هكذا ولغت إيران في دماء الجزائريين (3)

أي مستنقع دموي يحدث في الدول العربية تسارع المخابرات الإيرانية لاستغلاله من خلال مليشيات موالية لها.

الثلاثاء، 17-03-2015 الساعة 13:21


نواصل الحديث عن بعض محاولات إيران لاختراق تنظيمات مسلحة خلال الحرب الأهلية في الجزائر وقد نجحت إلى حدّ معين بلا أدنى شك، حيث تمكن متشيّعون من بلوغ مراتب مهمة في القيادة العسكرية للجماعات المسلحة، وعلى رأسها تنظيم "الجيا" الذي يعدّ أكثر دموية، بسبب منهج التكفير الذي انتهجه بمجرّد أن بدأت إيران في السيطرة على قيادته.

جزائريون في ثكنات الحرس الثوري

أشرنا في نهاية الحلقة الماضية إلى مجموعة تمّ القبض عليها عام 2000، بعد عودة عناصرها من إيران، وقد نقلت اعترافات المقبوض عليهم صحيفة "الحياة" اللّندنيّة في عددها الصادر بتاريخ 2005/06/28.

ممّا جاء فيها أنّ "عبد الرّحمن" اعترف في التّحقيق معه (أنّه بمجرّد خروجه في كانون الأوّل/ديسمبر 1995 من الكمائن الّتي نصبتها السّلطات للإسلاميّين المتشدّدين في الصّحراء وعودته إلى بلدته في عين الدّفلى (150 كلم غرب العاصمة) تلقى -عبر شخص تعرّف عليه في المعسكر- رسالة من عبد القادر صوّان الّذي كان في تلك الفترة "أمير" الجماعة الإسلاميّة المسلّحة" لمنطقة "جبل اللّوح" طلب منه فيها الالتحاق بالجماعة لكنّه رفض.

بعد سلسلة طلبات تقدّمت بها قيادات محلّيّة في "الجماعة" وافق "عبد الرّحمن" على أن يندمج في أنشطة دعم التّنظيم المسلّح، وبمزاولة أنشطة تجاريّة بأموال تسلّمها له، على أن تحوّل بعض أرباحها إلى عائلات المعتقلين والمفقودين أو المسجونين من نشطاء الجماعات الإسلاميّة المسلّحة.

وتولّى "عبد الرّحمن" في وقت لاحق دعم جهود المدعو مصطفى بلعيدي، وهو من العاصمة الجزائرية، في الوساطة والتّنسيق بين مختلف الفصائل والكتائب المنشقة عن "الجماعة" مثل "جماعة جبل اللّوح"، و"جماعة كرطالي"، و"جماعة بن حجر"؛ بهدف توحيدها تحت راية تنظيم سلفيّ.

لكن هذه المساعي تعثّرت فقرّر سيد عليّ بن حجر تأسيس تنظيم مسلّح جديد يدعى "الرّابطة الإسلاميّة للدّعوة والجهاد"، والّذي تشكّل أساساً من ناشطين سابقاً في تيّار "الجزأرة" بزعامة الشّيخ محمّد السّعيد الّذي تعرّض إلى التّصفية الجسديّة من قبل أمير "الجماعة" جمال زيتونيّ المدعو "أبو عبد الرّحمن أمين".

وبعد أشهر تقرّر معاودة ربط الصّلة مع تنظيم "الجبهة الإسلاميّة للجهاد في الجزائر"، الّتي تعرف اختصاراً باللـّغة الفرنسيّة باسم "الفيدا"، والّذي تشكّل سنة1993 من تيّار "الجزأرة"، واختصّ في قتل المثقفين والصّحافيّين بالعاصمة والضّواحي.

وقد عقد أوّل لقاء تنسيقيّ بين ممثّلين عن "الرّابطة" و"الفيدا" في أحد مساجد حيّ باب الوادي الشّعبيّ بالعاصمة في سبتمبر/أيلول 1997، وشارك فيه كلّ من المدعو "رحمانيّ" والمدعو "بوبراس".

لقد اضطرّ "عبد الرّحمن" في عـام 1998 بسـبب مخـاوفـه من التّعرّض إلى التّصـفية الجسديّة، اضطرّ إلى اتّخاذ قرار الرّحيل من بلدته خوفاً من بطش "الجماعة" وناشطين في تنظيم "الهجرة والتّكفير" النّاشطين في بلدة خميس مليانة في ولاية عين الدّفلى، حيث استقرّ بمدينة زرالدة السّياحيّة (20 كلم غرب العاصمة).

وبعد أشهر تلقى "عبد الرّحمن" اتّصالاً من المدعو "أمين"، وهو ناشط بارز في تنظيم "الفيدا"، طلب منه المساعدة في إيجاد طلبة جامعيّين بقصد إرسالهم إلى الخارج لمواصلة دراستهم، مع تحديد التّخصّصات المطلوبة وهي الإلكترونيك والميكانيك.

وقد تولّى "عبد الرّحمن" الاتّصال مع "ب. بوعلام" المدعو عليّ، الّذي كان تعرّف عليه في جامعة البليدة (50 كلم جنوب العاصمة)، والّذي اختار له طالبين هما "يوسف" و"عبد الله".

يقول "ب محمّد" المدعو "يوسف" خلال التّحقيقات القضائيّة إنّه تلقى الاقتراح في نهاية 1997، عندما اتّصل به صديقه في الجامعة "ب. بوعلام" المدعو عليّ بحضور "ح. نور الدّين" المدعو عبد الله، وعرض عليه فكرة التّكوين في الميدان السّياسيّ في الخارج لمصلحة "الرّابطة الإسلاميّة للدّعوة والجهاد" بزعامة عليّ بن حجر بما أنّهم - كما قال-

يتقاسمون فكرة الجهاد، وأهمّيّة مباشرة العمل السّياسيّ للجبهة الإسلاميّة للإنقاذ المحظورة بعد انتهاء الهدنة.

وقال "عليّ" خلال اللّقاء إنّه "عضو مؤسّس" في الرّابطة، وزعم أنّ له اتّصالات مع أجهزة الأمن في إطار الهدنة، وأنّ الهدف من التّكوين في الخارج هو التّحضير للمستقبل.

أمّا "م. خالد" المدعو هشام فقد ذكر في إفادته أنّه بدأ منذ منتصف التّسعينيّات بالنّشاط لمصلحة "الجماعة الإسلاميّة المسلّحة"، برفقة زميله "ب. رضا"، المدعو عادل من خلال تسليم المناشير وبيانات التّنظيم المسلّح، ورصد تحرّكات قوّات الأمن، قبل أن يتّصل بهم "ط. محمّد" المدعو بشير، أحد منسّقي "الرّابطة"، والمدعو فؤاد الّذي أخبرهم في لقاء عقد بالبليدة أنّه بصدد البحث عن شباب لتّلقي تدريب على القتال في ثلاثة بلدان، ولمّح له بشير لاحقاً أنّ "الرّابطة" قرّرت إرسالهما إلى منطقة الشّرق الأوسط للتّدرّب في ميدان القتال والأسلحة.

وفي أواخر ديسمبر/كانون الأوّل 1997 عقد لقاء بين الثلاثة وهم "يوسف" و"عبد الله" و"عليّ" مع المدعو "الحاج"، الّذي قدّم نفسه بصفته مؤسّس "الرّابطة" وعضو مجلس الشّورى في "جبهة الإنقاذ".

وأوضح "عليّ" في إفادته أنّ "الحاج" هو "ش. بن دحمان" المدعو عبد الرّحمن، وهو رئيس سابق لبلديّة خميس مليانة (110كلم غرب العاصمة) في فترة حكم "جبهة الإنقاذ".

وتمّ خلال اللّقاء الحديث عن أهمّيّة التّكوين في الخارج، وشدّد على أهمّيّة ذلك في "مرحلة ما بعد الهدنة"، وبادر "الحاج" إلى ربط "يوسف" بأمير الرّابطة سيد عليّ بن حجر الّذي التقى به للمرّة الأولى في مطلع العام الجديد، وعرض عليه شغل منصب "المكلّف بالاتّصال"، ووافق على ذلك ممّا جعله لاحقاً "حلقة الرّبط" بين معقل "الرّابطة" في تمزغيدة بأعالي مرتفعات المديّة الجبليّة مع ناشطي تنظيم "الفيدا" في العاصمة، وهي المهمة الّتي أوكلت إليه حتّى سفره.

وقبل أيّام من مغادرة الجزائر اتّصل "عليّ" بكلّ من "يوسف" و"عبد الله" للقيام بالإجراءات الضّروريّة، واستلما معاً، عشيّة السّفر، من المدعو "عبد الرّحمن" مبلغاً من المال، وتوجّها في الخامس من أكتوبر/تشرين الأوّل 1998 إلى سوريا حيث كان في استقبالهم كلّ من "سيف الدّين" و"هشام"، وتعرّفا على المدعو "أبو عمّار الإيرانيّ" الّذي تبيّن لاحقاً أنّه المكلّف بالتّكوين.

وبعد 23 يوماً من الإقامة في حيّ يدعى "مزّة" في جبل دمشق (في إفادة أخرى قال إنّ الحيّ يدعى بزّة)، قرّر "عليّ" العودة إلى الجزائر، بينما انتقل بعد ذلك "يوسف" و"عبد الله" إلى سكن محاذٍ لبناية تابعة للسّفارة الإيرانيّة في العاصمة السّوريّة لمدّة أشهر أخرى.

وأكّد "عبد الله" في إفادته أنّه سلّم لـ"هشام" خلال أحد اللّقاءات مع "أبو عمّار" جواز سفره. وجاء في أكثر من إفادة خلال التّحقيق أنّ "أبو عمّار" هو على الأرجح مسؤول في سفارة إيران في دمشق.

وبمجرّد عودته بدأ "عليّ" في البحث عن شخصين؛ لأنّ العـدد المطلوب كان خمسة نشــطاء، وهو ما اضطرّه إلى عرض المسألة على المدعو "عمّار" الموجود في سويسرا لمساءلته في الأمر.

ولتجنّب شكوك مصالح الأمن أو رقابتها أسند هذه المهمّة إلى المدعو "زكريا" الّذي يكنى أيضاً باسم "سيد عليّ"؛ لأسباب عديدة أبرزها أنّه كان معتاداً على الاتّصال به عبر البريد الإلكترونيّ، وطرح عليه أسئلة عديدة عن أهمّيّة التّدريب العسكريّ في وقت الهدنة؟ وحاول أن يتجنّب الحديث عن قصّة إرسال الطّلبة إلى إيران وطلب زيادة العدد، وكان ردّ "عمّار" هو تأكيد "الحاجة إلى التّدريب العسكريّ سواء في السّلم أم في الحرب"، وأنّ المصلحة هي الّتي اضطرّته إلى ذلك، وأنّ العدد تمّ تحديده مسبقاً ورفض البحث عن طلبة جدد، وترك المهمّة بين يدي "زكريا" و"عليّ" وتمّ التّوافق بعد ذلك على إرسال كلّ من "هشام" و"عادل".

ويذكر "يوسف" في إفادته أنّ "أبو عمّار الإيرانيّ" في مطار دمشق خلال السّفر إلى طهران في الثامن من مارس/آذار 1999 انفرد بكلّ من "سيف الدّين" و"هشام" وقام بتمريرهما مباشرة إلى قاعة الرّكوب من دون الخضوع إلى المراقبة، وحاول "يوسف"، كما أضاف في إفادته خلال التّحقيقات، لفت انتباه الضّابط السّوريّ باستعمال جواز سفره وبأنّه جزائريّ الجنسيّة إلاّ أنّ "أبو عمّار" تدخّل وتكلّم مع الضّابط السّوريّ.

وبمجرّد الوصول إلى طهران توجّهوا إلى بيت المدعو "الهاشميّ" وتلقوا عنده تمريناً في كيفيّة إنشاء المنظمّات السّياسيّة والجمعيّات، وطرق ومناهج تسيير الجمعيّات، وكيفيّة تأطير الجماهير، وفنّ الخطابة، والتّحقيق والتّحقيق المضادّ، والمطاردة والمطاردة المضادّة، والتّصوير، والاتّصالات.

وبعد استكمال التّكوين السّياسيّ حوّلت المجموعة إلى ثكنة عسكريّة على بعد160 كلم جنوب طهران، حيث تلقت بحضور مسؤولين في الحرس الثوريّ الإيرانيّ، تدريبات على أسلحة الكلاشينكوف والمسدّسات وركوب مركب وقذف صاروخ "ريج"، وتمرين على كيفيّة وضع الحواجز، والخروج من الكمائن والاستدراج وتفتيش السّيارات، وتكوين مبدئيّ حول الأسلحة. وشمل التّمرين أيضاً فنّ الاتّصالات السّرّيّة.

وبعد انتهاء التّدريب السّياسيّ والعسكريّ الّذي استمرّ نحو شهرين، التحق بهم مجدّداً "سيف الدّين" و"هشام"، قبل أن يغادروا طهران إلى تركيا ومنها إلى الجزائر، بعد أن تسلّم كلّ واحد منهم مبلغ 300 دولار أميركيّ.

وفضّل "سيف الدّين" الّذي كان يقيم أصلاً في الولايات المتّحدة الأمريكيّة البقاء في سوريا، وأرسل صوره الشّمسيّة إلى "زكريا" ليصدر له بطاقة هويّة ورخصة قيادة سيّارة مزوّرة باسم مالك بوعكوير، تحت رقم 456826 الصّادرة بتاريخ 16 سبتمبر/أيلول 1998 عن دائرة الشّراقة ولاية الجزائر (7 كلم غرباً)، وتمكّنت قوّات الأمن من حجزها لاحقاً.

وعاد "سيف الدّين" إلى الجزائر في ديسمبر/كانون الأول 1999 للاستفادة من تدابير قانون الوئام المدنيّ الّذي يمنح عفواً جزئيّاً أو كلّيًّا عن عناصر الجماعات المسلّحة مقابل التّخلّي عن العمل المسلّح. لكنّه اعتقل بعد أيّام بسبب قصّة "طائرة الجماعة" الّتي اتّهم بشرائها في سويسرا؛ بقصد وضعها تحت تصرّف الجماعات الإسلاميّة المسلّحة.

وقال "سيف الدّين" في إفادته أنّه انتقل إلى إيران بطلب من القياديّ البارز في "جبهة الإنقاذ" المحظورة أحمد الزّاويّ؛ "لكي لا يترك الشّخصين اللّذين كانا يتدرّبان في إيران وحدهما خوفاً من أن يقتربا من رجال الدّين الإيرانيّين وحتّى لا يتأثروا بالفكر الشّيعيّ."

وبمجرّد عودتهم أبلغ أمير "الرّابطة الإسلاميّة للدّعوة والجهاد" بالأمر وطلب منهم، بحسب تصريحات المتّهمين، الالتحاق بمركز قيادة التّنظيم المسلّح بمرتفعات جبال المديّة، لكن "زكريا" رفض الطّلب على اعتبار أنّ هؤلاء غير معروفين لدى مصالح الأمن ولا أفراد الجماعات الإسلاميّة المسلّحة وأنّ بقاءهم في العاصمة "سيكون أجدى وأنفع للجهاد".

وبعد أخذ وردّ قرّر الموافقة على طلب بقائهم، لكنّه اشترط منهم تحرير تقرير مفصّل عن المهمّة الّتي كلّفوا بها في الخارج، وهو ما تمّ وسلّم له تقريراً كاملاً. وقد نظّم لهم "عليّ" لقاء بالجزائر العاصمة مع "عبد الرّحمن" بصفته موفد قيادة التّنظيم المسلّح وقدّموا له التّقرير عن التّكوين الّذي استفادوا منه في إيران.

وقد طلب أمير "الرّابطة" من "عليّ" مساءلة "عمّار" المقيم في سويسرا عن مصير "البضاعة" الّتي أرسلها مع المدعو "عبد الحميد"، وتبيّن لاحقاً أنّ المدعو "أمين" وهو قياديّ في تنظيم "الفيدا" تولّى استلام "البضاعة" في مسجد الإمام الشّافعيّ بالحراش (10 كلم جنوباً)، وتبيّن أنّها كانت عبارة عن كمّيّة من الذخيرة الحيّة وأسلحة وأجهزة اتّصال لا سلكيّ نقلت في مرحلة أولى من سويسرا إلى مدينة سطيف (300 كلم شرق العاصمة) ومنها إلى الجزائر العاصمة ثمّ مرتفعات المديّة.

وبقي وضع المجموعة الّتي تلقت التّكوين العسكريّ في إيران على هذا النّحو إلى أن تمّ اعتقال كلّ أفرادها خلال عمليّات متزامنة جرت في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2000 بمناطق مختلفة، بعد تحرّيّات دقيقة حول أماكن وجود عناصر المجموعة الّتي كانت ترغب في النّشاط في "الظّل"، بعيداً عن ضغط "الجماعات المسلّحة" وبمعزل عن رقابة قوّات الأمن.

نوايا رئيس إيراني تجاه الجزائر

ولقد تمكّنّا من التّحدّث إلى"سيف الدّين" الّذي قضى ستّ سنوات بين سجني الحرّاش وتيزي وزّو، وهو ينحدر من ولاية تبسّة (الشرق الجزائري)، وقد أفرج عنه في تشرين الثاني/نوفمبر 2006 بعد نهـاية عـقوبته، أكّد لنا القصة التي نقلناها عن جريدة "الحياة" اللندنية، وأنّه بالفعل تنقل إلى إيران بعدما أقام فترة بدمشق وتلقى تدريبات على حرب العصابات وتعرّض أثناء التّدريب لحادث في عموده الفقريّ.

وقد التقى خلال تلك الفترة الّتي قضاها بطهران بأحمدي نجاد قبل أن يتولى الرئاسة، والتقوا أيضاً مع بعض المحافظين من الثورة الإيرانيّة. وممّا ذكره "سيف الدين" أنّ نجاد أكّد دعمه لهم، وأنّ بلديّة طهران ستكون تحت تصرّف كلّ البعثات الّتي ستقصد بلاده خلال فترة تكوينهم العسكريّ.

كما أكّد "سيف الدّين" في اللّقاءات المتعدّدة الّتي جمعتنا في سجن الحرّاش أنّ القيادة الإيرانيّة العسكريّة وقائد الثكنة الّتي تدرّبوا بها حرصوا على تشيّعهم، فظلّوا يوجّهونهم من أجل تكوين تنظيم شيعيّ يكون البداية من أجل إعلان "ثورة إسلاميّة"، على غرار ثورة الخمينيّ لتكون الدّولة القادمة خمينيّة حتّى النّخاع!

أمّا عن قضيّة التّشيّع فقد أكّد لنا "سيف الدّين"، ولا ندري أتقيّة أم غير ذلك، أنّهم كانوا يصلّون صلاتهم ويتعبّدون على مذهبهم لتفادي الحرج حتّى يتحصّلوا على ما ذهبوا لأجله.

وفي ردّه عن سؤالنا حول عدد الجزائريّين الّذين تدرّبوا في ثكنات الحرس الثوريّ فقد أخبرنا بأنّه لم يقتصر الأمر على مجموعته، فهناك عدد كبير ممّن تدرّبوا والتحقوا بتنظيمات شيعيّة بأفغانستان وعادوا بعدها إلى الجزائر.

"دم النواصب" !

سعت السّلطات الرّسميّة الإيرانية ومرشد ثورة الخميني الأعلى من أجل صناعة ما يسمّى بـ"حزب الله" في الجزائر أو حتّى كتائب لأنصار المهديّ، خصوصاً في فترة الحرب الأهلية الجزائرية التي أدت إلى مقتل ربع مليون مواطن.

لقد توالت الاتّصالات بين قياديين في جماعات مسلحة مع المخابرات الإيرانية، خاصّة في الفترة الأخيرة للأمير شريف قوسميّ وكانت سرّيّة للغاية، وطبعاً الفضل يعود للجزائريّين الّذين التحقوا بالحوزات العلميّة عن طريق شيعة سوريا.

ولا يزال ملفّ الجزائريّين الّذين تلقوا تـدريباتهم في ثكـنات الحرس الثوريّ الإيرانيّ غامضاً، ولـكن كلّ الشّواهد والمعطيات الأمنية وشهادات مسلحين سابقين، تفـيد أنّ عدداً كبيراً منهم عادوا إلى الجزائر، وبينهم من انضوى تحت لواء "الفيدا"، وآخرون أيضاً قادوا فصائل من الجماعة الإسلاميّة المسلّحة "الجيا"، وبينهم من تحصّلوا على درجات كبيرة من العلم ومن خلاله أفتوا بجواز قتل "النّواصب"، والّذي يقصد به أهل السّنّة والجماعة من عموم الشّعب خاصّة.

ونذكر هنا أن آخر أمراء تنظيم "الجيا" الدموي يدعى نور الدين بوضيافي الذي قبضت عليه مصالح الأمن الجزائرية في 2004 بالجزائر العاصمة، كان يذبح الجزائريين من نساء وأطفال وشيوخ ومرضى وعجزة في مجازر قذرة عرفتها الجزائر، بينها التي لا تزال الكثير من أسرارها خفية، وبعد كل عملية نحر يقف بين جنوده ثم يلعق الخنجر وهو يصرخ بصوت مرتفع: "ما ألذ دم النواصب".

بل وصل به الحال إلى نحر زوجته من الوريد إلى الوريد، وترك ابنه الوحيد يتيماً والذي صار عند أخواله العريبي في ضواحي الجزائر العاصمة بعد القبض على آخر خلايا الجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا"، والسبب حسب روايات أشقائها أنها طالبت بالطلاق بعدما ثبت تشيّعه، وشاهدته يمارس المتعة مع فتيات مختطفات بينهن من لم يتجاوز سنهن 15 عاماً.

هذه نماذج عن التجربة المأسوية الجزائرية، والتي تثبت أن إيران قد تحركت في المشهد الدموي الجزائري، ولعبت مخابراتها الدور القذر من أجل تدمير ثورة الجزائريين وتحويلها إلى خراب على البلاد والعباد.

حقائق أخرى في هذا الإطار كتلك التي تتعلق بأحد أبرز أمراء "الجيا" الدمويين يدعى شامة محمد وكنيته "القعقاع"، وهو متشيّع أيضاً، ونحر أكثر من 700 مواطن، تجدونها في كتابي "أسرار الشيعة والإرهاب في الجزائر" الصادر في 2010.

لقد ثبت أن أي مستنقع دموي يحدث في الدول العربية تسارع المخابرات الإيرانية كي تجد لنفسها موطئ قدم فيه من خلال مليشيات موالية لها. وهذا حدث في الجزائر كما أوردنا، ويجري في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وسيبقى يحدث في دول أخرى، وحيثما تكون الحروب الأهلية تجد بصمات إيران التخريبية والتدميرية واضحة للعيان.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة