرة عليه في الشمال السوري لتكون تحت سيطرتها العسكرية خالية من العرب السنة والتركمان لتكون كياناً كرديا خالصاً، عند الأمر بوقف القتال الشامل من خلال مؤتمر جنيف 3.

إن الدول العربية مطالبة أن تمنع قيام هذه الكيانات الطائفية والقومية داخل الوطن العربي، وتحديداً داخل سوريا؛ لأنها بذلك تدفع عن نفسها الخطر الذي يتهددها بالتقسيم على الطريقة العراقية أو السورية، حتى لا تتكرر في اليمن ولا في السعودية ولا في لبنان ولا في البحرين ولا في مصر ولا غيرها، فقد اقتصرت اتفاقية سايكس بيكو الإنجليزية الفرنسية على تقسيم الوطن العربي على نحو عشرين دولة عربية، في حين أن مشروع التقسيم الذي تخطط له أمريكا مع الحركة الصهيونية هو تقسيم الوطن العربي إلى أكثر من أربعين دويلة عربية، هويتها الأساسية الطائفية والقومية والعرقية والإثنية والمذهبية والدينية وغيرها، وكلها ترتبط مع الولايات المتحدة الأمريكية بأوردة الحياة وشرايينها، وإلا فالموت والابتلاع من كيان طائفي أو قومي آخر قريب منها، وبذلك تبقى الدول العربية الأربعين تحت الوصاية الأمريكية والهيمنة الصهيونية، والاستنزاف الدائم الذي لا يتوقف في سفك الدماء وسفك القدرات البشرية والاقتصادية للشعب العربي.

إن الرؤية التركية لما يجري في سوريا، وبالأخص في شمالها هي من متطلبات الأمن القومي التركي؛ فهي معنية بمنع الأحلام الأمريكية في أن تصبح واقعاً في الوطن العربي وتركيا أيضاً؛ لأن الخاسر منها هو كل القوميات الإسلامية في المنطقة من العرب والأكراد والأتراك والإيرانيين وغيرهم؛ أي إن الخاسر في هذه المعارك بين هذه القوميات هي الأمة الإسلامية، وأخطر ما فيها أن أمريكا تصنع الأحلام والمكائد في عقول الأحزاب الطامحة في السلطة والحكم، وتطالبهم بأن يكونوا وقود هذه المعارك، بحجة أن حسم المعارك يتطلب قوات محلية، ودور أمريكا هو مساعدة هذه القوات المحلية لتقتل بعضها بعضاً، فهل يدرك العرب والأكراد والإيرانيون أن المساعي التركية هي لوقف نزيف الدماء وليس لزيادتها؟ فمصالح الشعب الكردي ليست بمقاتلة نفسه، ولا بمقاتلة العرب ولا الأتراك، واستخدامهم أدوات في المعارك الأمريكية التي تباشرها بعض وحوش المنطقة لن تخدم مصالح الشعب الكردي بل ستجعل منه وقوداً رخيصاً لهذه المعارك.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة