هكذا ولغت إيران في دماء الجزائريين (2)

الكلّ يعرف أنّ محفوظ طاجين أمير "الجماعة الإسلامية المسلحة" في الجزائر، تمّت تصفيته على يد جمال زيتونيّ.

الجمعة، 13-03-2015 الساعة 08:30


الكلّ يعرف أنّ محفوظ طاجين أمير "الجماعة الإسلامية المسلحة" في الجزائر، تمّت تصفيته على يد جمال زيتونيّ الذي خلفه بمنصب الإمارة، وفي إطار حملة التّطهير الدّاخليّة التي عرفتها الجماعات المسلحة الجزائرية في منتصف التسعينات.

أخبرني أحد قدماء الجماعة في البليدة، بأنّ زيتونيّ قام بتصفية رجال "الجزأرة"، وهي التسمية المشتقة من الجزائر والتي تطلق على من يقولون أنهم تأثروا بفكر مالك بن نبي، من أمثال الشيخ محمّد السّعيد وعبد الرّزّاق رجّام ومحفوظ طاجين وبشير تركمان وسلمان بوسعدونة، حيث كان زيتوني يرى "الجزأرة" هي الوجه الآخر للتّشيّع في الجزائر.

هكذا هو الظّاهر الّذي أقنع به جماعته وبرر به قراراته، وفي الأصل أنّ السّبب أيضاً هو رغبته الجامحة في السّيطرة على التّنظيم، حتّى ينفذ مخطّطاته الّتي ظهرت من بعد برفقة صديقه وأمين سرّه الدموي عنتر زوابريّ.

امتدّت عمليّات التّصفية الّتي قادها جمال زيتونيّ حتّى إلى أمراء النّواحي، وبلغ عدد الّذين قتلهم أكثر من 450 أميراً ممّن يحسبون على التّيّار "السّلفيّ" الجهاديّ وكثيرهم كانوا يناهضون تكفير عموم الشعب الجزائري.

لم يقتصر أمر التدريب في لبنان على محفوظ طاجين، بل تدرّب أيضاً كلّ من الأمير السّابق في "الجيا"، المدعو جلّول بومهديّ، المحكوم عليه بالإعدام والموجود بسجن البرواقيّة، وقد ألقي عليه القبض في عام 2002، وينحدر من العمريّة بولاية المديّة.

وأيضاً نجد ما كان يعرف لدى عناصر الجماعات المسلّحة باسم فريد اللّبنانيّ وهو من الكاليتوس "العاصمة"، قضت عليه قوّات الأمن ما بين 1995 و1996.

صناعة مليشيا إيرانية في الجزائر!

يذكر أحد قدماء الجماعة الإسلاميّة المسلّحة "الجيا"، أنّ "حزب الله" قد اتّصل عام 1992 بقيادة الجماعة من أجل تمويلهم وتقديم كلّ المساعدات لهم كي يسقطوا نظام الحكم ويقيموا دولتهم الإسلامية.

لكن قوبل الطلب بالرّفض حينها، بعدما وجدوا أنّ قيادة "حزب الله" اللّبنانيّ تريد السّيطرة على التّنظيم عبر عناصر شيعية، وتوجيهه وفق مخطّط يرسمونه لها، وهناك من أكّد أنّ المعارضة قادها التّيّار السّلفيّ المناهض للشّيعة.

في حين أنّ الأمور سارت عكس هوى رموز "السلفية الجهادية" لاحقاً حسب متابعتي لشأن التّشيّع في الجماعات المسلّحة، حيث تصدّر مشهد التنظيم الدموي عناصر من شيعة الجزائر تلقت الرعاية في معاقل "حزب الله" بلبنان وثكنات الحرس الثوري في إيران.

ليذهب عضو "الجيا" الأسبق، إلى أنّ جماعة "الجزأرة" دخلوا في مفاوضات سرّيّة مع الرّئيس الإيرانيّ حينها هاشميّ رفسنجانيّ، وقد أكّد استعداده المطلق لتقديم الدّعم لهم من أجل سيطرتهم على قيادة الجماعات المسلّحة، وتحويلها إلى ذراع عسكري قوي له نفوذه على غرار "حزب الله" في لبنان.

وأكثر من ذلك فإنّ بعض المصادر الموثوق فيها تذهب إلى أنّ رفسنجانيّ أعطاهم وعوده وضماناته بتدعيمهم سياسيّاً ودبلوماسيّاً وماليّاً في حال تمكّنهم من الوصول إلى السّلطة، مقابل تعميق العلاقات سياسيّاً ودينيّاً وثقافيّاً بين الجزائر وطهران.

لكنّ الّذي حدث أنّ جهات ما أدّت دوراً استخباراتيّاً وسرّبت هذه المعلومات الخطيرة للتّيّار المحسوب على "السّلفيّة" القويّ الّذي كان يسيطر على تنظيم "الجيا" في تلك الفترة.

وتوجّه أصابع الاتّهام إلى المخابرات الفرنسيّة في تبليغ هذه المعلومة الخطيرة، الّتي استغلّت قنوات جزائريّة من شبكات الدّعم والإسناد واللّجوء السّياسيّ الّتي تعيش على التّراب الفرنسيّ وتتمتّع بالحماية والمتابعة الاستخباراتية.

جرى تبليغ حيثيّات العلاقات السّرّيّة بين "الجزأرة" وإيران الّتي وصلت إلى حدّ الموالاة سياسيّاً وعقديّاً، وأدّى ذلك إلى نشوب فتيل حرب بين الطّرفين، وتمّت تصفية أكثر من500 عنصر من إطارات تيّار "الجزأرة" في مواجهات عسكريّة واغتيالات شهدتها جبال الجزائر.

من جهة أخرى فإنّ المعلومات المتوفّرة لدينا تشير إلى أنّ الإيرانيّين شجّعوا الشيخ عبّاسيّ مدنيّ عبر قنوات مختلفة على إعادة استنساخ الثورة الإيرانيّة في الجزائر، من خلال وصوله إلى الحكم وإعلان دولة إسلاميّة.

وتشير بعض المصادر إلى أن لقاء جمع الشيخ عبّاسيّ مدنيّ، زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مع قيادات إيرانيّة بارزة أيّام حرب الخليج، ولحد الآن لم تتأكد هذه المعلومة، ويوجد من يقول إن اللقاء جاء في إطار نشاطات الحزب في ذلك الوقت بخصوص ملف العراق والكويت وما يجري في المنطقة.

مما يثير الكثير من شبهات التعاون القائم بين بعض الأطراف في الجبهة الإسلامية وإيران، لمّا أقدمت جبهة الإنقاذ المحظورة في الانتخابات التّشريعيّة الّتي جرت في ديسمبر/كانون الأول1991 على ترشيح وجوه معروفة بالتّشيّع في بعض الولايات مثل تلمسان وتبسّة وباتنة، ويوجد من بينهم من فاز بمقعد في البرلمان.

وقد جاء ذلك بتوصية من بعض القياديين في الجبهة الإسلامية الّذين كانوا يقبعون حينها في السجن العسكري بالبليدة، حسب مصادر مقرّبة من ملفّ جبهة الإنقاذ المحظورة.

من بين الوثائق الّتي تمّ العثور عليها في سياق البحث في شأن محفوظ طاجين وعلاقاته مع الشّيعة في إيران ولبنان، نجد مجلّة "الجماعة" في عددها العاشر الصادر في سبتمبر/أيلول 1996، والّتي كانت تصدرها "الجماعة الإسلاميّة المسلّحة"، حيث نشرت مقالاً مطوّلاً تحت عنوان "كشف حقائق حول مؤامرة الجزأرة المارقة لاحتواء الجماعة".

ممّا جاء فيه أنّ المدعو "أبو خليل محفوظ"، وهي كنية "محفوظ طاجين"، قد كذب على جمال زيتونيّ "أبو عبد الرّحمن أمين"؛ وذلك عندما ادّعى بأنّه كلّفه بإرسال أفراد معيّنين للتّدرّب في الجنوب اللّبنانيّ وعند "الرّافضة" على حدّ تعبيرهم، وأخرى لطلب العلم في سوريا.

"ولمّا سئل عن هذه البعثات ادّعى أنّها بموافقة أبو عبد الله، وهذا كذب محض". ليضيف بأنّ زيتونيّ أمر بتوقيف البعثات فأظهر طاجين طاعته، "ولكنّه بعث بمجموعات أخرى سرّيّة" كما تروي المجلة.

المد والجزر مع إيران

مقال مجلة "الجماعة" التي نحوز على نسخة منها، يفجّر قنبلة من العيار الثقيل مفادها أنّ محفوظ طاجين لم يقتصر أمر تعاونه مع الحرس الثوري و"حزب الله"، بل اقترح على جمال زيتونيّ عقد لقاء مع العقيد اللّيبيّ معمّر القذافيّ، وذلك من أجل الاتّفاق معه على تمويل الجماعة بالأموال والسّلاح والذخيرة والعتاد، غير أنّ زيتونيّ رفض ذلك.

محرّر المقال الّذي لم يكتب اسمه، ممّا يوحي أنّه يعبّر عن موقف رسميّ لتنظيم "الجيا"، أشار إلى أنّ طاجين اقترح أيضاً على أميره زيتونيّ إجراء لقاء بوزير الدّاخليّة الإيرانيّ لغرض التّسليح والتّموين، وكذلك مع مسؤول آخر من النّظام السّودانيّ، وهو ما رفضه أمير الجماعة على حدّ ما ورد في المجلّة.

وبعدها في نقطة ثالثة، يشار إلى ما سمّاها فضائح محفوظ طاجين، وخاصّة لمّا صرّح أحد الوزراء الإيرانيّين "إنّه لا يثق في الجماعة ما عدا ثلاث شخصيّات منهم وهم: أبوخليل ومحمّد السّعيد وعبد الرّزّاق رجّام. وهذا دليل آخر على وجود اتّصال وثيق بين الرّافضة الإيرانيّين والجزأرة المارقين" كما أوردت المجلة.

لتشير إلى أنّه تمّ القبض على طاجين وجرى استنطاقه، لتتأكّد المعلومات عن اتّصالاته مع معمّر القذافيّ والنّظام السّوريّ الّذي وصفوه بالنّصيريّ، والنّظام الإيرانيّ و"حزب الله" الشّيعيّ، ومع حركة الجهاد الإسلاميّ الفلسطينيّة الشّيعيّة.

"وكانت له مراسلات مع أمير هذه الجماعة وهو فتحيّ الشّقاقيّ، وقد تحصّلت "الجيا" على الوثائق كلّها، ثمّ قتل بأمر من الجماعة الإسلاميّة المسلّحة أبي عبد الرّحمن أمين" كما ورد في النّصّ.

إيران تفتح ثكنات الحرس الثوري لتدريب جزائريين

من الملفّات الّتي ظلّت غامضة ملفّ علاقة الجماعات المسلّحة بالحرس الثوريّ الإيرانيّ وكذلك "حزب الله"، والّتي فيها خفايا كثيرة لا يمكن أن تبقى من التابوهات، وخاصّة أنّ العلاقة بين "حزب الله" والحرس الثوريّ والجماعات الإسلامية المسلّحة في الجزائر ثابتة لا يمكن أن يتجاهلها كل هذا الوقت.

ظهرت ظلالها رسمياً لمّا فتح ملفّ الجماعة التّابعة للتّنظيم المسلّح المعروف بـ"الرّابطة الإسلاميّة للدّعوة والجهاد" الّتي تخصّصت في اغتيال المثقفين والصّحفيّين، وهي امتداد لما كان يعرف بجناح "الجزأرة"، وقد تشكّلت من بقايا "الجبهة الإسلاميّة للجهاد في الجزائر" المعروفة بـ "الفيدا" والّتي تأسّست عام 1993 وزعيمها هو محمّد السّعيد أحد قادة جبهة الإنقاذ المحظورة، والذي تمّت تصفيته مع رفيقه عبدالرّزاق رجّام على يد أمير الجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا"، جمال زيتونيّ، في إطار الحرب والصّراعات الدّاخليّة التي كانت قائمة بين التّنظيمات الإسلاميّة المسلّحة في خريف 1995.

لقد ألقت السّلطات الأمنيّة الجزائريّة القبض على مجموعة من المسلّحين المنتمين لتنظيم "الفيدا"، واعترف عناصر المجموعة بأنّهم تلقوا تدريبات موسّعة على حرب العصابات والاغتيالات في إحدى ثكنات الحرس الثوريّ الإيرانيّ في طهران.

في مطلع عام 2000 تلقت مصالح الأمن الجزائريّة معلومات عن عودة مجموعة كانت قد تنقّلت إلى إيران بطلب من أمير التّنظيم "الفيدا" شابّي عبد الرّحمن، ومن المفروض التحاقهم بمرتفعات ولاية المديّة وبتنظيم عليّ بن حجر المسمّى "الرّابطة الإسلاميّة للدّعوة والجهاد" لكنه الـتحق بالـوئام المـدنيّ واستـفاد من العـفو الـرّئاسيّ في 2000/01/11.

هذه المجموعة تتكوّن من سبعة عناصر وهم: ش. بن دحمان المدعو عبد الرّحمن، ب. محمّد المدعو يوسف، م. خالد المدعو هشام، ب. رضا المدعو عادل، ح. نور الدّين المدعو عبد الله، ب. شريف الدّين بوعلام المدعو عليّ، ح. سمير المدعو سيف الدّين.

يتبع

Linkedin
Google plus
whatsapp

الاكثر قراءة

مكة المكرمة