هل الديمقراطية هي الحل في الوطن العربي؟

في العالم العربي جنرالات ينقلبون على الديمقراطية لأنها أعطت الحكم لغير المرغوب فيهم سياسياً وإيديولوجياً ودولياً.

الخميس، 11-12-2014 الساعة 11:35


لقد رأينا في العالم العربي جنرالات ينقلبون على الديمقراطية لأنها أعطت الحكم لغير المرغوب فيهم سياسياً وإيديولوجياً ودولياً، مثلما حدث في الجزائر عام 1992 وفي مصر عام 2013، وكاد يحدث في تونس بعد اغتيال مشبوه للمعارض شكري بلعيد وفي جريمة لا تزال غامضة ولا توجد نية صادقة لدى الجهات الأمنية لتفكيك طلاسمها.

ورأينا تنظيمات مسلّحة تعيث قتلاً وتدميراً من أجل أن تفرض منهجها في الحكم، ورأينا علمانيين وليبراليين كانوا يصدّعون رؤوسنا بالحديث عن الديمقراطية وبمجرّد أن أفرزت صناديق الاقتراع فوز "الإسلاميين"، هرعوا نحو الثكنات لتقبيل الأحذية ويستنجدون بالعسكر لقتل غيرهم والاستيلاء على الحكم.

ورأينا ناصريين وبعثيين وقومجيين كما يسميهم فيصل القاسم، كانوا يتحدّثون عن الثورات أكثر مما يشربون الماء، ولما ثارت الشعوب راحوا يدعّمون الطغاة والمستبدّين مثلما يحدث في سوريا، بل وفي قمة التناقض الصارخ نجد أغلب دعاة القومية العربية ارتموا في أحضان إيران الفارسية التي مشروعها الصفوي هو أخطر ما يهدّد الوجود العربي.

لا يمكن أن تطبّق الديمقراطية أبداً، بسبب تواجد موانع أيديولوجية وثقافية وفكرية وسياسية لها تأثيرها في العالم العربي، كما هناك تحديات في طبيعة المجتمعات العربية التي لا تزال تسيطر عليها عقلية شعبوية لا تخرج عن إطار منطق الولاء للقبيلة والعشيرة والعصبية للعرق والتطرّف للهوية مهما كان نوعها.

قبل تطبيق الديمقراطية يجب أن تكون هناك قابلية لها والتي لا يمكن أن تتجلى إلا بمجتمع مثقفٍ وواعٍ وهذا يستحيل تحقيقه من دون تحرير المنظومات التربوية أولاً وقبل كل شيء.

فإن كانت أكثرية المجتمع غير مثقفة ولا تملك أي حسّ وطني، فإن الديمقراطية ستجعل أمثال هؤلاء يقرّرون مصير البلاد ويذهبون به للهاوية، وإن كانت الأغلبية مستبدة في ممارساتها اليومية، فلا يمكن أن تقبل بقواعد لعبة تناهض الاستبداد أو ترسي دعائم الاختلاف المشروع والرأي والرأي الآخر.

حتى الأحزاب التي هي أبرز وجوه العمل الديمقراطي نراها بالعالم العربي سقطت في الشعبوية والفساد والأحادية، وتحولت إلى مجرد آليات للصراعات المافياوية وغدت مجرد دكاكين للفتن السياسية والدينية والمذهبية والعرقية، كما أنه يمنح لها الاعتماد من وزراء الداخلية كي يحافظ بها المستبدّون على حكمهم ويسوّقوا عبرها وجهاً "ديمقراطياً" مشرقاً!

أما العمل الجمعوي الذي يساهم في تأطير المجتمع عبر هيئات فاعلة لديها حضورها في الوسط الشعبي، فلا يختلف كثيراً عما تعانيه الأحزاب السياسية من فساد ومتاجرة بالقيم الدينية والوطنية والاجتماعية.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: أين الحل؟

نحن أمام ثلاثة خيارات:

أولاً: مراجعة الديمقراطية وجعلها تتماشى مع قيم الأغلبية الساحقة من المجتمع، فلا يعقل أن الديمقراطية تعني حكم الأغلبية وأغلبية المواطنين يكفرون بها ويرونها من نواقض عقيدتهم الإسلامية، من خلال أن الحاكمية لله سبحانه وليست للشعب كما هو في الديمقراطية الغربية.

أو أنهم لا يثقون فيها مطلقاً لأنها تؤدّي إلى إرساء دعائم أنظمة مارست كل صنوف الفساد والاستبداد. وهذه المراجعة تقف أمامها تحدّيات كبيرة منها الدينية والسياسية والعشائرية والقبلية التي تحكم الذهنية والمخيال الشعبي العربي للأسف الشديد.

ثانياً: أن تتمّ صناعة منهج حكم آخر يستفيد من كل تجارب تجري في العالم وفق رؤى لا تتناقض مع المبادئ العامة للمجتمعات العربية والإسلامية، كما أن هذا المنهج لا يقف في صراع مع المنظومة الدولية ولا يتناقض معها.

وبدورها توجد تحديات أمامها لأن الذين يكفرون بالديمقراطية يرون أن الحكم هو للإسلام فقط ولا نحتاج إلى أيّ تجربة أخرى مهما كان نوعها، كما أنهم يؤمنون أن ما قليله حرام فكثيره أيضاً، والإسلام جاء بمنهج حكم لا يحتاج إلى استيراد أي منهج آخر، ولا يقبلون حتى تكييفه مع النظم الدولية القائمة.

كما أن المجتمع الدولي لن يقبل أي تعديل لديمقراطيته، التي يسوّق لها كفكرة ينتهي التاريخ عندها، بل يجرّم كل من لا يتمسك بها ولو كانت الحريات العامة متوفرة أكثر مع منهج حكم آخر مثل الإسلام.

وهنا تجدر الإشارة أن ما حققه الإسلام من حريات وما تحفظه الشريعة الإسلامية من مقاصد للدين والنفس والعقل والنسل والمال لم يسبق لها مثيل ولن يأتي أفضل منها مع غير دين الله سبحانه وتعالى. ورغم كل ذلك نجد القوى الكبرى لا تريد أن ترى غير ديمقراطيتها مفروضة بمنطق القانون الدولي أو التدخل العسكري على كل الشعوب العربية والإسلامية، ووفق ما يخدم مصالحها فقط.

ثالثاً: التخلّي النهائي عن هذا الديمقراطية والاحتكام إلى سياسة تتماشى وقيم المجتمعات ولن تكون سوى إسلامية، وهذه ستصطدم مع القوى الكبرى التي جعلت نفسها وصية على تصدير الديمقراطية للعالم، وكل من يخالفها فقد تجرأ عليها وعلى القانون الدولي الذي يشرعن مواثيقاً لا يمكن أن تحرّر العالم العربي وتصل به إلى فرض أجندته في الحكم والسياسة.

للأسف، لقد غدت الديمقراطية علامة غربية مسجّلة يحرم المساس بها أو تعديلها أو الأخذ بها وفق ما يتماشى مع قيم المجتمعات، وهذا يحدث مع المسلمين فقط، رغم أن هذه الديمقراطية لم تحقق للشعوب العربية أي تطوّر بل عادت بحروب أهلية وصراعات دموية، والسبب الأساسي في كل ذلك أن الديمقراطية بمفهومها الغربي لا تنطبق على الشعوب المسلمة، فهي تتناقض مع قيمهم الدينية وعقليتهم، لذلك فرضها بمنطق فوقي لن يحقق إلا نتائج سلبية. فضلاً من أن الغرب نفسه يحاول التسويق للديمقراطية والاستبداد معاً، فهو يدعم الانتخابات في بلد ويساعد انقلابيين في بلد آخر ولو كان ذلك على ديمقراطية تمت بمقاييس عالمية اعترف الجميع بشفافيتها كما حدث في مصر.

ليطرح سؤال آخر نفسه بشدة:

ما هي الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق الديمقراطية في العالم العربي؟

للأسف أن الديمقراطية تكون نتيجة ولا تفرض بالقوة، ولكن مع العالم العربي نجد أنفسنا أمام الاحتمالات التالية:

أولاً: فرض الديمقراطية بالقوة من طرف الأنظمة الحاكمة، وهذا بحدّ ذاته يتنافى مع قيم الدمقرطة، ولا الحكام العرب لديهم قابلية لديمقراطية قد تسقطهم من السلطة. والدول العربية التي توصف بالديمقراطية مثل الجزائر لم يتغير نظام حكمها وكل ما يجري هي انتخابات على مقاس الحاكم فقط تتحكّم في صناعته المؤسسات العسكرية. كما نجد الجنرال السيسي قتل الآلاف بعد انقلاب عسكري على رئيس منتخب شرعياً، ونراه يسوّق لنفسه ونظامه على أنه ديمقراطي ومن تحت قبّة الأمم المتحدة!

ثانياً: فرض الديمقراطية على الدبابات الغربية، وهذا لا يمكن أن ينجح أبداً لأن قيم الديمقراطية وطبيعة المجتمعات العربية لا يمكن أن تقبل دمقرطتها بالغزو العسكري والاحتلال الأجنبي. وأمامنا تجربة العراق الذي دخل في حروب ودمار وخراب، بعدما حاول بوش الابن أن يدخل الديمقراطية على ظهر دباباته العسكرية ومع عملاء استخباراته ومخابرات إيران.

ثالثاً: الشعوب هي التي تفرض الديمقراطية بالمظاهرات والحراك الثوري وهذا بدوره من الصعب نجاحه، فتجربة ما يسمى "الربيع العربي" كشفت أن تحقيق ذلك ليس سهلاً أبداً، وقد سالت أنهار من الدماء في سوريا، وليبيا دخلت في حرب أهلية، وتونس رغم أنها لا زالت النموذج الناجح لحدّ ما عرفت تناقضات كبيرة وصلت لدرجة الاغتيالات السياسية لناشطين محسوبين على التيار الديمقراطي والشبهات تحوم على ديمقراطيين آخرين أيضاً.

رابعاً: أن يتخلّى العالم العربي عن الديمقراطية نهائياً ويكون له بديل آخر للحكم وفق مرجعيته الإسلامية، والتي فيها الكثير من الحريات الفردية والعامة التي تفوق الديمقراطية الغربية كثيراً، وهو الذي سبق وأن أشرنا إليه.

طبعاً هذه الاحتمالات تحتاج لوقت طويل، مما يجعل الديمقراطية بعيدة عن الوضع العربي ولن تتحقّق أبداً وتحتاج إلى مراجعات حقيقية تتماشى مع قيمنا الإسلامية والاجتماعية، ومن طرف نخب فكرية وعلمية وشرعية وقانونية لا تزال مغيّبة عن المشهد للأسف الشديد.

Linkedin
Google plus
whatsapp
مكة المكرمة