هل الإخوان تنظيم "مخترق"؟!.. هيا بنا نرى

أحيانا تكون القصص التي تتحدث عن الاختراق خصوصا داخل الجماعات الإسلامية الإصلاحية أو الجهادية تواجه حالة إنكار كبيرة

الاثنين، 18-01-2016 الساعة 22:54


أحياناً تكون القصص التي تتحدث عن الاختراق، خصوصاً داخل الجماعات الإسلامية الإصلاحية أو الجهادية، تواجه حالة إنكار كبيرة من أبناء تلك التنظيمات، حالة الإنكار تلك سببها التنظيم نفسه، كحالة جماعة الإخوان المسلمين، فأدبيات الجماعة الحركية تقول إنها عصية على الاختراق، وإن تنظيمها الهرمي ونظام التصعيد التربوي الداخلي يقوم بعمل تصفية دقيقة.

فكرة صعوبة الاختراق من السلم الأول داخل الجماعة يمكن تصديقها، أي أن يبدأ العضو المدسوس من أول خطوة المحب مروراً بالمؤيد فمنتسباً فمنتظماً ونهاية بالأخ العامل، والأجهزة الأمنية تعلم ذلك، فيكفيها أن تقرر أن تبدأ من حيث لا يمكن على العقل الإخواني تصديق أن يحدث اختراق من مرتبة الأخ العامل مثلاً، وقد يكون هذا العضو قيادياً بارزاً.

فكرة التفخيخ من الداخل، أو السيطرة على قرارات الجماعة الاستراتيجية، ربما يكون الحل الأمثل للأنظمة الأمنية، فالجماعات الإسلامية الضخمة مثل الإخوان بأفكارها الإصلاحية النمطية التقليدية تكون دائماً حالة مثلى لفكرة التوظيف، ويكون دور العملاء مهماً في هذه الحالة، كالتي تعيشها الجماعة مرحلة ما بعد الصدمة وقبل إعادة البناء، فإذا نجحت الأجهزة الأمنية في الوصول لرأس التنظيم أو مفاصله نجحت في إدراته أو تفكيكه في أي لحظة، إذا أرادت.

العميل الذي تجنده الأجهزة الأمنية داخل التنظيمات الإسلامية له طبيعة خاصة للغاية، خصوصاً إذا تم تجنيده في مرحلة متقدمة من عمره، أو من انتمائه للتنظيم، فالرجل يكون في هذه المرحلة قد أعد نفسه من المجاهدين، وأن سلامة التنظيم من الدين، وعليه يكون تركيز الأجهزة الأمنية دوماً على أعضاء التنظيم المقيمين خارج حدود الوطن، باعتبار أنهم بعيدون عن نظر أبناء الجماعة الأم، ونظر محبيهم، ويمكن السيطرة عليهم باعتقال تعسفي أو بالتهديد بالترحيل أو إيقاعه في شيء خارج وابتزازه به، كل الاحتمالات تكون هنا مطروحة.

ربما الأجهزة الأمنية نجحت في إحداث هذا الاختراق داخل جماعة الإخوان خلال العامين عبر مجموعة من أبناء الجماعة بالخارج والداخل..

لا يمكن المرور سريعاً على الحديث الذي أوردته صحيفة الشروق (مقربة من الانقلاب) في تقرير بعنوان ("إخوان كمال" يكشفون "إخوان عزت" المتعاونين مع الأمن)، التي ذكرت فيها مجموعة من أسماء قيادات إخوانية تدير منظومة الصراع داخل الجماعة وهم على وجه الخصوص "م.ا"، "ع.ع"، "م.س"، والذين تحوم حولهم كثير من الشبهات بتعاونهم مع جهة أمنية ما، التي لا يمكن معها السكوت أو القبول بحالة إنكار بدعوى أن "السلطة تريد إيقاع الإخوان في بعضهم، أو بأن إخواننا لا يمكن أن يقوموا بذلك".

الخطير هو تحكم هذه المجموعة في مقاليد الأمور داخل الجماعة، فبعد نشر التقرير الإخباري، تشكلت لجنة عليا للمتابعة، لتكون تحت مسؤوليتها الأمور المرتبطة بالتربية والمناهج، والحراك، وأعمال اللجان، وضمت اللجنة كل هذه الأسماء التي تحوم حولها كل هذه الشبهات. بعض مما ذكره التقرير الإخباري بـ"الشروق" كنت قد أشرت إليه في مقالات سابقة، واكتفيت بنشر "الأحرف الأولى"، أما وأن الأسماء باتت معلنة، وأن هؤلاء يتحركون بكل هذه الأريحية، حتى بعد نشر أسمائهم، فالأمر يقول "إنّ" بل ويتولون مراكز أكثر حساسية داخل الجماعة تجعلهم متحكمين في تفاصيل التنظيم، فعلى كل من يتعامل معهم الحذر.

لا يمكن لعاقل أن يصدق أن دولة عربية داعمة للانقلاب العسكري مادياً وسياسياً تعتقل واحداً من الإخوان "م.ا"، ومعه عشرات آخرون، ثم فجأة نجده في مصر، بل ويرأس لجنة استراتيجية مهمة، في وقت يؤكد الجميع أنه صدر ضده حكم بالسجن 7 سنوات، ولا تنشر المواقع الإخبارية الرسمية لهذه الدولة الخليجية اسمه ضمن المحكوم، في حين أن "سي إن إن" تنشر اسمه ضمن المحكوم عليهم.

نعود مرة أخرى إلى "م ا"، فالرجل مع منتصف مارس/آذار 2015 بدأت تحوم حوله بعض الشبهات، منها على سبيل المثال، أن أحد الإخوان " بالوجه البحري" علم من مصدر له تفاصيل قضية ضباط الجيش المتهمين بقلب نظام الحكم في الربع الأول من عام 2015، وأبلغ هذا العضو المعلومة لمكتبه الإداري الذين أبلوغها للجنة التي يرأسها "م.ا"، فاستدعى "م.ا" العضو صاحب المعلومة، وطلب منه بإلحاح مريب ذكر مصدر المعلومة، فشك العضو في "م.ا"، فأعطاه اسم ضابط غير صحيح ورقماً غير صحيح لوحدته العسكرية، وبعد أسبوع استدعاه "م.ا" وقال له إن اسم الضابط ورقم الوحدة العسكرية غير صحيحيين.

ومن الشكوك التي حامت حول "م.ا" أن أحد الإخوان "بالوجه البحري" عاد عقب الانقلاب مباشرة من نفس الدولة الخليجية التي اعتقل فيها "م.ا"، وتولى مسؤولية في قسم الصف "التربية سابقاً"، ومع بداية الأزمة داخل الإخوان في مايو/أيار 2015 تواصل معه "م.ا"، وتحول الرجل بعدها وأخذ موقفاً مغايراً لما كان عليه، ونجح في التأثير على مسؤول القطاع الإداري الذي يتبعه وأصبحا تابعين لفريق "فريق محمود عزت" بحسب التسمية الإعلامية للفريقين داخل الإخوان.

في السياق نفسه عاد أحد الإخوان "من الوجه البحري" عقب الانقلاب العسكري من نفس الدولة العربية حيث كان معتقلاً هناك، وعذب لمدة أربع شهور، واعترف للإخوان عندما التقى بهم في مصر أنه تحت التعذيب تم تجنيده، وتم تسليمه لضابط مخابرات مصري لدى عودته، ولكنه بعد أيام من اعترافه للإخوان بما جرى له عاد لمنزله ثم اختفى ولم يعثر عليه أو على أسرته.

هذه عينة من الشبهات التي تدور حول بعض الأسماء التي ذكرها تقرير "الشروق"، كما أنها مجموعة من التحقيقات الداخلية التي لم يكتب لها الاستمرار والوصول لنتيجة.

لا يمكن بأي حال الجزم بأن الإخوان عصية على الاختراق، فأي تنظيم مترامي الأطراف، متعدد الشرائح، والفئات، خصوصاً في فترات المحن، بحسب التعبير الإخواني، فالقيادات في السجون عليها حصار مشدد، قطع متكرر لخطوط التواصل بين القطاعات الجغرافية، فضلاً عن الأزمات المالية المتكررة التي يستطيع البعض حلها كـ" ع.ع"، "م.س" ، و"م.ا".

ليس بالضرورة أن يكون أساس عمل العميل هو تسهيل عملية الاعتقال لكل فرق الإدارة والقيادات، بل إن من مهامه الأساسية إزاحة القيادات المؤثرة بالاعتقال أو القتل، والإبقاء على آخرين يسهل السيطرة عليهم، وبذلك يكون التنظيم مسيطراً عليه وخاضعاً لهم ولمن يديرهم، أما لو كانت هناك حالة تنظيمية مرتبة على أساس شكل أصولي ينتمي للإسلام الصحيح المؤمن بالجهاد على بصيرة، تنظيم متماسك قوي لديه خطط ودراسات حقيقية، تنظيم يحافظ على أفراده ويؤمنهم، يبني أعضاءه على أسس علمية وإيمانية صحيحة، في حال وجود تنظيم على هذا النسق فإن الانقلاب والعسكر سينتهون.

الفكرة الأساسية التي أحوم حولها، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها، وضرورة تكوين الجماعة جهاز أمني داخلي، يحقق في سلامة التنظيم داخلياً، يتابع أعضاءه، تحركاتهم، اتصالاتهم، ليس تشكيكاً فيهم ولكن لتأمينهم، وتجاوز فكرة الاختراق، سواء الخارجي أو الداخلي، إذا أرادت الجماعة بالفعل بداية حقيقية لها، يستلزم إعادة بناء مؤسساتها على نسق علمي، وتجاوز أفكار الدروشة الأمنية.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة